• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الفوضى قراطيـّـة !!! .
                          • الكاتب : حيدر الخضر .

الفوضى قراطيـّـة !!!

كنت كتبتُ عنوان مقال يدور في ذهني قبل أحداث ثورات الربيع العربيّ وهذا العنوان اسمه ( هي فوضى ! ) وهو مستوحى من فلم المخرج العالميّ يوسف شاهين وتدور أحداث هذا الفلم حول شرطي صغير يتحكم بنظام بأكمله من خلال الفوضى والفساد والرشوة وغيرها من الأمور بشكل فوضوي بعيد عن روح الدستور والقانون ومن ثم تقوم ثورة عليه من الشعب وهذه الثورة لم تكن على الشرطي فحسب وإنما امتدت لتشمل النظام الفاسد بأكمله وتستمر هذه الفوضى وتسقط الدولة والقانون ، وهذا العنوان ينطبق على الوضع العراقيّ بعد عام 2003 إلى يومنا هذا وكيف يتحكم المسؤول بالشعب وخاصة إذا كان تابع إلى جهة متنفذة بالحكم فمهما كانت درجته الوظيفية يتحكم بالآخرين كونه تقف ورائه جهة متنفذة وهنا تكمن الفوضى فالكل يتعين ويوظف بغض النظر عن الخبرة والكفاءة والمهنية وإنما يعتمد على المحسوبية والمنسوبية وهذا ما حدث بعد عام 2003من عدم إدراك النظام وإحترام القانون والفوضى القائمة وهذا ضد مبدأ الديمقراطية فلو أردنا أن نعرف ما هي الديمقراطية في أبسط مفاهيمها ومن أين جاءت هذه التسمية ؟ لوجدنا أنها نسبة للفيلسوف اليونانيّ الاغريقيّ ( ديمقراطيس ) وهذا الفيلسوف كان ينادي الحرية للمجتمع في ما يفكرون ويقولون ويكتبون وأشياء كثيرة في ما يعملون وفق الظوابط والقوانين الإنسانية وتطور هذا المفهوم حتى وصل الينا فهذه هي الديمقراطية في مفاهيمها الأولى وعلى بساطتها وهذا لم يتحقق في مجتمعاتنا وإنما ما يوجد لا يتعدى الفوضى والإرباك ، ومن ثم جاءت الثورات العربية والتحولات من الأنظمة الدكتاتورية القمعية إلى الديمقراطية المفتوحة دون قيد أو شرط وهنا تتحول الديمقراطية إلى الفوضى وعدم إحترام النظام السائد في المجتمع فيختلط الأمر ولا ندري هل نمارس نحن الديمقراطية أم الفوضى ؟ وصدفة قابلت رجل مسن وأنا في طريقي إلى البيت لأراهُ يصرخ في الشارع نحن في زمن ( الفوضى قراطيّة ) وهي عبارة تشبه إلى حد ما عبارة الفنان عادل إمام في فلم ( عمارة يعقوبيان ) عند ما كان يصرخ نحن في زمن ( المسخ ) أي التقليد فأعجبتُ بهذا المصطلح الحقيقي لتفصيل ما يحدث في العراق وما حدث من تحولات في المنطقة وهذه التحولات على محاسنها لم تتعدَ الفوضى وتكون تحولات بأتجاه بناء الدولة المدنية والديمقراطية الحقيقية فهناك قول للرئيس المصريّ السابق حسني مبارك في أخر خطاب له أعتبره حكمة وهو : (( بين الفوضى والديمقراطية خيط رفيع )) فهذا القول جداً معقول لأننا نقع في الفوضى ونظنها الديمقراطية يقول إدغارموران (Edgar Morin  ) وهو فيلسوف فرنسيّ بتفسير الثورات العربية التي حدثت : (( ولئن كان هناك غليان أخلاق ينمو لدى الشباب المتمرد فأن ذلك لا ينفصل عن فوضى تفضي إلى أنقسامات وأخطاء ناتجة عن استسلام متسرع أو عن متطلبات من المستحيل تلبيتها على الفور ) ، فالفوضى تؤدي إلى أنقسامات وأخطاء كما تؤدي إلى بروز طوائف وأقليات وشعورهم أنهم اصبحوا مواطنون درجة ثانية وتلجأ هذه الأقليات إلى العنف والقيام بمظاهرات مستمرة تعطل سير الحياة وتؤثر على الإنتاج وهذا ما حدث ، فما يحدث الأن في العراق وبقية الدول العربية عدم وجود النظام الإداري المتكامل وتعدد مراكز القوى ممّا أدى إلى إضعاف دور الدولة ومؤسساتها الدستورية ! فبعد ما يسمى بالربيع العربيّ  تعيش الشعوب العربية حالة نادرة لم تعيشها من قبل وهي الفوضى العارمة فالثورات العربية لم تزح الأنظمة العربية ورموزها الفاسدة فحسب وإنما شرعنة إلى هدم أركان الدولة ومؤسساتها كما حدث في العراق بعد 2003 ويحدث الان في الدول العربية فأمريكا أسقطت الدولة وليس النظام البعثيّ والأنظمة العربية الفاسدة لأنها تحل كل المؤسسات وتعيد تشكيلاتها على أسس طائفية وقومية وحزبية ففي العراق حلت المؤسسة العسكرية والإستخباراتية وكأن الجيش العراقي الباسل هو ملك لصدام ومن هنا جاء سقوط الدولة وفي مصر يحاولون اليوم حل أجهزة الداخلية وزج الجيش بالأحداث المصرية وفي تونس ولبيا وسوريا واليمن الخ ... فعندما تسقط الدولة يحل الظلم والجور والفساد والجهل بالبلاد والعباد وكثيراً ما أستغرب عند ما يقال إن الشعوب العربية تحررت من الأستبداد ونالت حريتها فأين هذه الحرية ؟ هل الحرية تكون يقوانين الأجتثاث كما حدث في العراق ومصر وليبيا ؟ وهل الحرية هي عدم إحترام القانون والدستور من قبل السياسيين في العراق ؟ وهل الحرية قطع الطرق على الناس في مصر والهجوم على المؤسسات الحكومية دون تدخل من الشرطة والجيش خوفاً من رد فعل الشارع وتجمعات ميدان التحرير ؟ وهل الحرية ما يحدث في سوريا واليمن والبحرين من دمار وقتل ؟ وهل الحرية تنحصر في صندوق الإقتراع ؟ إن الحرية كما أسلفت كثيراً هي منظومة اجتماعية كاملة وليس حرية الصندوق فحسب فالحرية هي التفكير بصوت عالٍ دون قيود فكرية أو اجتماعية أو سياسية وأن تفكر بكل شيء حتى وأن كانت هذه الاشياء تتعارض مع القيم الاجتماعية والعادات والتقاليد ونزع القدسية عن أي شيء بشرط الّا تسبب الأذى للأخرين كالتفكير بعدم الأقتناع ببعض الشعائر في مذهب معين حتى وأن كنت تنتمي لهذا المذهب فهل وصلنا إلى هذه الحرية  ؟ فعلى سبيل المثال عند ما يقول شخص ما في العراق أنه يحب صدام فعلى الفور يتهم بالإرهاب والبعث وكذلك في مصر وتونس وليبيا وغيرها ، وعندما يقول بعض المثقفين أن بعض الشعائر الدينية هي خرافات سفططائية فينعتون بالمعتوهين ! إن العقلية العربية لم تزل تفكر بمنطق الجاهلية فهي عقلية ساذجة تفكر بالعواطف والعصبيات القبلية والمذهبية والقومية ولم تنظر للإنسان كإنسان بمعزل عن أي شيء أخر فشخصية العربيّ شخصية تسيرها عاطفتها ولم تصل للتفكير المنطقي السليم وهو لغة العقل والحكمة والدين فالأشياء لم نحكمها بميزان عقلي مجرد وإنما نحكم عليها بمنطق الجهل والتخلف وهذا يؤدي إلى الفوضى بشكل أو بأخر وكي يتجنب الحاكم الفوضى يصبح دكتاتورياً ويضرب بالنار؛ ولهذا السبب تظهر الدكتاتوريات في مجتمعاتنا لعدم وجود الحرية الاجتماعية فمتى ما نصل إلى الحرية الاجتماعية نصل إلى ديمقراطية سياسية وما يحصل الان هو فوضى في جميع أنحاء الوطن العربيّ ولا يعد ديمقراطية ، فحتى العملية السياسية الناشئة في العراق التي تقوم على الكتل السياسية لو دققنا لوجدنا أن هذه الكتل في الظاهر متماسكة وإنما هي حقيقتها ضعيفة وهشة ومتكونة من عدة أحزاب غير منسجمة وأيدلوجياتها مختلفة وكل حزب لا يدري بالحزب الأخر من الكتلة الواحدة ونجد فوضى الخطاب السياسيّ داخل الكتلة الواحدة فكيف تعدد الكتل في إدارة الحكومة إذا الكتلة الواحدة لا يوجد داخلها قرار موحد ؟ فبالتالي تنتج لنا الحكومات الهزيلة وتؤدي إلى فوضى القرار والتنفيذ وقد قلت منذ البداية أن حكومة الأغلبية السياسية هي الحل في كل النظم العربية لا حكومات المحاصصات والطوائف التي تعتمد التوافقات والارضاءات ولا بد من وجود معارضة تثقف المجتمع على تعدد الأراء والقبول بالأخر كشريك أساسي في صنع القرار أما إذا بقي الحال في العراق وباقي الدول العربية بهذا الشكل فجميعنا مقبلون على مشروع خطير وهو مشروع الدويلات الطائفية والتقسيمات الديمغرافية وهذا ما تريده أمريكا وأسرائيل فالأوطان العربية كانت تحت وطئة الأنظمة القمعية الدكتاتورية التي تصادر كل الحريات وتحولت بين ليلة وضحاها تحت يد الشخصيات الإسلامية الطائفية ودكتاتورية الطائفة التي تسير بالفوضى ولا تعرف دستور أو قانون والكل يتحمل المسؤولية المسؤل والشعب على حد سواء فلا يوجد نظام سياسي أو اجتماعي يلتزم القوانين ويطبقها وإنما كل ما حدث هو فوضى وعدم إدراك للأمور وفُهمت الديمقراطية على أنها الفوضى بعينها وهو أن تعمل ما تشاء دون إعتبارات قيمية أو اجتماعية أو قانونية بالإضافة إلى زج الدين في شؤون السياسة وهذه من أخطر الأمور التي تؤدي إلى التفرقة في نسيج المجتمع وتعم الفوضى في جميع الأوطان العربية ونظنها الديمقراطية وهي في حقيقة الأمر ( الفوضى قراطيّة ) التي جاء بها الأستعمار الجديد .
 
 

كافة التعليقات (عدد : 1)


• (1) - كتب : مصطفى ، في 2012/08/03 .

اين نجد الحرية اذن هل نبقى نخضع لمؤامرات وستراتيجات خارجية لا نعلم لمن ومن اين هي



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=20256
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 08 / 03
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 06 / 28