الأثر الوجداني في نص قيامة الرؤوس للكاتب "منير راضي

اشتغالات النص المسرحي الحسيني تمر عبر مدرستين، مدرسة تجيز العمل بالتنظير الموضوعي والدلالي والرمزي والخيالي، وتشييد الواقعية الحسينية بأسلوب فني جمالي لا يريد توثيق الواقعة، وإنما التعبير عنها، ومدرسة أخرى ترى أن لا فن خارج تجسيد الواقعة، وهذا شأن النص المسرحي الحسيني، من أجل أن تبقى أحداث هذه الملحمة متلاصقة في ذهنية المتلقي، النص المسرحي مهمته وتسليط الضوء على حيثيات الواقع المأساوي، وترسيخ فكرة النهضة الحسينية.
في نص مسرحية (قيامة الرؤوس الكاتب "منير راضي") قراءة قسم بنية العرض لخدمة العمل إلى قسمين، شاشة تعرض ساحة المعركة، مخصصة للشخصيات المقدمة (أهل البيت) عليهم السلام، والشخصيات الأخرى ما بين الخشبة والعرض الفيلمي، فهو مازج بين زمنين زمن الواقعة وزمن الواقع، يكون التاريخ جزء مهما من حياتنا، وليعبر من خلال خطب الحسين وأهل بيته عليهم السلام عن واقعية المسرح.
يحمل النص بما يمتلك التاريخ من قوة تأثيرية ليعكس هذا الواقع، ويعرف سلطة السوء بما اقترفت، ونقل تلك المآثر التاريخية عبر السرد والوصف والحوار، الأحداث تحمل رؤى وأفكارا، فكان النص وسيلة اتصال معبرة عن روح التاريخ، مؤطَّرا ببناء شعوري وجداني وإنساني.
وسعى الكاتب منير راضي أن يبتعد عن الانكسارية رغم المصاب، ويصور تلك المأساة بطابع التضحية والفداء، وبطابع التحدي، صور لنا خوف الأعداء من الحسين عليه السلام حيا وميتا، يقول سنان وهو أحد العتاة من قتلة الحسين "عليه السلام".
(نور وجه الحسين "عليه السلام" شغلني عن قطع رأسه، قسما إني لم أر من في كل حروبي هكذا رجلا، أريق دمه، وجسده مثخنا بالجراح، ووجهه يتلألأ تلألؤ القمر)
هذا الوصف هو وسيلة النص إلى تعريف الفارق بين الموتى والشهداء، وخاصة الشهيد الذي بحجم مكانة الحسين "عليه السلام" يمثل رمز الشجاعة والإباء، حتى أن الشمر يعبر عن خوف سنان بأنه نوع من التبرير الذي يجعله يصدق روح القداسة في الحسين "عليه السلام"، مثل هذه الصورة البائسة هي الصورة الحقيقية لقتلة الحسين "سلام الله عليه" لا يؤمنون بقداسة ابن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" ولا يريدون أن يعترفوا بمكانة أهل البيت "عليهم السلام" لذلك اعتبر هذه القداسة نوعا من أنواع الخرافة.
يبرز لنا نص "قيامة الرؤوس" حقيقة أخرى ملخصها أن الازدواجية التي امتلكت أولئك القتلة واضحة لدرجة لا تفاجئنا، مثلا شبث بن ربعي هو في صفوف قتلة الحسين "عليه السلام" لكنه يقول في حواره مع الشمر (أتريد أن تحملني ذنب رأس بن علي؟) ويؤمن تماما بأن الحياء من رسول الله يوم الملتقى يمنعه من ذبح الحسين "عليه السلام"، مثل هذه الواقعية تمنحنا هوية فكرية نستلهم منها تراثنا.
يرى الناقد المسرحي (سعدي عبد الكريم) أن فاعلية الاشتغال على المسرح الحسيني ترتكز على مرجعية تاريخية شهدت حراكا بين التيارين (الخير× والشر) خيار يمثل الوعي النهضوي، وأخر يمثل للمرجعية المتسلطة، والمتمثلان بنهضة الإمام الحسين عليه السلام × طغيان الأمويين، هذا يعني لنا أن مهمة المسرح الحسيني مسؤولة للإحياء والترصين والتشخيص التوضيحي الإرشادي لحقيقة الأحداث، معسكر بن سعد يعبث فيه المرضى وأهل الازدواجية والجشع.
ارتكز الكاتب والمخرج منير راضي على أسلوبية السرد ونقل أحداث الواقع الخارجي بترابط منطقي يعمل على توثيق الإرث الإنساني، ما بين السرد والحوار نقرأ ذهن الحدث، مثلا مشهد ذبح الرأس الشريف من القفا لماذا من القفا؟
بعض المؤرخين يروون أن مشهد ذبح القفا جاء انفعاليا إثر قول من الحسين "عليه السلام" أغضب الشمر، والقسم الأخر يرى أن السيف عجز عن حز الرقبة لكون النبي "صلى الله عليه وآله" كان يقبله من النحر، ثم يأتي مشهد سحق الجسد بسنابك الخيل، وأمام عيال الحسين "عليه السلام"، في قراءة واعية للأستاذ المرحوم (سامي نسيم) يرى أن المسرح الحسيني أسسته الملحمة المباركة وممارسة الجماهير بعفوية، لننتبه إلى وجود المساحة الشعورية الوجدانية المؤثرة في مقتل أصغر أبناء الحسين "عليهما السلام" الطفل الرضيع، لنتأمل في مشهد رمي الدم إلى السماء، هذه هي الرسالة الدرامية إلى كل ضمير، لنقف عند واقعة السبي، وخطاب السيدة زينب "عليها السلام" تشكل دلالات واضحة على وجود الفعل المتناغم بين أهل البيت "عليهم السلام" والجماهير عبر التأريخ الإنساني.
هذا التشخيص وكأنه قراءة في نص (قيامة الرؤوس) حيث نداء زينب "عليه السلام" لجدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومشهد دفن الجثث، وهالات من النور على جسده المذبوح والرائحة الزكية وحضور السجاد بمعجزة.

الشعر_الحسيني.jpg