• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : عندما يَتَّهِمُ المؤمنُ أخاه! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

عندما يَتَّهِمُ المؤمنُ أخاه!

 بسم الله الرحمن الرحيم 
لماذا تَكثُرُ الاتِّهامات بين المؤمنين اليوم؟!
لماذا يطعَنُ بعضُهم ببعضٍ عند اختلاف رؤاهم وعاداتهم؟!
لماذا يسيءُ كثيرٌ منهم الظنَّ بإخوانهم؟ وينسبون لَهُم ما هُم منه براء؟!
 
لماذا لا يقطعُ المؤمنون دَابِرَ الافتراءات بينَهم؟ لماذا يسمَحون للثقافة أن تُفَرِّقَهم تارةً، وللمال أخرى، وللسياسة ثالثة، ورابعة وخامسة؟!
 
إنَّ الجوابَ على هذه الأسئلة يرجع إلى قِصَّةٍ ضَاربةٍ في عُمق التاريخ!
 
لقد سبقَ لِعَدُوِّ الإنسان الأوّل، الشيطان الرجيم، أن تَعَهَّدَ بإغواء بني آدم إلى يوم الوقت المعلوم، مُستَثمِراً شتّى الأساليب والفِكَر والمكائد، ومِنها إثارة الفرقة والإفساد بينَهم، وهو (النَّزغ)، فحذَّرَ الله عزَّ وجلّ المؤمنين من ذلك، وأرشَدَهُم إلى طريق الخلاص منه، وهو (قَولُ التي هي أحسن)، حين قال تعالى:
 
﴿وَقُلْ لِعِبادي يَقُولُوا الَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (الإسراء53).
 
فهو يحملُ بعضَهم على بعضٍ بالإفساد بينهم، كما فعلَ مع يوسف وأخوته: ﴿نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾، ويسعى لإيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، وذلك باتِّباع خُطُواتٍ مكشوفةٍ لمن تنبَّهَ من المؤمنين، وإن غفلَ عنها جُلُّهم، ومنها:
 
الخطوة الأولى: سوء الظن
 
لقد لَحظَت الشريعةُ أهميَّة العُلقة الطيِّبَة بين المؤمنين، حيث يتكوَّنُ المجتمعُ المؤمنُ مِن شرائحَ متفاوتة الخلفيّات والرؤى والأفكار والعادات وغيرها منَ المسائل المتباينة، لكنَّ أمراً في غاية الأهميَّة يجمعُ أفرادَه معاً، وهو الإيمان الصادق، فجعلَ الله تعالى هذا الرابط باباً (للأُخُوَّة) بين المؤمنين، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وهي أخوَّةٌ لا تقلُّ عن الأُخُوَّة النسبيَّة من جهات.
 
لقد تآلفت أرواحُ المؤمنين لأنَّها خُلِقَت من طينةٍ واحدة، حتى أنَّ الحُزنَ ليُصيبُ مؤمناً لألَمٍ يتألَّمه أخٌ له في بَلَدٍ آخر دون أن يعلم السرَّ في ذلك! وإنَّ أحدَهُم ليَميلُ إلى الآخر ويأنس به دونَ سابقِ معرفة.. وَإِنَّ المُؤْمِنَ يَسْتَرِيحُ إِلَى أَخِيهِ المُؤْمِنِ كَمَا يَسْتَرِيحُ الطَّيْرُ إِلَى شَكْلِه‏ (المؤمن ص39).
 
مِن ثمَّ أوجبَت الشريعةُ حقوقاً في غاية العظمة للمؤمن على أخيه المؤمن، لتَحفَظَ الصِّلَة بين المجتمع المؤمن، ويسلَمَ من التشتُّت والتفرُّق.
 
وكان من ذلك أن أمَرَت المؤمنين بحُسن الظنَّ بعضَهم ببعض، وأوجبت ذلك عليهم، وحذَّرتهم من سوء الظنَّ وما يودي إليه، فكان مِن قول النبي (ص) أنَّ الله تعالى حَرَّمَ مِن المؤمن: مَالَهُ وَدَمَهُ وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنّ السَّوْء (روضة الواعظين ج2 ص293).
 
إنَّ سوء الظنِّ بالمؤمن يفتحُ البابَ واسعاً أمام إبليس عدوِّ المؤمنين، لينزغ بينهم ويوقع بينَهم العداوة، لذا وَجَبَ على المؤمن أن يتحرَّى عن أحسنِ وَجهٍ مُحتمل لكلام أخيه، فإنَّ كثيراً مِن الكلام قد يكون حمّالَ أوجُهٍ، يُحتملُ منه إرادة الخير، ويُحتملُ منه ما سوى ذلك، والمؤمن يحملُ كلام أخيه لا على محملٍ حَسَن، بل على أحسَنِ المحامل الممكنة، حتى يتيقَّن من خلاف ذلك.
 
أي أنَّهُ لا يخرُج عن المُحتملات الحسنة، بل عن أحسنِها، ما لَم يتيقَّن من ذلك.
 
قال أميرُ المؤمنين عليه السلام:
ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْهُ، وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخَيْرِ مَحْمِلًا (الكافي ج‏2 ص362).
 
فإنَّ المؤمن لا يُسيء الظنَّ بأخيه طالما وَجَدَ محملاً واحداً من محامل الخير، وما أكثَرها.
وهذه خطوة أولى لقطع الطريق على عدوِّ المؤمنين، والخطُّ الأوّل لحفظ المجتمع المؤمن، تعقِبُها خطوطٌ أخرى.
 
فلو تيقَّنَ مؤمنٌ من سوء سريرة أخيه، أو مِن سوء قصده في قوله، أو من سوء نيَّته تجاهه، استفادَ من خطِّ الدِّفاع الثاني، وهو التغافُل، ففي الحديث: أَشْرَفُ أَخْلَاقِ الْكَرِيمِ كَثْرَةُ تَغَافُلِهِ عَمَّا يَعْلَم‏ (عيون الحكم ص115).
 
ثم تأتيه خطوطٌ أخرى للإصلاح بين المؤمنين، ليس آخرها العفو والتسامح، كما عن النبيِّ صلى الله عليه وآله: أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ خَلَائِقِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: العَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَالإِحْسَانُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ (الكافي ج‏2 ص107).
 
بالعفو وكظم الغيظ يزدادُ المؤمن عزّاً وشرفاً في الدُّنيا والآخرة، وينالُ محبَّةً من الله وثواباً عظيماً. وهو بابٌ من أبواب الخير للأمة.
 
فكَم هي عظيمةٌ هذه الخصال، وكَم مِن أثرٍ عميمٍ تتركه في المجتمع، وبين الأخوة والأحبة، وكم من عداوةٍ تُدرأ ببركتها، فَحَريٌّ بالمؤمن أن يتنبَّه إليها، ويُطوِّع نفسه كي تَتَطَبَّعَ عليها، ولا ينقاد لتسويلاتها.
 
الخطوة الثانية: اتِّهام المؤمن
 
وهي واحدةٌ من أشدِّ أساليب ابليس خُبثاً وقذارة، وأنجَحُها في إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، فإنَّ اتِّهامَ المؤمن لأخيه المؤمن يُسبِّبُ شَرخاً هائلاً، حيثُ تهبُّ النَّفسُ للدِّفاع عمّا وُجِّهَ لها، وتتفاقمُ الأمور.
 
على أنَّ القلوب شديدةُ التأثُّر بالمودة أو البغضاء، كما قال أميرُ المؤمنين عليه السلام في وصيَّته لأولاده قبيل شهادته: إِنَّ الْقُلُوبَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، تَتَلَاحَظُ بِالمَوَدَّةِ، وَتَتَنَاجَى بِهَا، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي الْبُغْض‏ (الأمالي للطوسي ص595).
 
وقد جعلَ الله تعالى الإيمان مقروناً برعاية جُملَةٍ من حقوق الأخ المؤمن، فمَن تَجَاوَزَ بعضها خرَجَ من ربقة الإيمان أو يكاد! فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: إِذَا اتَّهَمَ المُؤْمِنُ أَخَاهُ انْمَاثَ الإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ كَمَا يَنْمَاثُ المِلْحُ فِي المَاءِ (الكافي ج‏2 ص361).
 
أي أنَّ الإيمان يذوبُ في قلب المؤمن بعد اتِّهامه لأخيه المؤمن!
وتسقط الحرمة بينَهما، أي أنَّ العلقة التي جعلها الله تعالى بينهما بإيمانهما قَد سقطت بإسقاط أحدهما لها! باتِّهامه أخيه!
 
فإن قيل: أيُعقَلُ أن يكونَ اتِّهامُ المؤمن على هذا القَدرِ من الخطورة؟ وما شأنُ هذه المعصية حتى ينماثَ الإيمانُ بسببها؟
 
قلنا: إنَّ للمؤمن عند الله تعالى شأناً عظيماً لا يُدرك، حتى ورد في الحديث الشريف: المُؤْمِنَ لَا يُوصَف‏ (بصائر الدرجات ج1 ص23).
 
أليس الإنسانُ أشرفَ مخلوقات الله تعالى؟! والمؤمن من خير النّاس، ومِن صفوة الخلق، وأقرب العباد إلى الله تعالى.
لذا جعل الله تعالى للمؤمن حرمةً عظيمة تفوقُ كلَّ حرمة، فعن أمير المؤمنين عليه السلام في نهجه الشريف، أنّ الله تعالى: فَضَّلَ حُرْمَةَ المُسْلِمِ عَلَى الحُرَمِ كُلِّهَا (الخطبة 167).
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: وَالله، إِنَّ المُؤْمِنَ لَأَعْظَمُ حَقّاً مِنَ الْكَعْبَة (الإختصاص ص28).
 
ههنا تزولُ الغرابة، فمَن كانت حُرمَتُهُ أعظمَ الحُرَمِ عند الله تعالى، كان في انتهاكها جُرأةٌ عظيمةٌ على الله عزَّ وجل، ومخالفةٌ لشديد أمره، فكيف لا ينماثُ الإيمان من قلب مَن يتَّهمُ أخاه؟!
 
أين المؤمنون اليوم؟!
 
والسؤال المهم اليوم: أين هم المؤمنون من أسلحة إبليس الفتاكة هذه؟! أينَ هو التمسُّكُ بأمرِ الله تعالى في رعاية حُرُمات المؤمنين وهي أعظم الحُرُمات عنده عزَّ وجلّ؟!
 
أيُّ شيءٍ مِن حُطام الدُّنيا يستحقُّ أن نُسقِطَ لأجله ولاية أخوتنا في الله؟!
لقد نجَحَ إبليسُ في أن يرمي بذور التُّهمة في مجتمعنا، بعدما بالغَ في الترويج لسوء الظنِّ بيننا، فوَجَدَنَا خفافاً مستجيبين.. وإبليس اللعين يعرفُ مواطنَ الضَّعف فيستغلُّها طالباً المزيد.
 
أليس سوءُ الظنِّ وعدم الحمل على أحسن المحامل، ثمَّ اتِّهامُ المؤمنين بعضهم لبعض، سبباً في كثيرٍ من مشاكلنا اليوم؟!
أليس من ذلك كثيرٌ مما يجري داخل الأسرة الواحدة؟ بين الزوج وزوجته، وبين الأهل وأولادهم، وبين الأولاد أنفسهم.. ثم تتَّسِعُ الدائرة.. فترى الخلاف بين الأُسَر، ثمَّ بين الجار وجاره، ثمَّ يعظمُ الأمر لمّا تصل النوبة لمَن يهتمّ أو يتعاطى بالشأن العام، وما أكثرهم..
 
فيصيرُ أحدُهم ميزان الحقِّ والباطل وكأنَّه إلهٌ أو نصفُ إله! فيسيء الظنَّ بمَن خالفه، ثمَّ ينسب له أشنع التُّهم، ولو كان من المؤمنين المخلصين الصادقين!
هل صارَ انتهاك حُرُمات الله أمراً هَيِّناً علينا إلى هذا الحدِّ؟!
 
هل صارَت غايةُ طموحنا ورجانا أن يتفُلَ بعضُنا في وجوه بعض؟! ويلعنَ بعضُنا بعضاً؟! ويسمِّي بعضُنا بعضاً كذّابين؟!
أين هم شيعة جعفر بن محمد عليه السلام؟! أليسوا من رجا ثوابَ الله وخافَ عقابَه؟ فما بالُنا لا نخافُ الله في إخواننا المؤمنين مع ما لهم من عظيم المنزلة عنده تعالى؟!
 
ولئن كان الزمان قد فسُد، فهذا لا يسوِّغُ للمؤمن أن يسيء الظنَّ بصالح المؤمنين.
 
﴿وَقُلْ لِعِبادي يَقُولُوا الَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.
المؤمنُ مُخيَّرٌ بين أن يقول التي هي أحسن لإخوانه، وبين أن يقع فريسة الشيطان.
 
المؤمن مُخيَّرٌ بين أن يستجيب لنفثات الوسواس الخنّاس، أو لملائكة الرحمان، فإنَّهُ: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلِقَلْبِهِ أُذُنَانِ فِي جَوْفِهِ:
 
1. أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ
2. وَأُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا المَلَكُ فَيُؤَيِّدُ الله المُؤْمِنَ بِالمَلَك‏ (الكافي ج2 ص267).
 
فليس في الأمر نوعٌ من الترف الفكريّ، بل أمرٌ مؤثِّرٌ في مصير العبد، فليَختَر عاقلٌ لدُنياه وآخرته.
 
والحمد لله رب العالمين
 
الجمعة 11 شوال 1443 هـ الموافق 13-5-2022 م




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=168457
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 05 / 13
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 05 / 23