• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : ثوب التكميم .
                          • الكاتب : علي حسين عبيد .

ثوب التكميم

تُدار حياة الناس بالثقافة، نتيجة حاسمة توصّل إليها الباحثون في الشأن الاجتماعي، وأكدوا أن السلوك البشري تحكمه الثقافة، والبيئة التي ينشأ فيها الإنسان، وينمو ويترعرع في دائرة من العادات والقيم والثقافات التي تتشكل شخصيته في ضوئها، هذا يعني أن الدكتاتورية ثقافة، وكذلك التكميم والاستبداد، وإتاحة حرية الرأي ثقافة أيضا.

ما هي العوامل التي تجعل من هذه البيئة قائمة على التكميم والاستبداد، أو تجعل منها راعية للحقوق وحامية للحريات؟؟

العامل الأهم ثقافة المجتمع وعاداته التي تتناقلها الأجيال جيل بعد جيل، وأثناء هذا التناقل يمكن أن تتحسن ثقافة المجتمع ويمكن أن تسوء أكثر، تتحسن في حالة تخلّص الأجيال اللاحقة من العادات والسلوكيات المريضة، كلّها أو بعضها، وتسوء في حالة بقاء البيئة وثقافتها معقّدة مغلقة ومريضة وتُضاف إليها تعقيدات جديدة تزيد من انغلاقها.

في العراق لا يزال الإنسان يعيش تحت وطأة ثقافة التكميم، وهناك دلائل أكيدة تثبت هذا القول، وعلى الرغم من أننا (العراقيون) دخلنا المدار الديمقراطي قبل ما يقرب من عشرين عاما، إلا أن جذور التكميم لا تزال تؤكد فاعليتها وحضورها في سلوكياتنا وحتى تفكيرنا، في الحقيقة يمكن أن نعثر على التكميم داخل أصغر مؤسسة اجتماعية وهي العائلة، فهناك آباء يتعاملون مع أفراد العائلة وكأنهم الرب الأعلى!!

ويوجد مدير مؤسسة ثقافية يرى إلى نفسه على أنه الأعلى والأول والأهم والأفضل في كل شيء، ولا نستغرب أن نجد موظفا بسيطا، أو حتى عامل تنظيف، أو كاسب بسيط، ينظر إلى نفسه المسؤول الأعلى عمّن يحتك به في العمل أو حتى في الشارع وفي البيت، إنها ثقافة التكميم المغروسة فينا منذ نعومة أظفارنا، غرسها الأب والمعلم والسياسي وثقافة المجتمع في تفكيرنا ونظرتنا إلى الحياة وانعكست في سلوكياتنا.

التكميم في الحاضنة الاجتماعية
الإنسان الذي عاش قرونا، ومن ثم عقودا وهو يرزح تحت ثقل ثقافة التكميم والاستبداد، كيف تريد منه أن يتخلص من هذا الثوب البالي والراسخ على مرّ السنين، ونعني به (ثوب التكميم)، لا يمكنه ذلك، لاسيما أن البيئة الحاضنة لا تزال تحمل أمراض الماضي البعيد والمتوسط والقريب، فثقافة التكميم زرعت جذورها فينا منذ زمن موغل في القِدَم وظلّت تغذي نفسها بجدارة.

العهد الديمقراطي الذي بدأ في نيسان 2003، كما هو معروف، لا يزل بعد قرابة العقد يعاني من ثقافة التكميم، وكما قلنا يمكن أن نجد ذلك في أصغر المؤسسات وأكبرها، لكن حين تكون ثقافة القمع موجودة في مؤسسة تشريعية واجبها الأول رفع التكميم عن ألسنة الناس، هنا يكمن الخطر الداهم الذي يعني بأننا لا نزال نراوح في المربّع الأول.

خطر التكميم والاستبداد في العائلة الصغيرة لا يقل عن وجوده في مؤسسات الدولة، ومنها التشريعية، لأن وجود هذا المرض في العائلة يعني وجوده في الحاضنة الاجتماعية التي يخرج منها أفراد المؤسسات المهمة والحساسة كمجلس النواب مثلا، ولذلك فإن ما ظهر في فديو منع النائب باسم خشان عن الكلام طيلة الفصل التشريعي الحالي، ومنعه من الترشّح في اللجان النيابية، بأمر من رئيس المجلس يؤكّد أن ثقافة التكميم لا تزال حاضرة فينا.

أسئلة الخلاص من ثقافة الاستبداد
لقد أُثيرت أسئلة كثيرة حول ذلك منها، كيف يمكن أن يتم هذا التكميم في ثوان معدودة؟، وكيف حُسم هذا الأمر، نقصد (أمر التكميم) بطريقة الأوامر غير القابلة للنقاش، ومن هو الذي قام بهذا الفعل الذي أثار مشاعر غاضبة ومستغربة عند معظم العراقيين، بعد أن ظنوا بأنهم غادروا مرحلة التكميم إلى مرحلة الرأي الحر والمحمي والمُصان؟

من الواضح أننا كعراقيين لا نزال نعيش في مراحل ثقافية سابقة، وواضح أيضا أننا لم نتخلص منها بعد، والأدلة كثيرة، وأبرزها وأخطرها ما حدث في مجلس النواب، وما بدر من رئيس المجلس تجاه أحد نوابه، وإذا كان هذا الفعل مبرّرا أو قائما على قواعد وأسانيد قانونية، فإن الطريقة التي تم بها (غير مناسبة)، ومن المؤسف أن تصدر عن رئيس أهم مؤسسة من مؤسسات الدولة.

نحن كعراقيين نتطلع إلى ثقافة جديدة، نعم نفهم أن هذا الأمر عصيب وصعب، ويحتاج إلى تدرّج زمني طويل، ولكن لابد أن نتعامل مع ثقافة التكميم على أنها موجودة فينا، وأن نكرانها والتملص من مواقفها، لا يحل المشكلة، بل يزيدها تعقيدا وانتشارا، نحن حاضنة اجتماعية لا يزال التكميم والاستبداد يعيش فيها ومعها ويعبث بها.

هذا يعني أننا بدءا من هذه اللحظة يجب أن نفكر بشكل جدّي بتغيير ثقافة التكميم ونبذ كل أنواع الاستبداد، وفق خطط كبيرة تهدف أولا وأخيرا إلى تغيير عقول وسلوكيات وثقافات الناس نحو الأفضل، قد لا نقطف الثمار سريعا، وربما لن ينعم أكثر من جيل بنعمة الحرية، ولكن يبقى هناك أمل للقادمين (أطفالنا وأحفادنا) كي يعيشوا أفضل مما عشناه في ظل بيئة غير سليمة.

أما كيف يتحقق هذا الهدف الجبار، فإن الإرادة الحرة، والعقول الكبيرة، والجماعات السياسية والثقافية والشخصيات المخلصة، يقع عليها التصدي لهذه المهمة العسيرة حقا، لكنها بالتأكيد ليست مستحيلة.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=168553
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 05 / 15
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 13