• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : تاسوعاء.. يوم استضعاف الحسين ! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

تاسوعاء.. يوم استضعاف الحسين !

 بسم الله الرحمن الرحيم
 
عن الصادق عليه السلام:
 
1. تَاسُوعَاءُ يَوْمٌ حُوصِرَ فِيهِ الحُسَيْنُ (ع) وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ الله عَنْهُمْ بِكَرْبَلَاءَ..
 
لقد أحاطَ القومُ بالحسين في هذا اليوم، وضيّقوا عليه، ومنعوه المسير، وحَبَسُوه في بُقعَتِهِ التي استشهد فيها، وهو يقول لهم: إِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا كَرَاهِيَةً لَنَا وَالجَهْلَ بِحَقِّنَا، وَكَانَ رَأْيُكُمُ الآنَ غَيْرَ مَا أَتَتْنِي بِهِ كُتُبُكُمْ، وَقَدِمَتْ بِهِ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ، انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ (الإرشاد ج‏2 ص79).
 
القومُ يطلبون منه مبايعة يزيد، والإمام يأبى ذلك، فهو يريد الإنصراف دون البيعة، وقد قال عليه السلام: وَالله لَوْ لَمْ يَكُنْ مَلْجَأٌ وَلَا مَأْوًى لَمَا بَايَعْتُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ (بحار الأنوار ج‏44 ص329).
 
2. وَاسْتَضْعَفُوا فِيهِ الحُسَيْنَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ وَأَصْحَابَهُ رَضِيَ الله عَنْهُمْ. بِأَبِي المُسْتَضْعَفُ الغَرِيبُ (الكافي ج‏4 ص147).
 
كيف يُستضعفُ الإمام ؟
 
تفتحُ هذه الفقرة بابَ السؤال:
هل يُعقل أن يُستضعَفُ الإمامُ عليه السلام ؟!
أليس استضعافُه يعني صيرورته ضعيفاً ؟
أليس الضَّعفُ نقصاً ؟! والضعيفُ مذمومٌ.
فكيف يكون هذا حالُ الإمام ؟! في تاسوعاء.
 
يُجيبُ المؤمن من جهات:
 
1. الاستضعافُ ليس ضعفاً
 
إنَّ هناكَ فرقاً بين الضَّعف والاستضعاف، فالأول هو ما يُقابلُ القوّة، ولكنّ من معاني الثاني أن يرى أحدٌ أحداً ضعيفاً، أو أن يعُدَّهُ ضعيفاً، أي يعتبره ويتعامل معه على أنَّه ضعيف، كما في كتب اللغة (الصحاح ج‌4 ص1390، المصباح المنير ج‌2 ص362‌).
 
فقد يُستَضعَفُ القويُّ، بأن يُنظَرُ إليه على أنَّه ضعيف، وهذا لا يقدحُ في قوّته، ففي هذا اليوم، التاسع من المحرَّم، استضعفَ القومُ الحسين حينَ اعتبروه ضعيفاً، ففي الحديث أنّهم: أَيْقَنُوا أَنْ لَا يَأْتِيَ الحُسَيْنَ (ع) نَاصِرٌ، وَلَا يُمِدَّهُ أَهْلُ العِرَاقِ.
 
هذا مبلَغُهم من العلم، وهذا هو ميزانُ القوّة والضَّعف عندهم، فصارَ الحسينُ ضعيفاً وِفقَ ميزانهم، حين انقطع عنده المَدَدُ من الناس.
 
2. القوة قوة النوايا
 
فما يراهُ النّاسُ من ضَعفِ الأنبياء والمُرسَلين ليسَ عيباً ولا نقصاً، بل هذا مقتضى الحكمةِ الإلهيّة كي يؤمنَ النّاس اتّباعاً للحجة والدليل لا خوفاً من الأنبياء والرُّسُل والأئمة، لذا قال أمير المؤمنين عليه السلام:
 
وَلَكِنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ رُسُلَهُ:
1. أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِ نِيَّاتِهِمْ
2. وَضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالاتِهِم‏ (الكافي ج‏4 ص198).
 
فلَم يقدَح ما تراهُ الأعيُنُ مِن ضَعفٍ ظاهرٍ في الكُمَّل، كما كان حالُ هارون عليه السلام لما: (قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي).
 
وهذا واحدٌ من أصحاب الحسين عليه السلام يقول له: لَوَدِدْتُ أَنِّي قُتِلْتُ ثُمَّ نُشِرْتُ ثُمَّ قُتِلْتُ حَتَّى أُقْتَلَ هَكَذَا الفَ مَرَّةٍ، وَأَنَّ الله تَعَالَى يَدْفَعُ بِذَلِكَ القَتْلَ عَنْ نَفْسِكَ وَعَنْ أَنْفُسِ هَؤُلَاءِ الفِتْيَانِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ (الإرشاد ج‏2 ص92).
 
مِثلُ هذه المواقف التي صدرت عن أصحابه عليه السلام تكشفُ عن عظيمِ قوّةٍ عندهم لا يمكن إدراك حدودها، فما بالك بما يملكه سلام الله عليه في نفسه من قوّة إلهية.
 
3. الضعيف ضعيف الدين
 
صحيحٌ أنّ الله تعالى يبغضُ المؤمن الضَّعيف، لكنَّ للضَّعفِ معانٍ، والله تعالى لا يُبغِضُ إلا مَن كان ضعيفَ الدِّين.
ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله:
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَيُبْغِضُ المُؤْمِنَ الضَّعِيفَ الَّذِي لَا دِينَ لَهُ !
فَقِيلَ لَهُ: وَمَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا دِينَ لَهُ ؟
قَالَ: الَّذِي لَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ! (الكافي ج5 ص59).
 
فصارَ مِعيارُ الضَّعفِ هو ضعفُ الدين، وعلامته تركُ النهي عن المنكر، والإمام عليه السلام قد خرج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حينما قال:
وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي صلى الله عليه وآله، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ (تسلية المجالس ج2 ص 160).
 
فالإمام أقوى الأقوياء، وان استضعفه القومُ في تاسوعاء.
ولا يعني هذا أنَّهُ ابتدأ القوم بالقِتال نهياً عن المنكر، فقد قال الإمام الحجة في زيارة سيد الشهداء عليهما السلام واصفاً حاله:
وَأَنْتَ فِي حَرَمِ جَدِّكَ قَاطِنٌ، وَلِلظَّالِمِينَ مُبَايِنٌ، جَلِيسُ البَيْتِ وَالمِحْرَابِ (المزار الكبير ص503).
 
فلم يكن الجلوسُ في البيت والمحراب عيباً في الإمام، بل هو الكمالُ بعينه حينما تقتضي مصلحة الدين ذلك، فيُبَايِنُ الإمامُ الظالمَ ثم لا يضرُّه أن يكون جليسَ بيته ومحرابه، ولا يُعابُ ذلك عليه.
 
لكنَّ بعضَ الجَهَلَةِ اليوم يعيبون على شيعة الحسين عليه السلام إن كانوا أحلاسَ بيوتهم، ويجهلون أنَّ هذا كان حالَ الإمام عليه السلام، قبل أن يلجؤوه للخروج من مكة ثم يقتلوه شهيداً.
 
ثم قال الحجة عليه السلام:
تُنْكِرُ المُنْكَرَ بِقَلْبِكَ وَلِسَانِكَ، عَلَى قَدْرِ طَاقَتِكَ وَإِمْكَانِكَ:
 
وهذه مسألةٌ عظيمة يغفَلُ عنها المتحمِّسون اليومَ، فيتوهَّمون أنَّ إنكار المنكر لا يكون إلا بحَملِ السِّلاح ابتداءً، وإسقاط الأنظمة وسفك الدِّماء والقتل والقِتال، ولا يتَنَبَّهون إلى أنّ إنكار المنكر بالقلب لا يسقطُ بحال، وإنكاره باللسان له حالاتٌ وظروف، وما زاد عن ذلك فله أحكامه الخاصة.
 
وقد أنكر الإمامُ بقلبه ولسانه، يقول عليه السلام:
ثُمَّ اقْتَضَاكَ العِلْمُ لِلْإِنْكَارِ، وَلَزِمَكَ أَنْ تُجَاهِدَ الفُجَّارَ:
 
فالإنكار بالقلب واللِّسان هو ما عمله الإمام، وأما الجهاد فسواءٌ أريد به الجهاد بالكلمة، أو الجهاد بالسيف لما بدؤوه بالقتال دون أن يبدأهم، فإنَّه يكشف خطأهم في استضعاف الإمام أي عدّه ضعيفاً، فمَن كان قويَّ الدين لا يكون ضعيفاً أبداً، فكيف بإمام الأقوياء.
 
يقول الإمام عليه السلام:
فَسِرْتَ فِي أَوْلَادِكَ وَأَهَالِيكَ، وَشِيعَتِكَ وَمَوَالِيكَ، وَصَدَعْتَ بِالحَقِّ وَالبَيِّنَةِ، وَدَعَوْتَ إِلَى الله بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ.. وَوَاجَهُوكَ بِالظُّلْمِ وَالعُدْوَانِ.. وَأَسْخَطُوا رَبَّكَ وَجَدَّكَ، وَبَدَءُوكَ بِالحَرْبِ:
 
وهذا شاهدٌ على عَظَمَةِ الإمام، فما بدأ القوم بالحرب، ولا استنزل المددَ الغيبيّ حينما:
أَنْزَلَ الله تَعَالَى‏ النَّصْرَ حَتَّى رَفْرَفَ عَلَى رَأْسِ الحُسَيْنِ (ع)، ثُمَّ خُيِّرَ بَيْنَ النَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِ وَبَيْنَ لِقَاءِ الله فَاخْتَارَ لِقَاءَ الله (اللهوف ص102).
 
4. الحسين كأنَّه عليٌّ المختار
 
مع استضعاف القوم للإمام عليه السلام يصفه الحجة عليه السلام بقوله:
فَثَبَتَّ لِلطَّعْنِ وَالضَّرْبِ: وقد أمر الله تعالى المؤمنين بالثبات فقال: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا لَقيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا الله كَثيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال45).
 
وأما شجاعته فتلك شجاعة حيدرٍ وبأسه:
فَثَبَتَّ لِلطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، وَطَحَنْتَ جُنُودَ الفُجَّارِ، وَاقْتَحَمْتَ قَسْطَلَ  الغُبَارِ، مُجَالِداً بِذِي الفَقَارِ، كَأَنَّكَ عَلِيٌّ المُخْتَارُ ! (المزار الكبير ص503).
 
5. الحسين الوارث
 
نعم لقد استضعفوا الحسين وهو قويٌّ في ذات الله، دينُه أكملُ دين، وقوّته كأبيه عليٍّ المختار لا نظير لها، والمَدَدُ الغيبي لا قِبَلَ لأحدٍ به ولكنه لم يختره.. لكنّهم استضعفوه رغم ذلك.. فجعله الله من (الوارثين) حين قال:
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ).
 
ففي تفسير القمي أنّ الله تعالى أخبر رسوله بأن الحسين: يُقْتَلُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَى الدُّنْيَا، وَيَنْصُرُهُ حَتَّى يَقْتُلَ أَعْدَاءَهُ، وَيملِكهُ الْأَرْضَ (ج2 ص297).
 
في يوم تاسوعاء.. استُضعِفَ الحسين عليه السلام، وفي الرَّجعة ينتقم من أعدائه ويملك الأرض.
ما كان الحسينُ ضعيفاً كما لم يكن النبيُّ (ص) والإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
 
فسلامُ الله عليه يوم استُضعف ويوم استُشهد ويومَ يُرَدُّ حياً.
وإنا لله وإنا إليه راجعون




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=171412
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 08 / 08
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 11 / 26