شَمْسُ الإمام المُنتظر 'عج': نورٌ يُضيء عُتمة الغَفْلة وَيَمحو سواد الحَيْرة

 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: "اَلْمَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي اِسْمُهُ اِسْمِي وَ كُنْيَتُهُ كُنْيَتِي أَشْبَهُ اَلنَّاسِ بِي خَلْقاً وَ خُلْقاً تَكُونُ بِهِ غَيْبَةٌ وَ حَيْرَةٌ تَضِلُّ فِيهَا اَلْأُمَمُ ثُمَّ يُقْبِلُ كَالشِّهَابِ اَلثَّاقِبِ يَمْلَؤُهَا عَدْلاً وَ قِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً".(١)

إنّه الزمن الموعود، حيث الحقيقة مكُبّلة بأغلال الجهل، والظلمات قد أطبقت على صدر الصباح فتبددت الأنوار. لقد قَست القلوب، وبات الناس يتسكّعون على أرصفة التفاهة، ويذوبون في شراب الهوان، ويرقصون على مسرح الزيف، وسط ظلام قد ابتلع الوعي حتى بات الناس في ليلٍ معتمٍ حالكٍ، يتيه فيه الطالبون، ولا ينجو فيه إلَّا الأندرون. فعَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ قَالَ أَبُو اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ : "وَاَللَّهِ مَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ أَعْيُنَكُمْ إِلَيْهِ حَتَّى تُمَحَّصُوا وَ تُمَيَّزُوا وَ حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ إِلاَّ اَلْأَنْدَرُ فَالْأَنْدَرُ."(٢)

ولأنّ اللهَ خلق هذا الكون الفسيح وفق أسباب وسنن لا تبديل لها ولا تغيير، حيث لكل فعل نتيجة، والظلم مهما طال لابد أن يولّد وليجة، وأن ضياء الوعي مهما غاب أو غُيّب فإنّ شعاع النور وفجر الخلاص سيبزغ لينشر النظام على واقع الأمة الحائرة.

لذلك فإن قيام الإمام (عليه السلام) باتت ضرورة عقلية وحجة منطقية، فالحق لا بد أن يشق طريقه كما الضوء وهو يخترق الظلام، وكالماء حينما يفرض مجراه. لابد لهذا البحر الهائج من ربّان يشق أمواج الظلم العالية بسفينة النور، لترسو على أرض الميعاد، وليتعانق الوعي مع الحقيقة ليبزغ فجر يمحق الباطل ويحيله ركامًا في ذاكرة الخلود. فعَنِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ اَلدُّنْيَا إِلاَّ يَوْمٌ لَطَوَّلَ اَللَّهُ ذَلِكَ اَلْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلاً مِنِّي أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَ فِي بَعْضِهَا يُوَاطِي اِسْمُهُ اِسْمِي يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً."(٣)

هذا هو الوعد الإلهي، أملٌ بِفَجرٍ جديد، وفيض ربانيّ يشرق نورًا يضيء به دروب المتعبين، وينزع الأغلال عن المحرومين ويزرع اليقين في قلوب السالكين. سيشرق كقرن الشمس ليمزّق ظلمات الضلال، ويملأ النفوس يقينًا وجمالا. رُوِيَ عن رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ أنّه قال: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا اِسْتَيْأَسْتُمْ مِنَ اَلْمَهْدِيِّ، فَيَطْلُعُ عَلَيْكُمْ صَاحِبُكُمْ مِثْلَ قَرْنِ اَلشَّمْسِ، يَفْرَحُ بِهِ أَهْلُ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ."(٤)

سيشعّ كمصباح الصلاح في عتمة الظلام؛ قَبَسٌ يتوهّج ليضيئ العقول بعدما كانت تعيش الحلكة وتجول كالقطيع في دهاليز الجهل؛ سيهدم أسواقًا مُلئت بضجيج الكذب، تبيع التفاهة والضحالة في دكاكين الزيف.

أملٌ يحمل البشرى، وبيده الواح النجاة، يصرخ في اطلال الديار، يتفحّص الوجوه ليوقظ القلوب الغافية؛ ينادي يا أهل هذا الزمان، أنا ابن الذي مات عطشان، وأنا النجاة من الطوفان.

أنا مصباح الهداية، في غيبتي وبعد ظهوري. ففِي اَلتَّوْقِيعِ اَلَّذِي وَرَدَ عنه عجّل اللهُ تعالى فَرَجَه قوله: " ... وَأَمَّا وَجْهُ اَلاِنْتِفَاعِ بِي فِي غَيْبَتِي فَكَالاِنْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ إِذَا غَيَّبَتْهَا عَنِ اَلْأَبْصَارِ اَلسَّحَابُ وَ إِنِّي لَأَمَانٌ لِأَهْلِ اَلْأَرْضِ كَمَا أَنَّ اَلنُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلسَّمَاءِ ..." (٥).

يسند ظهره الى الكعبة ويصرخ فيهم كأنّه الفجر وقد انبلج نورًا، والعتمة قد أحاطت به، ظنًا منها أنها ستحجب ذلك الضياء، أو قد تسكت صوت السماء، أو ترد أمل الأنبياء، او لعلها تحبس زفرة صادقة تخرج من صدور الأوفياء.

نورٌ رُغم الغربة يقاوم، فيزداد ضياءً، ينهض كجبلٍ لا يركع، فيكون فجرًا وأذان يُسمع؛ يكمل سَيره، والأحرار من خلفه.

أملُ المستضعفين يسير في ازقّة الزيف ويخاطب والقلوب الحائرة، يا أهل هذا الزمان انا النجاة من الطوفان. يُبحر ليشق خباب البحر، ويقطع أمواج الضلال، ويرسو على أرض الأنبياء، حيث الحقيقة الحقّة تسطعُ ضياء بلا ظلال.

قال اللهُ تعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ [ القصص: 5].

 
المصادر:

1. كمال الدين، ج١، ص٢٨٦.

2. الغَيبة للشيخ النعماني، ج١، ص٢.٨.

3. إثبات الهداة، ج٥، ص٢٢٠.

4. إثبات الهداة، ج٥، ص٢٠١.

5. كمال الدين، ج٢، ص٤٨٣.

الامام_المهدي.jpg