• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : أخبار وتقارير .
              • القسم الفرعي : أخبار وتقارير .
                    • الموضوع : قطاع التصنيع العسكري في العراق.. مساعي النهوض .

قطاع التصنيع العسكري في العراق.. مساعي النهوض

هل تنجح مساعي النهوض بـ قطاع التصنيع العسكري في العراق بعد تلقى ضربات متلاحقة منذ تسعينيات القرن الماضي، إثر عمليات القصف ثم العقوبات الاقتصادية وإجراءات التفتيش الدولي، مروراً بالاجتياح الأميركي وعمليات السلب والنهب في عام 2003.

وعلى ما تبقى من ركام تلك مؤسسات والمصانع، أطلق الحاكم الأميركي بول بريمر الرصاصة الأخيرة بقرار حل هيئة التصنيع العسكري، ليكتب نهاية فصل من التجارب الطموحة والهوس بامتلاك أسلحة ردع من قبل النظام السابق.

وفي أيلول من عام 2019 صوت البرلمان على قانون جديد لتشكيل هيئة التصنيع الحربي، كخطوة لإنشاء قاعدة صناعات حربية هدفها سد احتياجات القوات الأمنية، عبر ترميم عدد من المصانع في البلاد، كما يؤكد رئيس الهيئة محمد الدراجي.

ويقول مختصون إنّ تاريخ تأسيس الصناعات العسكرية العراقية يعود إلى بداية السبعينيات، عندما شكلت الحكومة حينذاك هيئة من كفاءات علمية للبدء ببناء المنشآت والمعامل والورشات، عبر هيئة التصنيع العسكري التي تم من خلالها تأهيل آلاف المهندسين والفنيين والعمال.

ومع اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية ازدادت الحاجة لهذه المصانع، ما دفع النظام السابق إلى صب اهتمامه على هذا القطاع، لتطويره وتنويع منتجاته من الأسلحة والذخائر المختلفة، قبل أن تسوق حرب الخليج الثانية عام 1991 الدمار إلى أغلب منشآت التصنيع العسكري.

في الثمانينيات، بدأت المصانع العسكرية العراقية بتجارب لتصنيع نسخ خاصة من الأسلحة الخفيفة كان أبرزها وربما الأشهر “مسدس طارق”، وهو مسدس نصف آلي.

يعد المسدس نسخة معدلة عن مسدس “براونيك”، إذ أطلق العراق مسدسه في عام 1981 عبر معامل مرخصة ومعدلة من بيريتا M1951 الإيطالية، وأطلق الاسم نسبة للقائد العربي في القرون الوسطى طارق بن زياد، ودخل في وقت قياسي الخدمة مع القوات المسلحة العراقية والحرس الجمهوري.

يشتهر المسدس بين العراقيين بنوعين؛ “الناعم” نسبة للكتابة على وجه المسدس والذي استمر إنتاجه حتى عام 1990، ثم “الخشن” نسبة للكتابة الخشنة على وجه المسدس، حيث بدأ إنتاجه منذ عام 1990 حتى تم إيقاف الإنتاج في عام 2003.

يعد مسدس “طارق” سلاحاً دقيقاً وموثوقاً، بتصميمه الداخلي المطابق لبيريتا M1951، مع بعض الاختلافات في مظهره الخارجي.

في مصنع شمالي بغداد، قضاء التاجي تحديداً، ولد أحد أكبر المشاريع العسكرية العراقية معتمداً على مصنع للحديد الصلب أنشأته شركة من ألمانيا الغربية. استخدم المصنع أول الأمر في صناعات مدنية وأخرى حربية تمثلت في صيانة وإعادة بناء الدبابات إبان حرب الخليج الأولى.

وأطلق المصنع في عام 1989 نسخة عراقية للدبابة السوفييتية تي-72، عرف بـ “أسد بابل”، بعد توقيع عقد مع شركة بولندية بتوفير بعض القطع الضرورية للتجميع. لكن هذه الجهود تلقت ضربة قاسية بعد نحو عام واحد فقط حين أصدرت الأمم المتحدة قراراً بقطع بيع السلاح للعراق مما أدى إلي استحالة إدخال هذه القطع لدبابات الجيش العراقي بشكل قانوني.

تطابق الدبابة العراقية في مظهرها النموذج المبسط من الدبابة الروسية تي – 72، لكنها تختلف بعض الشيء، إذ تم تحديثها وإضافة مميزات أخرى مثل المنظار الليزري الذي يستخدم لتحديد مسافة الأجسام البعيدة باستخدام الليزر، والمدفع الرئيسي، وكذلك رفع جودة الدرع.

وتشير مصادر عسكرية عراقية إلى أنّ المخابرات الأميركية كانت تعتقد أنّ الدبابة العراقية تحمل منظاراً حرارياً بلجيكي الصنع، وأنّ لها القدرة على محو أثر الجنازير من علي الرمل والطين مما جعلها تتفوق على الدبابة الأصلية المستخدمة في الجيش الروسي.

وتبيّن التقارير المتوفرة، أنّ العراق تمكن من صنع نحو 500 دبابة من هذا النوع بدروع تقليدية وبسلاح أساسي من عيار 125 ملم، وثانوي رشاش متحد المحور عيار 7.62 ملم، وآخر رشاش آلي مضاد للطائرات عيار 12.7 ملم.

بموازاة ذلك، كانت التجارب العراقية تجري على قدم وساق لتطوير صاروخ باليستي قادر على حمل رؤوس كيميائية أو بيولوجية أو نووية، ليعلن العراق إنتاج صاروخ “الحسين” في عام 1987.

يعمل الصاروخ، وهو نسخة معدلة من طراز “سكود – بي”، بالوقود الصلب ويصل مداه إلى 650 كيلومتراً، وقد استخدم في حرب الخليج الأولى والثانية، كما أطلقه النظام السابق في الواقعة الشهيرة على تل أبيب.

تصل حمولة الصاروخ إلى 500 كيلوغرام، لكنه يعد غير مفيد لضرب الأهداف الصغيرة، وفق عسكريين، إلاّ أنّه مؤثر في استهداف الثكنات العسكرية الكبيرة والمدن وحقول النفط.

وتشير بعض التقارير، إلى أنّ العراق تلقى “مساعدة خارجية” في تطويره من مصر أو الصين أو فرنسا.

أنتج العراق أيضًا نسخة بمدى أبعد من الصواريخ الباليستية عرف باسم “العباس”، إذ جرى أول اختبار في عام 1988.

صمم الصاروخ ليبلغ مداه 950 كيلومترًا لكن المصادر تشير إلى أنّ المسافة الحقيقية التي يمكن أن يصلها لا تتجاوز 800 كلومتر.

وقد طوّر العراقيون الصاروخ، من خلال زيادة سعة الوقود، وإطالة حجم الوقود الخزانات، وتفكيك المؤكسد وخزانات الوقود الدافع من صواريخ سكود الأخرى، وتقليل حمولة صواريخ سكود العادية من 800 إلى 140 كيلوغراماً.

إلاّ أنّ الصاروخ لم يستخدم بشكل حقيقي بسبب ضعف توجيه الصواريخ وعدم استقرار الطيران.

أنتج العراق أيضاً صواريخ عرفت باسم “الفتح”، وتعد من بين أدق الأسلحة التي أنتجها هيئة التصنيع العسكري.

وقد ظهرت آخر مجموعة من هذه الصواريخ في مجمع المعتصم العسكري، وسط البلاد في شباط من عام 2003 قبيل الغزو الأميركي.

ذروة الصناعات العسكرية العراقية تمثلت بصاروخ “العابد”، الذي يعد “أول صاروخ عربي يستطيع حمل أقمار صناعية”، كما يعد من الصواريخ الاستراتيجية ذات مدى ألفي كيلومتر، وهو في الأساس مخصص للاتصالات والاستطلاع.

وقد أعلن العراق، بعد تجربتين فاشلتين، نجاح إطلاق الصاروخ اختبارياً في 5 كانون الأول 1989 من قاعدة الأنبار الجوية.

ويقول اللواء الطيار الركن علوان حسون العبوسي، إنّ “هذا الصاروخ يتكون من 3 مراحل، ويبلغ وزنه نحو 48 طناً، وقد صمم بقدرة تحمل وزن تصل حتى 70 طناً عند إقلاعه وانطلاقه”.

ويوضح في تصريح، أنّ “بدن العابد يتكون من سبيكة من 5 صواريخ من طرازي “الحسين” و”الفتح” اللذين كانا يعتبران من أفضل الأسلحة العراقية آنذاك، مشيراً إلى أنّ الإعلان عن الصاروخ أثار غضب الولايات المتحدة الأميركية.

ويبيّن اللواء المتقاعد، أنّ فرنسا اعتبرت صناعة العراق للصاروخ دخولاً إلى “نادي الكبار”، وسط تحذيرات من وزارة الدفاع الأميركية.

وكان بيت وليامز المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الأميركية قال حينها، إنّ الصاروخ يتضمن تكنولوجيا تدخل في إنتاج صاروخ عابر القارات، محذراً من أخطار انتشار مثل هذه الصواريخ في مناطق التوتر، فيما طالبت بريطانيا بضرورة وقف البرنامج الفضائي العراقي.

بالمقابل، يعد مراقبون الحديث عن قدرات الصاروخ في سياق “التكهنات والمبالغات”، إذ لم يكن العراق يمتلك قدرات تصنيع صواريخ معدة لحمل الأقمار الصناعية نهاية الثمانينيات، مشيرين إلى أنّ المشروع ربما لم يتجاوز مرحلة التخطيط والتجارب الأولية.

وفي ذات السياق، يدور الحديث عن “المدفع العملاق”، حين سعى العراق إلى الحصول على سلاح استراتيجي “أسطوري” غير مسبوق.

واستعانت بغداد لتحقيق المشروع بخبير المدفعية الكندي جيرالد بول أحد أبرز خبراء تطوير الأسلحة المدفعية، كما يوضح الكاتب صادق الطائي.

ويقول الطائي في مقال، إنّ الاتفاق أبرم في عام 1989 لتنفيذ مشروع بول، الذي حلم به ووضع خطوطه العلمية في ستينيات القرن العشرين، هذا المشروع الذي بدا وكأنه قصة من قصص الخيال العلمي.

ويتلخص المشروع بتصنيع مدفع عملاق، وصف بأنه أكبر مدفع عرفه التاريخ العسكري، بوزن 2100 طن، وطول ماسورة يبلغ 156 متراً (بطول ملعب كرة القدم مرة ونصف المرة).

وتشير مخططات المشروع إلى إمكانية إطلاق قذائف بقطر 1000 ملم، أي بحجم برميل، وتزن 2 طن، حيث كان الهدف الرئيس إطلاق قذائف تحمل أقمارا صناعية إلى مداراتها في الفضاء، بكلف أقلّ جداً من كلفة الصواريخ التي تحمل الأقمار الصناعية للفضاء.

ويوضح الطائي، أنّ “التفاوض الذي تم في كانون الثاني/يناير 1988 بين جيرالد بول والدكتور عامر السعدي، أحد أهم رجال التصنيع العسكري في العراق، والرجل الثاني بعد حسين كامل، صهر صدام حسين، الذي كان يشرف على الصناعة العسكرية والنووية والاستراتيجية في العراق، كان يسير باتجاه إمكانية الاستخدام العسكري لهذا المدفع العملاق، الذي سيعرف في أدبيات التصنيع العراقي باسم (مدفع بابل العملاق)”.

كما يبيّن، أنّ “الاتفاق شمل تصنيع نموذج أولي أصغر حجماً يعرف باسم (مدفع بابل الصغير) بقذيفه قطرها 350 ملم وطول ماسورة المدفع حوالي ثلث المدفع العملاق”.

وضع العراقيون مبلغ 25 مليون دولار تحت تصرف بول وشركته، وتم بالفعل البدء بعمليات التصنيع، وفق المخططات والتصاميم الهندسية للشركة ومقرها في بروكسل العاصمة البلجيكية، وتمت عمليات تصنيع المواسير العملاقة في المملكة المتحدة، دون الالتفات إلى الملاحظات السلبية.

ومن بين تلك الملاحظات، صعوبة تحريك ونقل مثل هذا النوع العملاق من الأسلحة، وصعوبة إعادة توجيهه، واستغراق وقت طويل جداً لتجهيزه بالقذائف، ما يعني سهولة تحديد موقعه وتدميره.

كما أنّ طاقة ارتداد إطلاق قذيفة منه ستتسبب في حدوث زلزال فعلي قوي تسجله جميع أجهزة الرصد حول العالم، وبالنتيجة سيكون هذا المدفع عرضةً للهجمات الجوية بسهولة.

ومع غزو العراق للكويت انتهت قصة المدفع العملاق، بإيقاف سلطات الجمارك في موانئ أوروبا لعمليات شحن أجزاء المدفع المصنعة، قبل أن يتم اغتيال الخبير الكندي جيرالد بول أمام باب شقته في بروكسل بثلاث رصاصات أطلقت على رأسه من مسدس كاتم للصوت، ووجهت أصابع الاتهام حينذاك إلى جهاز الموساد الإسرائيلي.

مؤخراً، أعلنت هيئة التصنيع الحربي إعادة العمل في مجموعة من مصانعها الحربية التي كانت متوقفة، ومنها مصنع المدافع في مدينة الفلوجة (غرب بغداد)، وتأهيل معمل بدر والقعقاع ومصانع إنتاج القذائف.

وعاد الحديث عن الأسلحة العراقية إلى الواجهة بإعلان إنتاج “مسدس بابل”، وهو نسخة مطورة من “مسدس طارق”.

ويقول رئيس الهيئة محمد الدراجي، إنّ “السلاح يلبي احتياجات وزارة الدفاع العراقية”، مشيراً إلى تلقي طلبات من الأجهزة الأمنية لتوريد السلاح.

ويوضح الدراجي أن المشاريع الجديدة للهيئة تركز على إنتاج أنظمة الدفاع الجوي وتسليح قوات الجيش، مبيناً أنّ الهيئة تستخدم تكنولوجيا حديثة لزيادة معدل إنتاج التسليح وخفض موازنة الاستيراد.

ويؤكد الدراجي، أنّ خطوط الإنتاج الحربي تتضمن الآن “بندقية الرافدين”، مشيراً أيضاً إلى العمل على “إنتاج الطائرات المسيرة من أجل استخدامها في المراقبة”.

ويهدف المشروع الحربي الجديد، إلى خفض معدل الصرف السنوي للسياسة الدفاعية في العراق ضمن الموازنة المالية للسنوات، والتي بلغت بين عامي 2015 – 2021 خمسة مليارات دولار، بحسب الدراجي، لكنه يواجه عقبات عدة من بينها “اختلاق ذرائع سياسية وأمنية، للتحايل على القانون من أجل العودة إلى التعاقدات مع بلدان وتجار في الخارج على حساب المنتج المحلي”.

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=169851
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 06 / 22
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 11