• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الإمام الصادق.. خَيرُ البريّة ! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

الإمام الصادق.. خَيرُ البريّة !

 بسم الله الرحمن الرحيم
 
هَذَا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ !
 
كلمةٌ عجيبةٌ قالَها الإمام الباقر عليه السلام، قاصداً بها ابنه الإمام الصادق عليه السلام، كما روى الشيخ الكليني في الكافي الشريف ج1 ص307.
 
تُسابِقُنا الأيام، وتقترب ذكرى شهادته عليه السلام، فيتأمَّلُ المؤمن فيما فُضِّلَ به الإمام من آل محمدٍ عليهم السلام، عَلَّه يعرف قدراً يسيراً من مناقب الإمام، التي بَلَغَ بها ما بَلَغ، وصارَ خير الخلق والبريّة.
 
أولاً: عِلم الإمام.. عِلمُ الله !
 
يقول الإمام الصادق عليه السلام:
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْضَحَ بِأَئِمَّةِ الْهُدَى مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا عَنْ دِينِهِ: فالفاعِلُ هو الله تعالى، هو الذي يوضِحُ دينه بأئمة الهدى.
 
كيف ذلك والإمام هو مبيِّنُ الدين بعد النبي (ص)؟!
 
لمّا كان الإمام لا يصدُرُ إلا عن أمر الله، صحَ أن يكون إيضاحُ الإمام للدين هو إيضاح الله له، كما في قوله تعالى لنبيّه (ص): (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى‏)، فالرامي هو النبيّ (ص)، (إِذْ رَمَيْتَ)، لكن الله من وراء ذلك (وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى‏).
 
إذاً كلُّ إيضاحٍ للدين يقوم به الإمام هو من الله تعالى، مسبِّب الأسباب، ومثله قوله عليه السلام:
وَأَبْلَجَ بِهِمْ عَنْ سَبِيلِ مِنْهَاجِهِ، وَفَتَحَ بِهِمْ عَنْ بَاطِنِ يَنَابِيعِ عِلْمِهِ (الكافي ج‏1 ص203).
 
فالله تعالى هو الذي أوضح بآل محمدٍ طريق الحق، وكيف لا يكون كذلك وعند الإمام (بَاطِن يَنَابِيعِ عِلْمِهِ)، أي علم الله تعالى.
 
فكأنَّ علم الله تعالى ينابيع، لها ظاهرٌ وباطن، والإمام لا يعلمُ الظاهر فقط، بل يعلم بواطنها، وبواطنُها أعظم من ظاهرها، فما يخرج من الينابيع هو نَزرٌ من الماء الذي تختزنه الأرض في جوفها، تُخرِجُ منه بقدر المشيئة الإلهية، ويبقى جُلُّه فيها.
وهكذا عند الإمام باطن الينابيع، التي تتضمن علم الله تعالى، وليس لِعِلم الله تعالى حَدٌّ ولا حصر.
 
حينها لا عجب أن يكون الإمامُ كما وصفه عليه السلام:
عَالِمٌ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ مُلْتَبِسَاتِ الدُّجَى، وَمُعَمَّيَاتِ السُّنَنِ، وَمُشَبِّهَاتِ الْفِتَنِ..
 
وسيكون هذا معنى آخر لقوله عليه السلام:
اسْتَوْدَعَهُ سِرَّهُ، وَاسْتَحْفَظَهُ عِلْمَهُ، وَاسْتَخْبَأَهُ حِكْمَتَهُ: السرُّ سرُّ الله، والمستحفَظُ على علم الله هو الإمام، فمَن ذا الذي يُدرك سِرَّ الله وعلمَهُ وحكمته ؟!
لمّا كان إدراك ذلك ممتنعاً، صار إدراكُ الجامع للسرّ والعلم والحكمة ممتنعاً كذلك.
 
فمَن ذا الذي يُدرك الإمام العالم بذلك؟!
إن الأمام أرفع شأناً من أن يُدرَك مقامُه ومكانته، لِسِعَةِ ما أعطاه الله تعالى، وعظمة ما أولاه.
 
ثانياً: الإمام حجة الله !
 
سِعَةُ علم الإمام إلى هذا الحدّ جعلته حجّةً لله تعالى على كل الخلق والعوالم، لأنّه العالم بها كلَّها، ولأنه مستودع سرّ الله، وصاحب حكمته.
 
ولأنّ الله تعالى حكيمٌ لا يفعلُ إلا الأصلح، ولأن الإمام بعد النبي هو أكمل الخلق، جعله الله تعالى في أرفع منزلةٍ وأسمى مكانة، حتى قال عليه السلام:
ان اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَصَبَ الْإِمَامَ عَلَماً لِخَلْقِهِ، وَجَعَلَهُ حُجَّةً عَلَى أَهْلِ مَوَادِّهِ وَعَالَمِهِ.
 
رايةُ الله المرفوعة، وعلامته المنصوبة في عالم الوجود هو الإمام، فلا عجب أن يكون الإمام الصادق حجّة الله التامّة على عباده، كما كان آباؤه وأبناؤه من الأئمة المعصومين عليهم السلام، فيكون خيرَ البريّة.
 
ثالثاً: الإمام نور الله !
 
يقول عليه السلام في وصف الإمام:
غَشَّاهُ مِنْ نُورِ الْجَبَّارِ، يُمَدُّ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ مَوَادُّهُ !
وقد جعل الله الأئمة: (مَصَابِيحَ لِلظَّلَامِ).
 
فإذا نَوَّرَ الله الإمام بنوره، وجعله مصباحاً للظلام، كشف لنا ذلك أنّ كلّ من لم ير الإمام كان أعمى! وكلّ من لم يعتقد بإمامته لم يكن من أهل البصر والبصيرة، فأوّل ما يُمتحنُ به النَّظَرُ هو إمكانُ رؤية النور وعدمه، فمن غاب عنه النور ما أمكنه أن يرى سواه، وهكذا من لم يؤمن بالإمام ما انتفع بأحدٍ عَداه، فهو نور الجبّار ومصباح الظلام، وكلّ من لم يستضئ بنوره كان من أهل العمى والضلال.
 
والإمام مَرعيٌّ بعين الله ! يرعاه في كلّ حَرَكَةٍ وسَكَنَةٍ من سكناته: لَمْ يَزَلْ مَرْعِيّاً بِعَيْنِ اللَّهِ، يَحْفَظُهُ وَيَكْلَؤُهُ بِسِتْرِهِ، مَطْرُوداً عَنْهُ حَبَائِلُ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ.. مَصْرُوفاً عَنْهُ قَوَارِفُ السُّوءِ، مُبْرَأً مِنَ الْعَاهَاتِ، مَحْجُوباً عَنِ الْآفَاتِ، مَعْصُوماً مِنَ الزَّلَّاتِ، مَصُوناً عَنِ الْفَوَاحِشِ كُلِّهَا..
 
أفلا يكون خير البرية ؟! فمن مثله فيها ؟!
 
رابعاً: الجاهل بالإمام شقيٌّ !
 
من اتّصف بما تقدّم: رَضِيَ اللَّهُ بِهِ إِمَاماً !
 
ويترتب على هذا الرضا، فضلاً عن النجاة في اتّباعه، أحد أمورٍ ثلاثة في غير متّبعه:
 
1. لَيْسَ يَجْهَلُ حَقَّ هَذَا الْعَالِمِ إِلَّا شَقِيٌّ: فكلُّ من جَهِلَ (حقَّ) الإمام ولو بمقدار لزوم طاعته، وأنّه خليفة الله وحجته، فارقته السعادة ولازَمَه الشقاء.
 
2. وَلَا يَجْحَدُهُ إِلَّا غَوِيٌّ: الجاحدُ هو المنكرُ مع عِلمٍ، فَمَن علم حقّ الإمام وأنكره كان من أهل الخيبة والضلال.
 
3. وَلَا يَصُدُّ عَنْهُ إِلَّا جَرِيٌّ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَ عَلَا (الكافي ج1 ص203-205).
فمَن أعرض عنه كان جريئاً على الله تعالى، لأنّ الله تعالى هو الذي نصبّه إماماً، وجعله حجةً على خلقه، والمُعرضُ عنه مُعرضٌ عن أمر الله، متجرأ على الله تعالى، ومَن كان كذلك جزاه الله أشدّ الجزاء..
 
تجري هذه القواعد في الإمام الصادق عليه السلام كما في كل الأئمة المعصومين، فقد ورد عنهم عليهم السلام: آلُ مُحَمَّدٍ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (الكافي ج6 ص224)
 
يتعرَّفُ المؤمنُ كلَّ يومٍ على شيءٍ من مناقب إمامه، لئلا يكون من أهل الشقاء الجاهلين بحقه.
ثمّ يقرّ بما تعرّف عليه منها، لئلا يكون من أهل الغواية والضلال.
ثم لا يُعرِضُ عن الإمام ولا عمّا أقرّ له به من مكانةٍ، لئلا يكون ممن يجترؤون على الله تعالى.
 
ويبرأ المؤمن من هؤلاء الثلاثة، وأتباعهم وأشياعهم إلى يوم القيامة.
 
والحمد لله رب العالمين




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=168947
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 05 / 24
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 9