• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الفضائيات والشعوذة .
                          • الكاتب : هناء احمد فارس .

الفضائيات والشعوذة

من عجائب الزمن، أن تنقلب ثورة المعلومات والتقنية المعاصرة ضد البشرية، وتحيطهم بما لا تحمد عقباه، فبدلاً من تأسيس أجيال علمية معرفية ذات عقول نيّرة، وطاقات إبداعية خلاقة باستخدام أمثل للمعلوماتية والتكنولوجيا المتطورة، نجد أن هذه التقنية في كثير من المجالات، تنحدر بهم الى الهاوية.
 ففي الآونة الأخيرة، أصبحت شاشات التلفاز والمواقع الالكترونية التي ملأت الفضاء العربي، تعمل على ترويج ظاهرة السحر والشعوذة بحلة جديدة تواكب الحداثة، فبعد أن كان المشعوذ أو الساحر، يعمل في الخفاء بعيداً عن الأنظار، مترقباً خائفاً من عقاب القانون، برز الآن بصورة علنية وبمسميات جديدة ابتدعوها، ولقبوا بها أنفسهم، مثل: (المعالج الروحاني، عالم وعالمة الفلك، والشيخ أو الشيخة) وغيرها من المسميات الزائفة، مقابل أموال طائلة تُدفع لهم.
 ولم تظهر هذه الأفكار من فراغ، إنما خرجت من مدارس متخصصة بالسحر والشعوذة في فرنسا وانكلترا، وبعض دول أوربا، وسرعان ما افتتحت فروعها في بلاد المسلمين عبر القنوات الفضائية والمواقع الالكترونية؛ بغية استقطاب المهتمين، وضعاف النفوس والجهلة، هدفها التشكيك بالدين والعقيدة وتفكيك الأسر العربية، ولغرض جلب الأموال وحصول شهرة واسعة وبشتى الطرق.
 مجلة صدى الروضتين سلطت الضوء على ظاهرة الشعوذة التي انتشرت في الفضائيات من خلال التحقيق الذي يعد غيضاً من فيض لما يحصل على أرض الواقع.
- لماذا يلجأ الناس لمشاهدة هذه القنوات؟
المهندسة انتظار الحجامي: يلجأ العديد من الناس لمتابعة هذه البرامج؛ لأنهم يعتبرونها محطة استراحة، يستريحون عندها من مشوار يوم متعب، أو هرباً من واقع بائس، آملاً بمستقبل زاهر يوهمهم المشعوذون بتحقيقه. وقد ازدادت هذه الظاهرة نتيجة لوجود فضائيات تدعمهم، وتعتبرهم وسيلة للتكسب المادي عن طريق الاتصالات، وتحويل الأرصدة، وكل ذلك على حساب المتابعين في المجتمع الشرقي بصورة عامة، الذين لايزالون يعتقدون بالخرافات والخزعبلات، متناسين حرمة هذه الأعمال، فأصبحوا فريسة سهلة بيد هؤلاء الدجالين الذين يأخذونهم الى عوالم بائسة، تكون نهايتها خزياً في الدنيا، وعذاباً في الآخرة.
- ما هو دور الإعلام في هذا الموضوع؟
الإعلامي كرار الغزي: من أخطر ما يواجه المجتمع هو الاعلام الموجه الذي يمثل سلاحاً ذا حدين بحسب استخدامه، ففي الآونة الأخيرة ظهرت العديد من البرامج التلفزيونية التي تدعم من يبث الشعوذة، ويروّج للسحر، ويدّعي علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
 وقد أخذ عدد المشعوذين يزداد لإقبال المتصلين، وأغلبهم من النساء والشباب الذين لا يمتلكون الوعي الثقافي والديني، لذا أصبح من واجب وسائل الاعلام استخدام السلاح الايجابي بتوعية هؤلاء الضحايا وإرشادهم، وتوعيتهم بمخاطر هذه الأعمال، وإظهار زيف وادعاء هؤلاء الدجالين.
 وبما أن القضية تخصّ أمة المسلمين، فلابد من التكاتف لمنع القنوات المسلمة من بث هذه البرامج.
- هل صحيح أنّ النساءَ يتابعن برامج الشعوذة أكثر من الرجال؟
أم سجى 38 سنة متعلمة: من وجهة نظري، إن الناس يتوجهون الى متابعة هذه القنوات؛ بسبب ما يمرون به من ضغوطات نفسية ومشاكل وخاصة النساء، فالمرأة ليست مثل الرجل، فهو عندما يتعرض الى مشكلة يعبّر عنها أو يحلها بطرق شتى.
 أما هي، فتعبيرها بالبكاء أو الكبت أحياناً، فتصاب بالاكتئاب، وتشعر أنها في مأزق، وتريد من يساعدها للخروج منه. كما حصل معي، عندما كنت أمرّ بمشاكل مع زوجي، ولم أعرف كيف أتصرف سوى متابعة برامج الأبراج، وقرأت الكفّ والفنجان، وكل ما يتعلق بها من مسميات.
 في البداية، كانت للتسلية، بعدها تحولت الى مشاركة وتعليقات، ودفعت الأموال للتواصل مع هؤلاء الذين أوهموني بأنهم يمتلكون عصا موسى في الحصول على كل ما أتمنى بلمح البصر، والحقيقة أنهم كاذبون، ولا يستطيعون فعل شيء غير النصب والاحتيال.
- عرفنا أنكَ تعرضتَ لمثل هؤلاء المحتالين، سرقوا الأموال وتركوا المشكلة؟
  أبو نور في الأربعين من العمر، صاحب محل لبيع الملابس:ـ حصلت في بيتنا مشكلة معقدة، ولم نتوصل الى حلها، فأشار عليّ أحد أصدقائي بمراسلة شخص (سمسار) له صلة مباشرة بأحد الشخصيات (الروحانية) المعروفة على مستوى الفضائيات، وله برنامج أسبوعي وآلاف المتابعين.
 اتفقنا على أن يوصلني له بشرط دفع المبلغ على دفعتين، الدفعة الأولى تحويل ألف دولار كمقدمة للبلد الذي يعيشون فيه، وعند انجاز العمل تحويل باقي المبلغ، وبعد أن حصلت على الرقم الشخصي للروحاني (المشهور)، طلب أن أحضر بعض الأشياء، وأعمل جزءاً منها بنفسي، وهو يعمل الجزء الآخر حتى يكتمل العمل كما ادعى.
 لكنني وجدت أن الأمور ازدادت سوءاً، والمشكلة تعقدت أكثر، وعندما حاولت الاتصال به، وجدت جهازه مغلقاً، ورقم السمسار خارج الخدمة. وقد سرقوا نقودي والمشكلة بقيت عالقة !
- ألا يوجد نصّ قانوني عربي يجرم هذه الأعمال؟
الحقوقي أحمد كاظم يؤكد: انه لا توجد نصوص قانونية موحدة بين الدول العربية في اجتثاث هذه الظاهرة التي تعد من الظواهر السلبية في المجتمع، فلكل بلد قانونه الخاص، وفي القانون العراقي مثلاً يعالج قانون العقوبات في مادته (456) التي تعد أعمال السحر والشعوذة جرائم نصب واحتيال؛ لأنها تهدف الى الكسب غير المشروع بطرق ملتوية.
 وهذا النص غير رادع لمثل هذه الجرائم التي تفتك بالمجتمع، لذا على المشرع أن يسنّ قانوناً يحدّ من هذه الظاهرة التي استفحلت في السنوات الأخيرة، وستتفاقم أكثر إن بقيّ الحال كما هو عليه.
رأي صدى الروضتين: من الموروثات الجاهلية، كانت الكهانة والعرافة التي كانت تعمل بها المجتمعات القديمة والديانات الأخرى. وعندما جاء الدين الإسلامي، نهى عنها، ونبّه الى خطورة التعامل معها، حيث قال تعالى: «وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ...»(1).
 كما ذمّ السحر والسحرة: «وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى»(2). والشريعة الإسلامية، بيّنت حرمة هذه الأفعال، كما أكدت عليها الأحاديث النبوية وأحاديث الأئمة المعصومين (عليهم السلام).
 ولا يوجد أحد من الفقهاء يفتي بجواز العمل بالسحر مطلقاً. وأما توجه الناس لمتابعة هذه البرامج، فهو نتيجة اتجاه المجتمع نحو الجهل واستغلال الفضائيات لهذا الجهل، وضعف الوازع الديني، وعلى كل المستويات والطبقات الاجتماعية، فأخذ أغلبها يعمل على ترويج أعمال الشعوذة والدجل وادعاء هذه القنوات أنها تعالج الناس من الأمراض، وتحلّ مشاكلهم، وتحقق أحلامهم، وغيرها من الأوهام، وهم يعلمون أن كل شيء بيد الله سبحانه وتعالى، وبإمكانهم اللجوء الى القرآن الكريم لحلّ جميع مشاكلهم، والاستعانة بالله والتوكل عليه في جميع الأمور.
الخاتمة:
 إن الشعوذة أصبحت ظاهرة متفشية في المجتمع العربي، وتحتاج الى تكثيف التحذيرات من مخاطر التعامل مع هؤلاء الذين يدسّون سمومهم في أفكار ومعتقدات الجمهور بشكل علني، كذلك تحتاج تكاتف جميع الجهود من رجال الدين ورجال الإعلام المهني والساسة والقانون؛ لتوحيد كلمتهم في شنّ حملات مضادة لردع هذه القنوات والمواقع الالكترونية ومعاقبة المروّجين لها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة: 102 
(2) سورة طه: 69




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=168451
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 05 / 13
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 06 / 26