• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : المدلولات العقائديَّة في ادعية اهل البيت (ع) .
                          • الكاتب : صلاح عبد المهدي الحلو .

المدلولات العقائديَّة في ادعية اهل البيت (ع)

 

في الأدعية والزياراتِ من اللفتات العقائدية والفكرية العجيبة الغريبة ما لا يُوجد في علم الكلام وكتبه وما فيها من قيلٍ وقالٍ, ونقضٍ وإبرام.
في ليلة الخامس عشر من شعبان ذكرى اشراقة المصباح الثاني عشر من نجوم الهدى قرأتُ دعاءً من أدعية تلك الليلة؛ ولمَّا كانت لي إلى الله في تلك السويعات حاجةٌ لم تُقضَ , تلوتُ الصلواتِ بشيءٍ من التأمُّل والتدبُّر راجياً قبول الدَّعوات بفضلة ورحمته, لا باستحقاقي واستوجابي.
وخُيِّل لي,أنَّه كما ثبتت رسالة الرسول الأعظم - صلى الله عليه وآله - ببلاغة القران,كذاك نستطيع إثبات إمامة الائمة - عليهم السلام - ببلاغة أدعيتهم, وعلومها,ناهيك عن المدلولات العقائديَّة التي فيها.
انظر إلى هذه القطعة من دُعاء الصباح: (اللّهُمَّ يا مَن دَلَعَ لِسانَ الصَّباحِ بِنُطقِ تَبَلُّجِهِ، وَسَرَّحَ قِطَعَ الّلَيلِ المُظلِمِ بِغَياهِبِ تَلَجلُجِهِ، وَأتقَنَ صُنعَ الفَلَكِ الدَّوّارِ في مَقاديرِ تَبَرُّجِهِ، وَشَعشَعَ ضِياءَ الشَّمسِ بِنُورِ تَأجُّجِهِ...).
انظر إلى موسيقى اللفظ في الجمل الأربع, والسجعة فيها: (تبلُّجه - تلجلجه - تبرّجه - تأججه).
وتأمَّل في توازن الجملة الأولى والأخيرة في عدد الكلمات والبناء
(دلعَ لسان الصباح)= (شعشع ضياء الشمس)
(بنطق تبلّجه)= (بنور تأججه)
وتدبَّر الجملتين 2و3 وتناظرهما
(وسرَّح قطعَ الليل المظلم)= (واتقن صُنع الفلك الدَّوار)
(بغياهب تلجلجه) = (في مقادير تبرّجه)
أرأيتَ ذلك النور المنشق من وراء ظلمة الليل, كاللسان الخارج من بين ثنايا الفم, يُعلن عن نفسه ويقول :ها أنذا , ولكن لا بالصوت المسموع, بل بالكيف المُبصر ,بنور تبلّجه,أي: اشراقه؟
أرقى تعبيرٍ معاصرٍ يقول: نطق لسان الصباح بكلمات ضيائه, وأين هذا من بيان أمير البيان؟
ثم انظر إلى تعبيره (لسان الصباح) ما أجمله, وما أجمل أن تجعل لهذا الصباح لساناً يُعرب به عن نفسه.
تحسَّسْ هذه الحياة المتوثّبة في هذا المقطع,
اللسان ينطق, كأنه في ترنيمة تسبيح,ومناجاة صلوات.
واستمع إلى الحركة النابضة في تسريح (ارسال) قطع الليل المظلم في غياهب (ظلمات) تلجلجه (تلاطمه وتردّده).
وكرر البصر إلى الفلك (الدَّوار) فهو في شغلٍ دائبٍ بالحركة والمسير.
وحدِّق بعين البصيرة لا البصر إلى ضياء الشمس الطاغي, وإلى دفق النور فيه,كأنَّه لوضوح اشراقته تسمعه ولا تبصره - (يتشعشع) - فهذه الكلمة تمدُّ اللسان بالحيوية وتجعله يتراقص بين شفتي مرتل الدعاء, فلا يكاد يستقر حتى يطرب مرةً ثانيةً على كلمة (تأججه).
ودعني عن اتمام القول في ذلك,فحقاً لستُ أهلاً له؛فلقد نسيتُ علوم البلاغة ولا استطيع الخوض فيها, لذاك تجنَّبتُها, غايتُهُ أني أحببتُ أن أتكلَّم عن شيءٍ يسيرٍ منه, وكان دليلي في ذلك الاستذواق الشَّخصي لا غير.
وامهلني حتى أعطف على جملةٍ أخرى من أدعية ليلة النِّصف من شعبان, ما عن الإمام الصادق - عليه السلام - (وتغمَّدَني في هذه الليلة بسَابِغِ كرامتك)
انظر إلى حرف الغين -والذي يخرج من آخر الحلق من ناحية الفم - في كلمتي (تغمَّدني) في أول الجملة (وسابغ) في آخرها.
تعال بالله عليك واجعل كلمتين أخريين مكانهما, قسماً لن تؤدي معنيهما, ولا تعزف موسيقاها.
فالغمد غلاف السيف الذي يحفظه, والسابغة صفة الدرع التي تحفظ المقاتل في الحرب,فأنت بين حفظين: الغمد: تغمَّدني, والدرع (سابغ).
جرِّب أن تقول: (واغمرني - في هذه الليلة - بواسع كرامتك)
أو : (وغطّني - في هذه الليلة بكثير كرامتك), وقارن بين ما جرَّبتَ وجملة الدعاء, فرقٌ بطينٌ في اللفظ والمعنى.
انظر إلى الإعجاز (النَّفسي) في كلام الإمام زين العابدين - عليه السَّلام - في تحليل نفسيَّة العاصي:
(وعزتك وجلالك, ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض،
ولكن سولت لي نفسي، وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليَّ)
طبّق هذه الكلمات على نفسك, وأنا اطبّقها على نفسي, فعلاً, حين نعصي الله تعالى فلسنا نريد - والله - التعرّض للمعصية, وليس عندنا جهلٌ بأليم عقابه حتى يجعلنا عبرةً لكلِّ معتبر (النكال), ولا من باب الشك به تعالى, لكن خداع النَّفس, وغلبة الشهوة, وسترك الذي عودتني عليه جعلني ارتكب المعصية لغلبة الشهوة, والشقوة.
علم النَّفس الحديث سيردُّ ذلك إلى الكبت الجنسي,أو الوسواس القهري,أو عوامل عضوية بايلوجية ونحو ذلك.
ويرى أن المذنب سيعاني من حالة الحزن والاكتئاب والقلق النَّفسي, ويُعالج ذلك كلّّه بالأدوية والجلسات النفسية.
في حين ان محاورة العبد المذنب مع ربِّه التَّواب توطِّد مشاعر العبودية في نفسه, وتجعله يُحدِّث نفسه بالتوبة ويُحارب المعصية في الجولات القادمة قدر ما يستطيع, وتخلقه انساناً آخر خالياً من العقد.
وأريدُ أن اختم الكلام بالاعجاز البلاغي للإمام الحسين - عليه السلام - في بيان اعجاز الخلق لربِّ العالمين في دعاء عرفة:
(بْتَدَعْتَ خَلْقي مِنْ مَنِىٍّ يُمْنى ، وأَسْكَنْتَني في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ، بَيْنَ لَحْمٍ ودَمٍ وجِلْدٍ ، لَمْ تُشْهِدْني خَلْقي ، ولَمْ تَجْعَلْ إِلَىَّ شَيْئاً مِنْ أَمْري ، ثُمَّ أَخْرَجْتَني لِلَّذي سَبَقَ لي مِنَ الْهُدى إِلَى الدُّنْيا تامّاً سَوِيّاً ، وحَفِظْتَني فِى الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً ، ورَزَقْتَني مِنَ الْغِذاءِ لَبَناً مَرِيّاً ، وعَطَفْتَ عَلَىَّ قُلُوبَ الْحَواضِنِ ، وكَفَّلْتَني الأُمَّهاتِ الرَّواحِمَ ، وكَلأْتَني مِنْ طَوارِقِ الْجانِّ ، وسَلَّمْتَني مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ ، فَتَعالَيْتَ يا رَحيمُ يا رَحْمنُ ، حتّى إِذَا اسْتَهْلَلْتُ ناطِقاً بِالْكَلامِ ، أَتْمَمْتَ عَلَىَّ سَوابغَ الاْنْعامِ ، ورَبَّيْتَني زايِداً في كُلِّ عامٍ ، حَتّى إذَا اكْتَمَلَتْ فِطْرَتي ، واعْتَدَلَتْ مِرَّتي ، أَوْجَبْتَ عَلَىَّ حُجَتَّكَ بِأَنْ أَلْهَمْتَني مَعْرِفَتَكَ ، ورَوَّعْتَني بِعَجائِبِ حِكْمَتِكَ ، وأَيْقَظْتَني لِما ذَرَأْتَ فِي سَمائِكَ وأَرْضِكَ مِنْ بَدائِعِ خَلْقِكَ ، ونَبَّهْتَني لِشُكْرِكَ وذِكْرِكَ ، وأَوجَبْتَ عَلَىَّ طاعَتَكَ وعِبادَتَكَ ، وفَهَّمْتَني ما جاءَتْ بِه رُسُلُكَ ، ويَسَّرْتَ لي تَقَبُّلَ مَرْضاتِكَ).
ليت بعض الأطباء من المؤمنين, تعاونوا مع بعض علماء البلاغة منهم على كشف الاعجازين: العلمي والبلاغي في هذا الكلام الشريف.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=166076
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 03 / 20
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 17