• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : مفهوم العيد الإسلامي .
                          • الكاتب : تبارك صباح .

مفهوم العيد الإسلامي

   كلمة العيد مأخوذة من العودة بعد الغياب الطويل، كما لو غاب عن الإنسان محبوبه القريب إلى قلبه زمنا طويلا، فاشتاق إلى لقائه وعناقه، فاذا عاد إليه ابتهجت نفسه، وسر قلبه بلقائه.

  ولو سألت هذا الإنسان: بقدر شوقك إلى لقاء محبوبك بعد غيبته، بماذا تحب أن يعود إليك؟ لوجدت الجواب: أحب أن يعود إليَّ حافلا بالسلامة، متوّجا بالصحة، متمتعاً بأحسن حال مما كان عليه حين فراقه. ثم اسأله ثانية: ماذا لو كان العكس؟ يجيبك: إذا ما عاد منتكسا متعبا بأسوأ حال مما عهدته عليه قبل فراقه، كانت عودته عليّ حزنا وألماً ومأساة.
  ونحن في كل مناسبة عيد اسلامي، نستقبل يوما جديدا في حياتنا مشرقا على وجودنا، يعتبر هذا اليوم خاتمة لفترة زمنية طويلة مرّت على فراقه، حافلة بالأتعاب والأعمال والكفاح المحتدم، ويعتبر من ناحية أخرى مفتاحا لفترة زمنية جديدة تتعرض لنفس الأثقال والعناءات، وعلى هذا يكون العيد مسرا مبهجا لقلب الانسان المؤمن، إذا ما عاد مكللا بالعافية، ومتوّجا بالصحة مما كانت قد حملته عليه تلك الفترة الزمنية، من أتعاب ومعاناة وغبار العمل والجهد، حاملا اليه نتيجة عمله وثمرة جهوده وأتعابه، ليقدمها بين يديه تحفة تكون موضع شكره واعتزازه بذلك المحبوب العائد اليه، وهو يدعوه الى المحافظة على هذه التحفة، والحرص عليها في صندوق مدخراته ومعرض هداياه.
فالعيد الاسلامي يأتي على الانسان المؤمن لينفض من على بدنه وروحه أتعاب العمل، وغبار المكافحة والصراع المرير مع شهوات النفس ونزوات الشيطان للفترة الزمنية الغابرة، ويتحفه بثمرة وهدية جديدة هي حصيلة الامتحان النهائي في معهد الاعداد التربوي الذي أسسته السماء، وهذه الثمرة والنتيجة هي: السلامة والمعافاة من سموم الشيطان وأدواء النفس، ومغريات الدنيا. أما اذا بقي العيد يحمل نفس تلك المعاناة، وغبار تلك الصراعات، ومخلفات الفترة الزمنية السابقة، ليلقيها على بدن الانسان وروحه من جديد، فأية فرحة أو بهجة يدعيها الانسان ويتصنعها ويخادع بها نفسه؟
  وبما أن شهر رمضان ساحة صراع وكفاح، حصيلتها النجاح والانتصار على مغريات الشيطان وشهوات النفس، وثمرتها العبادة، والتوبة، والوفاء، والصدق مع الله تعالى والانسانية، أفلا ينبغي أن تبقى هذه الثمرة والهدية التي يتحفنا بها عيده المبارك محفوظة في صندوق مدخراتنا من الأعمال الصالحة؟ وبما أن فترة الحج ومناسكه، فترة صراع وكفاح ومواجهة مباشرة أخرى مع النفس والشيطان وبهرج الدنيا وزخرفها، تتمخض عن ثمرة أخرى هي: الخلاص من الذنب وتبعاته، والنقاء من غبار الأهواء واغراء الدنيا ودناءتها، كما جاء في الحديث عن أبي عبد الله الصادق (ع) عن أبيه (ع): (من أم هذا البيت حاجا أو معتمرا مبرءا من الكبر، رجع من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمه) الوسائل: 11/93، أفلا ينبغي أن تبقى هذه الثمرة والهدية التي يتحفنا بها عيده المبارك محفوظة في صندوق مدخراتنا من الأعمال الصالحة؟
  وهكذا نستطيع ان نوسع من مفهوم العيد في الاسلام، لنقول: ان العيد الاسلامي، هو عودة الانسان الى ربه من جديد في أية لحظة أو أي يوم من أيام عمره، فان كل يوم يتكامل فيه الانسان، وتتسامى روحه وتزكو نفسه، ويتنقى وجوده مما كان عليه من سقطات الذنب، وذر الهوى، ونزوات الشيطان، هو عيد سعيد ومبارك في أيام عمره، وبهجة مونقة في حياته ووجوده، لأن من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون، أفلا ينبغي أن يكون اليوم الحافل بالشر والمعصية يوم عزاء ومأساة؟
  فالعيد الحقيقي هو اليوم الذي يعود على الإنسان، وقد أصلح فيه نفسه وازداد فيه هدى، وارتدع عن ردى، كما روي عن الامام علي (ع) قوله: (اذا طلعت علي شمس يوم لا ازداد فيه هدى، ولا ارتدع عن ردى، فلا بورك لي في طلوع ذلك اليوم).
  وليس العيد هو اليوم الذي يربح فيه الانسان درهما أو دينارا فيفرح لذلك الربح، ويأسى اذا ما كانت فيه خسارة مادية. وقد روى عن الامام علي (ع) انه مر هو وجماعة على دار، فسمع فيها صوت صراخ وعويل، فسأل عن ذلك؟ فقيل له: إن أهل هذا البيت قد فقدوا شخصا من أفرادهم، فاسترجع وقال: ظننت أن فريضة من الصلاة ضاعت عليهم، فحزنوا لها وأعولوا عليها) ليؤكد (ع): أن الحزن الحقيقي هو لضياع الدين واختفائه من حياة الانسان، كما أن الفرح والعيد الحقيقي هو حضور الله تعالى في قلب عبده، وقرب العبد من ربه عز وجل.
  وعلى الانسان المسلم – إذن - اذا ما ربح درهما أو دينارا، أن يسأل نفسه: هل ربح معه حسنة أو عملا صالحا يقربه من ربه؟ وعليه اذا ما اغتسل من الأوساخ والدرن الذي لحقه من أتعاب العمل، أن يسأل نفسه: هل اغتسل من ذنوب وآثام ذلك اليوم الذي مرّ عليه؟ وعليه إذا ما لبس ثوبا جديدا في مناسبة أو في غير مناسبة أن يسأل نفسه هل لبس معه ثوب الطاعة والنقاء والخلق الاسلامي؟
وعليه اذا ما صافح أخاه مهنئا له في مناسبة، أن يسأل نفسه: هل صافحه قلبه وأحبه من أعماقه، وهل أحب له الخير والهدى والصلاح منطلقا من الحديث الشريف: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه)؟ فاذا نجح الانسان في الإجابة على سؤاله لنفسه، كان ربحه عيدا، وغسله عيدا، ولبسه عيدا، ولقاؤه بأخيه عيدا، وكل يوم من أيام حياته عيدا، فليس العيد لمن لبس الجديد بل العيد لمن خاف الوعيد.
  اللهم إنا نسألك المعافاة في الأديان كما نسألك المعافاة في الأبدان، اللهم أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقونا واجعلها الوارثة منا، واجعل ثارنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا). والحمد لله رب العالمين




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=168029
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 05 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 10