• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : ( كربلاء هي الذاكرة )   ( من مذكرات استاذ تاريخ ) .
                          • الكاتب : اسعد عبد الرزاق هاني .

( كربلاء هي الذاكرة )   ( من مذكرات استاذ تاريخ )

كنا نلتقي عصر  كل يوم في محله سواء اكان عيدا او عاشوراء، وفي أي مناسبة  تمر علينا،  صيفا و شتاءا، لكن يا ترى هل كان  يعتقد  الاستاذ عبد الرزاق  الحكيم  أني  سأدون  يوما هذه المذكرات  كما أفعل الأن؟ لا اعتقد لأنه  يعرف أني لست أديبا.
كنت أقرأ أو اتأمل بثنايا التأريخ  لاجد  الثغرة  التي تحتاج لأستاذ كبير بمنزلة  الاستاذ عبد الرزاق  الحكيم.
 فانا واحد من الناس الذين حين يقرأون تأريخ كربلاء تختلط عليهم بعض الامور؛  مثلا أقرأ عن هبات السلاطين  الى كربلاء فأشعر ان فيها نعمة لا تنضب  لكن حين  اقرأ احيانا عن شظف العيش فيها، وانقل له خاطرتي أراه يبتسم ويجيب.
طرحت له هذا الاشكال فأجابني: "ساحدثك عن السلطان  مراد الرابع  الذي استولى على العراق 1638م وكان دافع  السلطان مراد  هو حب المال واستغلال الدين لأغراض السياسة  فجعل من التعصب  المذهبي  والطائفي  اساسا لسلطانه، كان متعطشا  للدماء  لذلك  قتل ثلاثين  الفا من رجال الشيعة في مذبحة  واحدة، و استهان باوقاف العتبات  وصادرها  واساء الى مكانتها، سرق  اوقاف الخواجة مرجان والحاج أمين  الدين  وسائر الملوك  والسلاطين  وحتى تلك  التي اوقفها  السلطان سليمان القانوني  صادرها السلطان  مراد  ونهبها!"  ثم عطف بكلامه مؤكد لي "حينها تستطيع  ان تتوسع في هذا الشأن  في كتاب  مدينة  الحسين  عليه السلام" محمد  حسن  مصطفى  الكلدار  آل طعمة  ج1 ص58 
 أنا أبحث  عن معلومات قد لا أجد لها مصادر متيسرة  وهو يعرف  ان لي فضول  في البحث عن نوادر الاحداث وأغربها  دائما  يثير  قضايا  لم تمر براسي، كانه يريد ان يسهلها علي  وييسر المعلومة علي، قال: "هل تعرف ان العثمانين  لم يكن  لهم  أمل في العراق  ولم يكن  العراق  من طموحهم  أو امالهم  اطلاقا"  قلت مستغربا: "كيف؟! معلومة غريبة  وهذا الصراع  الذي شغل الناس قرون !" اجابني  بهدوء  الواثق: "ان امالهم  وسعيهم  كان  منشغل  بالتوسع  في جهات الروم  والبلقان  وما جاورها فتوغلوا  فيها كثيرا"  اقتنعت الى حد ما  رغم ان غرابة المعلومة لم تزل عالقة في ذهني وادركت ان هنالك  امور  كثيرة  لم نتناولها بعد  بالبحث والتقصي، فقررت  ان استثمر هذا  الاستاذ  بما يملك  من دقة  معلوماتية  كعالم  من علماء  التأريخ  وعاشق  لتأريخ  العراق، فسألته قائلا :  "لقد قرأنا  في كتب التأريخ  المدرسي عن ( آق قويونلو )..."، قاطعني ليقول: "عليك ان تعرف  اولا ان الترك  يتكلمون  اثنتي عشرة  لغة ومنهم  التركمان، خرجوا من ماوراء  النهر وجاءوا  الى بلاد الروم  زرافات  وباسماء  مختلفة  مثل ( انشمندي / واق قويونلو / وسلجوق) فجاسوا  خلال هذه  الديار واستولوا  عليها   ولهم  لهجات متنوعة"  وقبل  أن اسأله  المصدر  قال:" عليك ان تقرأ كتاب ( اولياجيلي ) ج3 ص171"  قلت: "انا خجلا  فعلا  اريد معلومات أكثر  عن دول الخراف لأنهم ذكروا في كتب المنهج  المدرسي  امورا  سطحية فقال: "اساسا  هناك  نقصا واضحا  في المراجع  العربية  التي تناولت  امارات  ( القرة قويونلو )  التي ظهرت  في شرق  الاناضول  وأمتدت  الى أجزاء من العراق وايران. ( قرقوينلو ) اسم مركب  من لفظتين  قرة بالتركية تعني الاسود  و ( قويون )  تعني  الشاة أو الغنم فهي  بمعنى  ذو الغنم  الاسود ترجمت في العربية  الى دولة  الخروف  الاسود ،  هناك باحث ( فاروق  سومر ) له بحث بعنوان ( قره قويونلو). العراق  وأيران  شهدا  وجود القبائل  التركية  من امارتي  القرة قويو نلوا و آق قويو نلوا  لمدة 200 سنة " ، قلت:  "الاسمين  مشتقين  من الخراف!" اضاف قائلا: "سقوط  الدولة  الايلخانية  أثر وفاة السلطان  الايلخاني  ( أبي بهادر )  عام 1345  ساعد  في ظهور أمارة  قره قوينلو.  نسيت ان اقول  لك ان الاسم  له علاقه  بالديانة الطوطمية، اذ كانوا  يرسمون  الغنم الاسود  على اعلامهم، لكن الاتراك  يقولون  انها تسمية محلية اطلقها  عليهم  سكان  أذربيجان، وقد تعاقب  الزعماء  لكن الابرز هو قره يوسف حيث  استطاع  ان  يضم  بغداد  الى امارته"، قلت  اسأل  الاستاذ  عن الدولة  الصفوية  ودورها في الاحداث أجابني  وبهدوء: "قامت  الدولة  الصفوية  في ايران بقوة  هائلة مستمدة سلطانها من التأثير الديني و مؤسس  الدولة الصفوية هو اسماعيل  شاه الذي اعتنق طريقة  ( التصوف  الغالي ) مقرونة  بالمذهب  الشيعي، وحرك  الشعور الوطني  الايراني فتزايد نفوذه  وكثر  اعوانه وشعر  في نفسه  بقدرة  فتاكة  وحكومة  عظيمة،  هددت الحكومات  المجاورة  لكن هذا  الشاب المغرور  بقوته، انتصرت عليه الدولة العثمانية، كونهم  اصحاب  دولة متمرسة  على الحروب  والادارة  والتزام  السياسة العسكرية. بعد الانتصار على   الحكومة الصفوية، حكومة آق قويونلوا حاولت  القضاء على المنافس  الأول  للدولة العثمانية"  وفي مثل  هذه الجلسات  الجميلة  ينتهي  الاحساس  بالوقت  ويصبح  كل شي

> علي الخباز:
ء  يرتبط  بالموضوع   فأحببت   ان انهي الجلسة  بشيء  لامتوقع، سألته عن حكاية طوب ابو خزامة، فاجابني: "حين غزا مراد الرابع بغداد في الاحتلال العثماني الثاني 1638 م جلب معه طوب  ابو خزامة وعمل  السلطان  مراد الرابع  بنفس  طائفي  وهلك  الكثير  من الشيعة  حتى صار هذا  الطوب  مقدسا  عند البعض وتبركوا  به، وقدموا له النذور  والهدايا، كونه  قضى على الشيعة، اقام  مراد  الرابع  مذبحة شيعية  وبالاسم الصريح، قتل  فيها ثلاثين  الف شيعيا"، قلت: "وما معنى ان يسمى  الطوب ابو خزامة؟" اجابني  بحزن:  "فيه  خرق صغير  في فوهة المدفع، قالوا  ان هذا  المدفع  كان في السماء  وان الله أمر جبرئيل  ان ينزل  الى الأرض  لمساعدة السلطان مراد، فنزل  يجره من منخره وله تسع اسماك  منقوشة  على  جانبيه  قالوا لصقت عند اجتيازه  بحر القدرة الالهية  اثناء  نزوله من السماء، وان هذا  المدفع  المقدس  عندما  استقر في الارض  أخذ  يتلق التراب ويحوله  بقدرة الله  الى قنابل  يقذف  بها  العدو، وروت  اساطيرهم  ان السلطان  مراد  غضب  على  المدفع  ذات  يوم  فضربه  بقبضة  يده ولا يزال  اثر الضربة  باقيا فيه  مما يدل على مبلغ  قوة السلطان، ورووا كذلك  ان المدفع  غضب  يوما فالقى  بنفسه  في نهر دجلة  مما اضطر  السلطان  ان يسحبه من منخره  ويعود  به الى الشاطىء" اضحكني  كثيرا  هذا الموضوع  فسألته: "هل هذا الموضوع  حقيقي    وله  مصدر  تعتمد  عليه ، فأوعز  لي ان  اقرأ  كتاب  لمحات  اجتماعية  من تاريخ  العراق للكاتب العراقي علي  الوردي،  ثم تابع قوله: "وبهذه الكرامات  الباهرة  والمعجزات  التي ظهرت  للمدفع  الذي قتل  الشيعة، صارت  النسوة يتبركن به ، وينذرن له  النذور  ويربطن  الخيوط للنذر  وجرت عادتهن ان يذهبوا بالمولود  الجديد  في يومه  السابع  فيطاف  به  حول  المدفع  ويدخل  رأسه  في  فوهته  ثلاث  مرات  وهذه الامور  جارية  حتى كتب محمود  شكري الالوسي  أحد علماء بغداد رسالة سماها  ( القول الانفع  في الردع  عن زيارة المدفع  ) ورغم  هذا بقيت  القداسة  موجودة  الى ان  نقلته  الحكومة  الى المتحف  الحربي"  ـــ لمحات اجتماعية 78/1، قلت: "استاذ  اتعرف  أني لم اقرأ  ولم أسمع  قصة المدفع!" ، فضحك  وقال:  "هناك ما هو  اغرب" سألته  هل  فعلا  هناك ما هو اغرب!؟ قال:  "نعم هل سمعت   بمزار  كنج عثمان؟" ، اجبته مبتسما: "لا والله"،  قال: "هو احد قادة  الجيش العثماني له قدسية كبيرة،  ونسبت له الكثير من الكرامات  وصار قبره مزارا.
جاء كنج عثمان الى العراق  بجيش قبل وصول مراد الرابع  وأحتل  المدن الشيعية  حلة / النجف / الرماحية / كربلاء  لكنه مات  في الطريق قبل  فتح بغداد، نقلت جنازته  ودفن  قرب السراي، وقيل  انه كان  يحمل راية  السلطان  فقطعت يداه  لكن الراية ظلت  تتمشى  وحدها، ولم تسقط  الراية،  وصار قبر كنج عثمان مزارا  وبنيت  عليه قبة  واتخذت  لها سقاية ماء، وجدد  الوالي حسن باشا  بناءه  سنة 1720 م،
 وشيدله شباكا  ليزار"، ضحكت  والله حينها  وما كنت اتصور  الموضوع  الا نادرة  من نوادر الاستاذ  عبد الرزاق الحكيم رحمه الله.
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=171683
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 08 / 17
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 12 / 1