• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : على ضفاف الانتظار(4) .
                          • الكاتب : الشيخ حسين عبد الرضا الاسدي .

على ضفاف الانتظار(4)

ضرورةُ الارتباطِ بالإمامِ المهدي (عجل الله (تعالىٰ) فرجه)

يُمكِنُ توضيحُ هذه الضرورةِ عبر ذكرِ المقدّماتِ التالية:
1/ هذا العالمُ عبارةٌ عن أفرادٍ من البشر، ارتبطوا فيما بينهم بروابطَ كثيرةٍ جدًا، كروابطِ القرابةِ، والقبيلةِ، والوطنيةِ، والقوميةِ، والدينِ، والمعرفةِ، والأرضِ المُشتركةِ، وغيرِها كثير، وهم في ذلك يتعاونون –وقد يتصارعون- فيما بينهم لتذليلِ صعوباتِ الحياةِ وتطويعِ الطبيعةِ المُستعصيةِ عليهم.
2/ كُلُّ فردٍ منهم يملكُ –تكوينًا- مجموعةً من القوىٰ، أهمّها: قوىٰ العقل، والشهوة، والغضب، ومن خِلالِ هذه القوىٰ تستمرُّ حياته.
وعندما اجتمعَ بنو البشر مع بعضِهم، فقد جمعوا عقولَ بعضِهم إلىٰ بعض، وهكذا بقية قواهم، فكانَ الاجتماعُ البشري أشبهَ ما يكونُ بإنسانٍ كبيرٍ يحوي في داخلِه كُلَّ أفرادِ البشر.
3/هذا الاجتماعُ لم يكنْ هو الهدفَ فقط، وإنّما كانَ من أجلِ التكامُلِ وسدِّ الحاجةِ والنقصِ الذي ينشدُه الجميع، والتكامُلُ له مدارجُ عديدةٌ، ومنها ما يتعلّقُ بالبدن، حيثُ استعملَ قواه العقليةَ الكبيرة، وقوّتَه الغضبيةَ والشهوية، لبناءِ حضارةٍ عظيمةٍ جدًا تجاوزَ بها بقيةَ الموجوداتِ علىٰ وجهِ الأرض، وصارَ بها سيّدَ المخلوقاتِ بلا مُنازع، فكانتِ الحضاراتُ التي نراها والقفزاتُ العلميةُ التي نعيشها، والتي في الحقيقةِ زادتْ كثيرًا من رفاهيةِ البشر، فعصرُنا هو عصرُ السُرعةِ والدقّةِ والجمالِ والتكنلوجيا في كُلِّ مفاصله.
4/ إلا أنَّ كُلَّ هذه الزخارفِ والبهارجِ لم تملأْ وجودَ الإنسانِ وجميعَ زوايا ومكنوناتِ نفسِه، فما زالَ الإنسانُ يعيشُ حاجةً في نفسِه تربو به عن الماديات، وتجذبه نحوَ شيءٍ أعلائي، معنوي، له من القُدرةِ ما لا يملكُه كُلُّ البشر، وله من الحكمةِ ما أدارتِ العالمَ بجميعِ أفلاكِه وموجوداتِه بدقّةٍ وإتقان، تلك هي الحاجةُ إلىٰ الإلهِ، الخالقِ، المُدبِّر، الذي إليه يرجعُ العباد.
فكانَ المُفترضُ أنْ يبحثَ الإنسانُ عن إشباعِ هذه الحاجةِ المُلحّةِ في داخلِه، والتي تُنادي فيه ليلَ نهار: من أينَ أتيتُ أنا؟ ولماذا أنا هُنا؟ وإلىٰ أينَ أذهب؟
وهكذا فعلَ الكثيرُ من البشر.
5/ وعندما لجأ إلىٰ تجربتِه البشرية، فإنّه لم يستطِعْ أنْ يصلَ إلىٰ الطريقِ المستقيم، بل بقي يخبطُ خبطَ عشواء، فمرةً عَبَدَ الشمس، وأخرىٰ عَبَدَ البقر، وثالثةً عَبَدَ إنسانًا مثله، حتىٰ وصلَ به الأمرُ إلىٰ أنْ يصنعَ إلهه من حجرٍ أو تمرٍ ثم يقع له ساجدًا، فإذا جاع أكلَ من إلهِه رجلَه أو يدَه أو حتىٰ رأسَه!
6/ فكانَ الطريقُ الوحيدُ لنجاته مُنحصرًا باللجوءِ إلى خالقِه الحقيقي، من خِلالِ مصدرٍ له علاقةٌ به، ويملكُ –أي ذلك المصدر- من العلمِ اللدني والقدراتِ التكوينيةِ ما لا يملكُها إلا من كانَ علىٰ اتصالٍ مُباشرٍ بالإلهِ القوي القادرِ العليمِ الحكيم، وكانَ –لذلك- أنْ لطَفَ الإلهُ الحكيمُ بعباده، فأرسلَ لهم رسلًا وسائطَ بينه وبينهم، ليأخذوا بأيديهم إلىٰ برِّ الأمان، وليُشبِعوا لهم حاجاتِهم المعنويةَ الروحيةَ وما يتعلّقُ بصلاحِ أمورِ دينِهم ودنياهم، قال (تعالىٰ): "لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَىٰ المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ"
إضافةً إلىٰ عدمِ اعتراضِهم علىٰ إشباعِ الحاجاتِ المادية، فالدينُ لا يمنعُ من الاستفادةِ وبأقصىٰ ما يُمكِنُ للإنسانِ من ملذاتِ الدُنيا بشرطِ التصرُّفِ بها وفقَ القانونِ السماوي، بفعلِ الحلالِ وتركِ الحرامِ منها، قال (تعالىٰ): "يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَىٰ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ"

7/ وكانَ القرارُ الإلهي أنَّ هذا الحجةَ لا بُدَّ وأنْ يكونَ موجودًا ما دامتِ البشريةُ والدُنيا، أي أن لا تخلو الأرضُ من حُجّةٍ للهِ (تعالىٰ) علىٰ الناس، قال (تعالىٰ): "إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ." ، سواءَ أكانَ ظاهرًا للعيان، أم كانَ غائبًا عن معرفةِ الناس، يكونُ هو الحُجّةَ من اللهِ (تعالىٰ) عليهم، وصمامَ الأمانِ لهم، فقد رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "اللَّهُمَّ بَلَىٰ لَا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِله بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِرًا مَشْهُورًا، وإِمَّا خَائِفًا مَغْمُورًا؛ لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ الله وبَيِّنَاتُه"
وقد أكّدَ هذه الحقيقةَ رسولُ اللهِ الأعظم (صلىٰ الله عليه وآله) وأهلُ بيته الطاهرون (عليهم السلام)، وحذّروا من عدمِ ارتباطِ المؤمنين بمن نصّبه اللهُ (تعالى) حُجّةً عليهم، واعتبروا عدمَ الارتباطِ به ضربًا من الجاهليةِ يعيشُها الفردُ ولو كانَ من أُمّةِ الإسلام.
فقد رويَ عن أبان بن تغلب، قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): من عرفَ الأئمَّةَ ولم يعرفِ الإمامَ الذي في زمانِه أمؤمنٌ هو؟ قال: «لا»، قلتُ: أمسلمٌ هو؟ قال: «نعم»
وعن الإمامِ أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «مَنْ ماتَ لا يعرفُ إمامَه ماتَ ميتةً جاهليةَ كفرٍ ونفاقٍ وضلالٍ»
وعن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): «... وأدنىٰ ما يكونُ به العبدُ ضالًّا أنْ لا يعرفَ حُجَّةَ اللهِ (تبارك وتعالىٰ) وشاهدَه علىٰ عبادِه الذي أمرَ اللهُ (عز وجل) بطاعتِه وفرضَ ولايته»
ومما تقدّمُ نستنتجُ التالي:
أولًا: أنَّ معرفةَ الإمامِ الحُجّةِ أمرٌ لا بُدّ منه للمؤمن، وإلا فإنّه يُحكمُ علىٰ الجاهلِ بها بجاهليةٍ بثوبٍ جديد؛ لأنَّ الإمامَ الحُجّةَ يُمثِّلُ الرابطَ المعنويَ بين الإنسانِ وربِّه، فهو امتدادٌ لخطِّ النبي (صلىٰ الله عليه وآله)، فتركُه وتركُ معرفته وما يترتبُ عليها من اتباعٍ، يُساوقُ تركَ النبي الأكرمِ (صلىٰ الله عليه وآله).
ثانيًا: أنَّ معرفةَ الإمامِ الحجةِ تبدأُ من معرفةِ اسمِه ونسبِه وصفاتِه –كالعصمةِ- ومقتضيات موالاته -كلزومِ مودّتِه واتباعه- والإيمانِ بكونِه الإمامَ الثاني عشر من آلِ البيت (عليهم السلام) الذين أذهبَ الله (تعالى) عنهم الرجسَ وطهّرَهم تطهيرًا، مرورًا بالعملِ بما يُرضي اللهَ (تعالىٰ) وفقَ ما وصلَ إلينا من أحكامِ الدينِ عن النبي وأهلِ بيته (صلواتُ الله عليهم)، وتطبيقِ الإسلامِ بجميعِ مُفرداته، والأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر، ومُجاهدةِ النفسِ الأمّارةِ بالسوء، والارتقاءِ الكمالي بالطاعاتِ ونبذِ المعاصي، وانتهاءً بالتمهيدِ لظهورِ المولىٰ المهدي (عجل الله (تعالىٰ) فرجه)، والاستعدادِ للكونِ من جنودِه ومُطيعيه، أنّىٰ ظهرَ، ومتىٰ ظهر.
ثالثًا: أنَّ تحصيلَ هذا المعنىٰ لا يكونُ بالتمنّي ولا بالكسلِ ولا بالتسويف، وإنّما لا بُدّ من التشميرِ عن ساعدِ الجِدِّ فكرًا وعملًا، ولا بُدّ من تخصيصِ الوقتِ الكافي لزيادةِ المعرفةِ بالحُجّةِ في زمنِنا، والعملِ علىٰ نشرِ هذه المعرفةِ بينَ الموالين لجذبِ أكبرَ عددٍ مُمكنٍ منهم إلىٰ ساحةِ المعرفةِ القدسية، بعيدًا عن دهاليزِ الجهلِ ووَحلِ المعاصي.
رابعًا: أنَّ الارتباطَ بالإمامِ المهدي (عجل الله (تعالىٰ) فرجه) له أنحاءُ عديدةٌ، أهمها:
1/ الارتباط العقائدي: والمُتمثِّلُ بالاعتقادِ بأنّه أحدُ الأئمةِ الذين افترضَ اللهُ (تعالىٰ) طاعتَهم علىٰ الناس، وما يستدعيه هذا المعنىٰ من ضرورةِ زيادةِ المعرفةِ من خِلالِ القراءةِ والمُتابعةِ وسؤالِ أهلِ الاختصاص، وهو ما يُمكِنُ أنْ يُشيرَ له ما رويَ عن أبي عَبْدِ الله (عليه السلام): "اعْرِفْ إِمَامَكَ، فَإِنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ لَمْ يَضُرَّكَ تَقَدَّمَ هَذَا الأَمْرُ أَوْ تَأَخَّرَ"
2/ الارتباط العملي: المُتمثِّلُ بأنْ يتحرّىٰ المؤمنُ الأعمالَ التي يُمكِنُها أنْ تجعلَه مهدويًا بحيث إنّ من يراه يوحىٰ إليه بأنَّ أحدَ شيعةِ أهلِ البيت (عليهم السلام) وأتباعِ الإمامِ المهدي (عجل الله (تعالىٰ) فرجه) يسيرُ أمامه، ولو لم يتكلم، وهو مفادُ ما رويَ عن أبي عَبْدِ الله (عليه السلام): "كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ السِنَتِكُمْ، لِيَرَوْا مِنْكُمُ الوَرَعَ، والِاجْتِهَادَ، والصَّلَاةَ، والخَيْرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ"
3/ الارتباط العاطفي: والمُتمثِّلُ بالشعورِ الوجداني بوجودِ الإمامِ (عجل الله (تعالىٰ) فرجه) ومُراقبتِه أعمالَنا وسرورِه بالحسناتِ منّا، وفي نفسِ الوقت استيائه من المعاصي لو صدرتْ من واحدٍ منا، بالإضافةِ إلىٰ تصوّرِ حالةِ غُربتِه رغمَ كثرةِ أنصاره، ورؤيتِه إيّاهم يستغيثون به ويستنصرونه، وهو مُنتظرٌ -كما هم- لأمرِ اللهِ (تعالىٰ) وإذنهِ له بالظهور ونشرِ رايةِ الحق، وينفعُ في هذا أنْ يُردِّدَ المؤمنُ في خلواتِه وعلنه:
"لَيْتَ شِعْرِي ايْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوىٰ بَلْ أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّكَ أَوْ ثَرىٰ؟! أَبِرَضْوىٰ أَوْ غَيْرِها أَمْ ذِي طُوىٰ؟! عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَرىٰ الخَلْقَ وَلا تُرىٰ وَلا أَسْمَعُ لَكَ حَسِيسًا وَلا نَجْوىٰ، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ تُحِيطَ بِكَ دُونِيَ البَلْوىٰ، وَلا يَنالُكَ مِنِّي ضَجِيجٌ وَلا شَكْوىٰ. بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ مُغَيَّبٍ لَمْ يَخْلُ مِنّا، بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ نازِحٍ مانَزَحَ عَنّا، بِنَفْسِي أَنْتَ أُمْنِيَّةُ شائِقٍ يَتَمَنَّىٰ مِنْ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ذَكَرا فَحَنّا...."




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=175442
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 11 / 22
  • تاريخ الطباعة : 2023 / 02 / 5