
كتاب الرحلة
هذا الكتاب هو عبارة عن رسالة من والد الشيخ البهائي (الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي) إلى أستاذه الشهيد الثاني (زين الدين الجبعي العاملي)، يصف فيها رحلته وأحواله منذ سفره الى العراق واستقراره فيها لسبع سنوات ثم ما تلى ذلك بعد خروجه من العراق إلى بلاد العجم، واستقراره في مدينة أصفهان.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه على ما أسبغ من العطاء، وأسبل من الغطاء، وكفى من الأسواء، وشفى من الأدواء، وأعطى الإنسان بفضيلة النطق أزمّة السبق، وجعل له من العقل الصحيح، والنطق الفصيح منشئا عن نفسه، ومخبرا في حدسه.
أحمده على خوالي نعم خوّلها، وتوالي قسم أكملها، وملابس آلاء خلعها، ومعاطس أعداء جدعها، حمداً ينظم منثور هباته، ويبرم منشور عداته، ويحوط مذخور صلاته، ويحبط محذور نقماته.
وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، شهادة من صدع بالحقّ لسانه، ونزع عن التّقليد جنانه.
وأصلّي على سيّدنا محمّد الّذي هاجر من أشرف المواطن، لمّا أحسّ من أعدائه بالغلّ الباطن، بعد أن أرسل بسوابغ الكلم، مجلّلاً بسوابغ النّعم.
والفسوق حينئذ زاخراً تيّاره، ظاهراً مناره، طائراً شراره، عامرة دياره. فأفصح المقالة، وأوضح الدّلالة، وأعلن النّذارة، وأحسن العبارة، ثمّ لم يزل بزناد العلم قادحاً، ولذوي الجهل بحقائق الأمور مكافحاً، ولقواعد الدّين مشيّداً، ولسواعد اليقين مؤيّداً، حتّى ظهرت من الدّين حقائقه، وبرزت من اليقين شوارقه، وخرس من الجهل شقاشقه، وخنس منه منافقه.
وعلى آله وخلّص أصحابه، الّذين اختارهم قواماً لملّته، وقوّاماً على أمّته، فمشوا على آثاره، وتسربلوا بسرباله وشعاره، صلاة لا انقطاع لمزيدها، ولا امتناع لمديدها، ولا انضياع لمشيدها، ولا اتّضاع لصعودها.
وبعد: فإنّه لمّا قدّر ذوالجلال والإكرام، انتزاحي من بلاد الشام، ومن فيها من الأهل والأصحاب الكرام، خصوصاً شيخ الإسلام وملاذ الخاصّ والعام، الخارج من منبع الصفاء، الوالج في مرتع الوفاء، الّذي مراقب مناقبه عالية عن مطمح مسام، عالية على مطمح سنام، المتّسع صدره، المرتفع قدره، الّذي أخلاقه رائحة الجنان وراحة الجنان، وداره دار الميامين، ودائرة المحاسن، الّذي قدّمه الفضل، وقوّمه العقل، ورفعه العلم، وورّعه الحلم، وزيّنه الكمال، وحسّنه الفعال.
قَدْ حَوَى مِنْ فَضْلِهِ طَرْفَاً
لَا يُرَى طَرْفٌ لَهَا طَرْفَاً
أعني بذلك قدوة الإسلام والمسلمين، وعمدة الإيمان والمؤمنين، زين الملّة والدين، أعاد اللّه الأنس بلقائه، ومتّعنا بطول بقائه، ومتّعه اللّه بالفضل الّذي استوى على عاتقه وغاربه، واستولى على مشارقه ومغاربه، ولا زال مرفّه الأسرار، موفّر المسارّ، محفوظاً بخاطر الحماية، ملحوظاً بناظر الرعاية ما أشرق قمره، وأورق شجره.
وكان – زيّن [الله] الوجود بوجوده، وأفاض عليه من منّه وجوده – قد عهد إليّ وأكّد عليّ أن أكتب إليه بما يتمّ لي في سفري، وما يتجدّد من الأحوال في حضري، تفضّلاً منه حيث أهّلني لهذا الحال، وجعلني منه ببال، جرياً على عادته الحديثة والقديمة، واتّباعاً لسجاياه وشفقته الرّحيمة.
فامتثلت أمره الكريم، وجريت على ديدني الحديث والقديم.
فصل: تشوّقه الى بلده واصحابه وشيخه الشهيد
اعلم أيّها الشيخ – هدى اللّه لك أبكار مكارم سنيّة الألطاف، وأهدى لك ثمار بيان جنيّة القطاف – أنّي منذ فارقتك ذو لاعجات تحرق القلب، ووالجات تخرق اللّب، وحافزات تعجز الصدر، وواخذات تفجّر الصبر.
بَعُدْتَ فَأَمَّا الطَّرْفُ مِنِّي فَسَاهِرٌ لِشَوْقِي
وأَمَّا الطَّرْفُ مِنْكَ فَرَاِقْدُ
فَسَلْ عَنْ رُقَادِي أَنْجُمَ اللَّيْلِ إِنَّهُ
سَتَشْهَدُ لِي يَوْمَاً بِذَاكَ الْفَرَاِقْدُ
ذو جفون دوام دوامع وعيون هوام هوامع.
صَبٌّ تَصُبُّ عَلَى فِرَاقِكَ عَيْنُهُ
بِدَمٍ صَبِيبٍ صَبِيبِ
متذكّر تلك العهود القديمة والصحابة الكريمة، الّتي أنت بدر أسحارها، وشمس نهارها، فطالما طالت بمذاكرتك فرحة اللبيب، وزالت بمنادمتك قرحة الأريب.
زَمَنُ الصَّبَابَيْنِ الْحِمَى وكَثِيبُهُ
آلَتْ عُذُوبَتُهُ إِلَى تَعْذِيبِهِ
غَرَبَتْ أَهِلَّتُهُ فَأَتْبَعَهَا الْهَوَى
نَفْسٌ يُشَيِّعُهَا بِفَيْضِ غُرُوبِهِ
فالهموم على الجوانح جوارح، والجوارح فيها للبعد جوارح.
شَابَ رَأْسِي مِنْ فُرْقَةٍ أَنَا لَاقِي
مِنْ جَفَاكُمْ أَيَّامَ شَرْخِ الشَّبَابِ
وفَرَانِي سَيْفُ النَّوَى بِشَبَاهِ
أَيُّ دَاءٍ مِنْ جُرْحِ ذَاكَ الشَّبَابِ
فها أنا بعدك لا أنتفع بنوم، ولا أرتدع للوم.
مَا فِي الْوَرَى أَجْهَلُ مِنْ لَائِمٍ
يَلُومُ فِي حُبِّكَ أَوْزَارِي
قُلْتُ لَهُمْ يَوْمَاً وقَدْ أَكْثَرُوا
مَا أَنْتُمْ حَمَّالُ أَوْزَارِي
ولقد أقمنا بالعراق برهة لولا فراقك كانت أعجب من الخيال، وأقصر من طيف الخيال، وأرشف من حسو الطائر والمثل السائر. فكم شاهدنا حسنا وحسناء في مشهد الحسين والشهداء، وكم شاهدنا يمنا ويمناء في مشهد الكاظميين والسعداء.
الْعُمْرُ مَا عَمَّرْتَ فِي ظِلِّ السُّرُورِ مَعَ الْأَحِبَّهْ
فَإِذَا نَأَيْتَ عَنِ الْأَحِبََّةِ
لَمْ يُسَاو الْعُمْرُ حُبَّهْ
فلقد كنت أتقلّب فيها بين بحث انشيه وتحقيق أوشّيه، فارغ البال خال من البلبال، لا أصرف همّي إلاّ في قربة أستفيدها أو قرابة أعودها، أو زيارة أستعدّها وأستعيدها، أو مسألة أستجدّها وأستجيدها، أيّامي كلّها أيّام الصّبا، ونسيمي نسيم الصّبا، وليلي كلّه كبرد الشباب، وبرد الشراب، ولقد كانت أيّاماً لم ألق لها في الزمان نظيراً، ولم ألف إليّ منها نظيراً.
دِيَارٌ بِهَا كُنْتُ أَرْعَى الْحِمَى
وآتِي الْمَسَّرَةَ مِنْ بَابِهَا
وقَدْ كَانَ قَلْبِي أَصْحَى بِهَا
ونَفْسِي أَحْظَى بِأَصْحَابِهَا
رَمَتْنِي الْمَطَايَا لِأَصْلَابِهَا
إِلَى نَارِ شَوْقٍ لِأُصْلَى بِهَا
فَصَارَ الْحَشَا بَعْضَ أَسْلَابِهَا
فَهَلْ عِيشَةٌ لِي أَسْلَى بِهَا
حتّى رمتني الحوادث بسهامها، وعبست بعد ابتسامها، وآل تنزّحها إلى الافتضاح، وتليت «عبس» بعد «الانشراح».
كُنْتُ فِي الْقُرْبِ ذَا انْبِسَاطٍ ولَكِنْ
كَاشِحٌ مِنْ بَنِي الزَّوَانِي زَوَانِي
ثمّ تحوّل الأمر من منافقها من المناجاة إلى المداجاة، ثمّ كاد أن يتحوّل من المكالمة إلى الملاكمة، ولقد كانوا يكمنون لي كمون الأفعوان، في أصول الريحان، حتّى إذا جئتهم للشمّ، فاجؤوني بالسمّ.
فصرت كلّ يوم في همّ جديد، من عدو حديد، وفي غمّ عتيد، من جبّار عنيد، لا سيّما من المنافق المعروف الّذي ظاهره يسرّ ويؤنس، وباطنه يضرّ ويؤيس، أخلاقه أوعار، وصحبته ذلّ أوعار، الخزي أولى به من الخزّ، والابتزاز أجدر به من البزّ، ظاهره غير ظاهر وباطنه كلّه باطن، جلده عريان، وبطنه غرثان، نجمه منحوس، وسهمه مبخوس، فهو أثقل من الخراج بلا غلّة، والحمية بلا علّة، كم فتنة سنّها، وغارة شنّها.
وبالجملة ما دام حيّاً يسعى، فهو حيّة تسعى.
فصل: هذا العدو هو سبب ارتحال المؤلف من العراق
ولقد توهّمته – عليه اللعنة – صديقاً حميماً، فألفيته صديداً حميماً، وخلته ذا ذمام فكان ذميماً، وتخيّرته كليماً، فأمسى للقلب كليماً، وظننته معيناً رحيماً، فتبّينته رعيناً رجيماً، وحسبته مريداً عليماً، فكان مريداً أليماً، وخلته رائعاً حسيباً، فكان زائغاً خصيماً.
ولقد بتّ منه سليماً، وبات منّي سليماً، فيا ليته [كان] عديماً، ولم يكن لي نديماً.
ولمّا رأيت أمري لا يزيد إلاّ عسراً، ولا يمن في يميني ولا يسر في اليسرى، قلت: حتّى متى وإلى متى، أنا دائم الرجفان دامي الأجفان، أحمل الضرّاء في دولة الأعداء، وأتجرّع الأضرار من هؤلاء الأشرار.
أَرْخَصْنَا ذَا الزَّمَانَ فِيهِمْ
فَكَيْفَ بَعْدَ الْإِرْخَاصِ نَغْلُو
فَلَسْتُ أَدْرِي أَهُمْ نُغُولٌ
أَمْ نَحْنُ أَمْ ذَا الزَّمَانُ نَغْلُ
وهل يحسن العدول عن دولة العدل، والاشتغال بهذا الفضول عن كسبى هناك الفضل.
إِذَا مَا ذَلَّ إِنْسَانٌ بِدَارٍ
فَمُرْهُ بِالرَّحِيلِ عَلَى بَدَارِ
فَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ فِضَاهَا
وفِي أَكْنَافِهَا دَارٌ بِدَارِ
وقد يحسن أن أذكر هنا أبياتاً، اخترتها من قصيدتي الواقية الوافية القافيّة القافية، وهي:
دَعْنِي أَسِرْ أَطْلُبُ نَيْلَ الْعُلَى
فَالْمُرُّ لِي فِيهِ حُلْوالْمَذَاقِ
والْمَرْءُ فِي أَعْدَائِهِ خَامِلٌ
وبَدْرُهُ بَيْنَهُمْ فِي مَحَاقِ
والدُّرُّ فِي مَعْدِنِهِ ضَائِعٌ
وإِنْ يَسِرْ عَنْهُ فَفَوْقَ الْمَآقِ
والْمَوْتُ عِنْدِي بِخُضُوعِ الْفَتَى
لِمُبْغِضٍ نَذْلٍ رَضِيعِ النِّفَاقِ
على أنّه قد يتأسّى الرجل الكريم، بقصّة موسى الكليم، فإنّه لمّا جاوز طور الأنام، وحاول طور الكلام، استسقى أمطار الرحمة، فاستقى أطمار الحرمة، وذهب لقبس من نار فوجد نوراً، ومضى يطلب شهاباً للأولاد، فرجع من الأنبياء الأمجاد.
فصل: دفع شبهة عن ارتحال المؤلف من العراق ومفارقة عتبات الائمة
قد يتخيّل ذوفكر رد رديّ، وقلب صد صديّ، قد نيط بحبّ الدنيا لبابه، وامتلأ من شهواتها إهابه، وقبض الحسد على جنانه، فبسط بالغيبة بذيء لسانه، أنّي ما خرجت من حكم الطغام، إلاّ طمعاً في الطعام، ونزحت عن الأئمّة العظام، إلاّ حبّاً لتجريد العظام، ولم يعلم بالحقيقة أنّ نظره على عكسه، حيث أنّ المرء مرآة نفسه، فما فيها يبدومن فيه، والجلد لا ينضح إلاّ بما فيه.
إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ
وصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وعَادَى مُحِبِّيهِ بِأَوْهَامِ نَفْسِهِ
فَأَصْبَحَ فِي بَحْرٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ
أتراه غفل عن قول ذوي الفضل: ليس من شرعة العقل سرعة العذل؟ أم ذهل عن قول القوم: ربّ ملوم لا ذنب له ولائم أحقّ باللوم؟
لَكَ الْوَيْلُ لَا تَذْعَرْ وَلِيَّاً لِبُغْضَةٍ
لَعَلَّ لَهُ عُذْرَاً وأَنْتَ تَلُومُ
وقد يوضح عن أمره وأمرى، ربّ سامع بخبري لم يسمع بعذري.
مع أنّه قد قيل: إذا كان لك من التقوى لباس، فما عليك من الأقوال باس.
ولَيْسَ الْفَتَى مَنْ تَحْمِلُ الضَّيْمَ نَفْسُهُ
ويَأْلَفُ لِلْأَسْقَاطِ نَصْبَ الْأَنَامِلِ
أَرَى الْمَوْتَ أَحْلَى مَوْرِدَاً مِنْ مَذَلَّةٍ
ورَفْعِ عَدُو خَافِضٍ فِي الْأَرَاذِلِ
على أنّ وجوب الهجرة من بلاد الجور – التي لا يتمكّن فيها من إظهار شعائر الإيمان – قويّ متلقى بالقبول، ووجوب التحرّز عن الضرر المظنون – فضلاً عن الحاصل – واجب عند ذوي العقول.
وأيّ ضرر أدهى من منع العلم من أهله، وإهمالنا في مثل هذا الزمان ما خلقنا لأجله؟! بل أيّ داء أدوى من اشتغال الحدس، بتوجه تطرّق الخوف على النفس؟!
والشيخ – درأ اللّه عنه شرّ ما ذرأ – أعلم بمواقع الأقدار، وقوارع الليل والنهار، فهو أعلى من أن ينبّه من سنة، أو يدلّ على سنّة، فمن أراد أن يزيده تبصيراً، ويخبره بما لم يكن به خبيراً، كان كمن أهدى إلى الأرض هدوّاً، وأسمى إلى السماء سموّاً، وإنّما هذه نفثة مصدور، جواباً لسؤال مقدّر أو مذكور.
وكيف أرضى بالأعداء أصحاباً، وبالتراب أتراباً.
أَأَرْضَى بِسُكْنَى مَنْزِلٍ لَمْ أَجِدْ بِهِ
سِوَى زَاهِدٍ أَوجَاهِلٍ فِي الْفَضَائِلِ
وأَلْبَسُ ثَوْبَ الْهَوْنِ فِيهِ إِذَا نَبَا
بِفَضْلٍ وكَمْ مِنْ مَنْزِلٍ فِي الْفَضَاءِ لِي
هذا مع أنّي – وللّه المنّة – فوق ما تعهده منّي، إن فكّرت فجواهر العقود، أو تكلّمت فمعقود العنقود.
فَمَنْ يَكُ دَأْبُهُ لَعْبَاً ولَهْواً
فَدَرْسُ الْعِلْمِ والْآدَابِ دَابِي
ولَا طَبْعِي عَنِ الْإِيجَازِ جَازَ
ولَا نَابَ عَنِ الْإِطْنَابِ نَابِي
ولَا أَصْبُوإِلَى لَهْووإِنِّي
إِلَى جِدٍّ كَطَعْمِ الصَّابِ صَابِي
ومَبْذُولٌ لِذِي الْآمَالِ مَالِي
ومَفْتُوحٌ لِذِي الْأَلْبَابِ بَابِي
وإن نثرت ففرائد الفرائد، وإن نظمت فقلائد الولائد،، وإن أطنبت أطربت، أوأطلت أطبت، أوأوجزت أعجزت.
ولِي فِي الْقَوْلِ والْفِعْلِ
مِنَ الرِّضْوَانِ رِضْوَانَا
وفِي النَّظْمِ والنَّثْرِ
مِنَ الْمَرْجَانِ مَرْجَانَا
وهل يرغب في اقتناء الفضائل إلاّ الفضيل؟، أم يرضى بالذلّ إلاّ الذليل؟
أَمِنْ فَضْلِي إِذَا قَنِعْتُ مِنَ الدَّهْرِ
بِعَيْشٍ مُعَجَّلِ التَّنْكِيدِ
ولَعَلِّي مُؤَمِّلٌ بَعْضَ مَا أُدْرِكُ
بِاللُّطْفِ مِنْ عَزِيزٍ حَمِيدِ
عِشْ عَزِيزَاً أَومُتْ وأَنْتَ كَرِيمٌ
بَيْنَ طَعْنِ الْقَنَا وخَفْقِ الْبُنُودِ
واطْلُبِ الْعِزَّ فِي لَظَى وذَرِ الذُّلَّ
ولَوكَانَ فِي جِنَانِ الْخُلُودِ
مَا بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي
وبِجَدِّي فَخَرْتُ لَا بِجُدُودِي
وبِهِمْ فَخْرُ كُلِّ مَنْ نَطَقَ الضَّادَ
وعَوْنُ الْجَانِي وغَوْثُ الطَّرِيدِ
وهل يأبى الكرامة إلاّ الحمار؟ أم هل ينافس في ازدياد المعالي إلاّ أولوا الأبصار؟
ولَا يُقِيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ
إِلَّا الْأَذَلَّانِ عَيْرُ الْحَيِّ والْوَتَدُ
هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ
وذَا يُشَجُّ فَلَا يُرْثَى لَهُ أَحَدُ
وبعيد على مثلي، بعد أن ورد عليه ما ورد من حلو الدنيا ومرّها، أن تذهله كثرة حرّها وقرّها، أو يلتبس عليه نفعها بضرّها، فلا يفرق بين خيرها وشرّها.
وما أقبح بذي اللّب أن يكون ممّن تخلع عليه أثواب التصوّن عن اللئام فينزعها، أو تجمع له أسباب الفضل فيمنعها، أو توطّأ له كواهل الكرامة بإظهار العلم فينزل عنها، أو تبوّأ له منازل السلامة من الأعداء فيعدل عنها.
بِلَادُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ فِضَاهَا
ورِزْقُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا فَسِيحُ
فَقُلْ لِلْقَاعِدِينَ عَلَى هَوَانٍ:
إِذَا ضَاقَتْ بِكُمُ أَرْضٌ فَسِيحُوا
مع أنّي – وللّه المنّة – لم أرغب عن اقتناء المعالي إذ غصن شبابي وريق، ونقل شرابي عضّ وريق، ونديمي ذو طرّة كالغسق، وعدة كالفلق.
وشَادِنٌ يَصْطَبِينِي
بِكُلِّ مَعْنًى دَقِيقِ
بِقَدِّ غُصْنٍ وَرِيقٍ
وطِيبِ لَفْظٍ وَرِيقِ
وهل يجمل بي أن أرجع عن طلابها وقد بلغت من الأربعين الأشدّ، واهتديت بها إلى الأسدّ؟!
ومَا أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبَا
فَكَيْفَ بِهِ والشَّيْبُ لِلرَّأْسِ شَامِلُ
أفأرجع القهقرى، وبصيرتي عن ذراعها حاسرة؟ تلك إذن كرّة خاسرة.
فصل: ولقد رضيت نفسي بالفقر...
ولقد رضيت نفسي بالفقر، حتّى صار لي حبيباً، وقريباً قريباً.
فقد سخت نفسي - بحمد اللّه - بكلّ ما زاد عن الزاد وماء المزاد، فوعظتني بقولها:
إذا حصل ملاقاتك، لا تندم على ما فاتك.
إِذَا أَظْمَأَتْكَ أَكُفُّ اللِّئَامِ
كَفَتْكَ الْقَنَاعَةُ شِبَعَاً ورِيَّا
فَكُنْ رَجُلَاً رِجْلُهُ فِي الثَّرَى
وهَامَةُ هِمَّتِهِ فِي الثُّرَيَّا
أَبِيَّاً بِوَجْهِكَ عَنْ بَاخِلٍ
تَرَاهُ بِمَا فِي يَدَيْهِ أَبِيَّا
فَإِنَّ إِرَاقَةَ مَاءِ الْحَيَاةِ
دُونَ إِرَاقَةِ مَاءِ الْمُحَيَّا
ومن قنع شبع، والرزق قدر مقسوم، الضيّق منه والمتّسع.
إِذَا مَا كُنْتَ ذَا قَلْبٍ قَنُوعٍ
فَأَنْتَ ومَالِكُ الدُّنْيَا سَوَاءُ
هذا مع علمي أنّه لا يعجب بجمع المال ويفخر به، إلاّ من علت نهمته ودنت همّته، أولم يعلم أنّه عن قريب نقل عمّا هوبه فحوّل.
إِذَا اعْتَزَّ بِالْمَالِ الرِّجَالُ فَإِنَّنَا
نَرَى عِزَّنَا فِي عِلْمِنَا إِذْ بِهِ نَسَخُوا
وعِزُّ الْفَتَى بِالْمَالِ يُنْسَخُ دَائِماً
وعِزُّ الْفَتَى بِالْفَضْلِ لَيْسَ لَهُ نَسْخُ
والشريف اللبيب من لا يرى الدنيا وما فيها ثمناً، ولا يرتضيها له مسكناً، حيث أنّ الباري جلّ وعلا لم يبسطها لأحد إلاّ اختباراً على أنّه لا يشكّ عاقل أنّها كزيارة ضيف، أوسحابة صيف.
واللَّهِ لَوكَانَتِ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا
تَبْقَى عَلَيْنَا ويَأْتِي رِزْقُهَا رَغَدَا
مَا كَانَ مِنْ حَقِّ حُرٍّ أَنْ يُذَلَّ لَهَا
فَكَيْفَ وهِيَ مَتَاعٌ يَضْمَحِلُّ غَدَا
فصل: ذمّ الدنيا
وكيف يغترّ بالدنيا من علم أنّها معاذير مقدّمة، ومقادير مبهمة، وفروض مقسّمة، وغصص مقتسمة، وآمال منفصلة ونفوس مستسلمة، ونحوس مخترمة، وقبور مظلمة، وأمور مستعجمة، ودلائل مترجمة، عداتها خدع، وهباتها لمع، ومغانمها مغارم، ونسائمها سمائم.
إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ
لَهُ عَنْ عَدُوفِي ثِيَابِ صَدِيقِ
كم سادات من عظام الصدور، صيّرت صدورهم عظاماً! وكم كبار من هامات الرؤس، جعلت رؤسهم هاماً!
سَلِ الْأَيَّامَ مَا فَعَلَتْ بِكِسْرَى
وقَيْصَرَ والْقُصُورِ وسَاكِنِيهَا
أَمَا اسْتَدْعَتْهُمُ لِلْمَوْتِ طُرَّا
فَلَمْ تَدَعِ الْحَلِيمَ ولَا السَّفِيهَا
أَمَا لَوبِيعَتِ الدُّنْيَا بِفَلْسٍ
أَبَيْتُ لِعَاقِلٍ أَنْ يَشْتَرِيَهَا
فصل: حزنه يوم خروجه من العراق
ولا يوم كيوم خروجنا من العراق، وقد بنا إليها عريق الأعراق، وجنّ بنا من الفرق ليل الفراق.
واللَّهِ لَوأَنَّهُمْ أَتَوْنِي
بِأَلْفِ حَازٍ وأَلْفِ رَاقِي
لَمْ يَذْهَبُوا بَعْضَ مَا ابْتَلَانِي
رَبِّي بِهِ سَاعَةَ الْفِرَاقِ
فها نحن كدنا نجفّ لفراق النجف، ونكفكف دمعاً من غير عين وكفّ وبعدنا عن تلك المشاهد، ومن فيها لأنوار الحقّ شاهد.
ولَمَّا تَبَاعَدْنَا تَبَاكَتْ نُفُوسُنَا
فَمُمْسِكُ دَمْعٍ عِنْدَ ذَاكَ كَسَاكِبِهِ
فَيَا كَبِدِي الْحَرَّى الْبَسِي ثَوْبَ حَسْرَةٍ
فِرَاقُ الَّذِي تَهْوِينَهُ قَدْ كَسَاكِ بِهِ
هذا وأيدي خرّدها تشير بالبنان، وتندبني بحسن البيان.
يَا غَزَالَاً كَانَ يُؤْنِسُنِي
بِجَمَالٍ مَنْ تُقَرُّ بِهِ
إِنَّ عَيْنِي بَعْدَ فُرْقَتِكُمْ
مَا رَأَتْ شَيْئَاً تُقَرُّ بِهِ
ونواظرها نحوي تشير، وبمسيري تسير.
يَا وَيْحَ قَلْبِي مِنْ دَوَاعِي الْهَوَى
إِذْ رَحَلَ الْجِيرَانُ عِنْدَ الْغُرُوبِ
أَتْبَعْتُهُمْ طَرْفِي وقَدْ أَبْعَدُوا
ودَمْعُ عَيْنَيَّ كَفَيْضِ الْغُرُوبِ
فيا لها من خرّد كلّما رمقت عيونها، قمرت مفتونها.
وَا خَجْلَتِي مِنْ عُيُونٍ كُلَّمَا رَمَقَتْ
إِلَّا انْثَنَتْ عَنْ قَتِيلٍ مَا بِهِ رَمَقُ
يَا صَاحِ دَعْنِي ومَا أَنْكَرْتَ مِنْ وَلَهِي
بَانَ الْفَرِيقُ فَقَلْبِي بَعْدَهُمْ فَرِقُ
فما عسى أن أقول، في شموس أذنت بالأفول!
لِقَلْبِي مِنْهُمْ عَلَقٌ
ورَهْنِي فِيهِمْ غَلَقٌ
وعِنْدِي مِنْهُمْ حَرَقٌ
بِهَا الْأَحْشَاءُ تَحْتَرِقُ
ونَحْنُ لَدَيْهِمْ فَرَقٌ
أَذَابَ قُلُوبَنَا الْفَرَقُ
ومَا أَبْقَوْا سِوَى رَمَقٍ
فَلَيْتَهُمْ لَهُ رَمَقُوا
وربّ ريم يتشوفني وقت الفراق تشوّف العاتب، ويتشوّقني وأنا لديه حاضر تشوّق المحبّ للحبيب الغائب.
إِذَا مَا شُجِيتُ بِذِكْرِ الْمُحِبِّ
تَشَاجَى عَلَيَّ بِدَلِّ الْحَبِيبِ
وتِيهٌ تَتِيهُ عَلَيْهِ الْقُلُوبُ
وعِشْقٌ إِلَى عَاشِقِيهِ عَجِيبُ
وقَدْ جُدْتُ بِالنَّفْسِ وَجْدَاً بِهِ
وقَضَّيْتُ نَحْبِي بِطُولِ النَّحِيبِ
هذا وطرفها ينظر إليّ، وخالها يتجنّى عليّ.
يَا لَيْتَ صَحْنَ خَدِّهَا
مِنْ ذَلِكَ الْخَالِ خَلَا
فَهُو الَّذِي قَلَّبَ قَلْبِي
فِي قَوَالِيبِ الْبَلَا
يَا سَائِلِي عَنِ الْهَوَى
وطَعْمِهِ سَلْ مَنْ سَلَا
أَسْكَرُ فِي الْحُبِّ فَلَا
أَدْرِي أَمَرَّ أَمْ حَلَا
فيا ليت شعري كيف أجانبها، وقد لان جانبها؟
قُلْ لِلَّذِي وَرْدُ خَدِّهِ الْقَانِي
فِي لُجِّ بَحْرِ الْغَرَامِ أَلْقَانِي
مَا نِلْتُ مِنْ ظَلْمِ ثَغْرِهِ الْهَانِي
عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ أَلْهَانِي
وقد علق القلب إلى يوم القيام، وها أنا في قبضتها والسلام.
إِذَا رُمْتُ مِنْهَا سَلْوَةً قَالَ شَافِعٌ:
مِنَ الْقَدِّ مِيعَادُ السُّلُو الْمَقَابِرُ
ويَبْقَى لَهَا فِي مُضْمَرِ اللُّبِّ والْحَشَا
سَرَائِرُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ
هذا ولسان حالها يقول بالتغريد: ما باله خان العهد القديم والجديد؟ ولقد كنت إخال أنّه لا يحول عن العهد بحال.
وَا عَجَبَاً مِنْ قَوْلِهَا
خَانَ عُهُودِي ولَهَا
وحَقَّ مَنْ صَيَّرَنِي
وَقْفَاً عَلَيْهَا ولَهَا
مَا خَطَرَتْ بِخَاطِرِي
إِلَّا كَسَتْنِي ولَهَا
ثمّ امتطينا ظهر الغبراء، وازورّ مسيرنا نحو الزوراء، ونحن نرمق منازلنا رمق الولهان، ونقف ساعات وقوف الحيران.
أَلَيْسَ وُقُوفُنَا بِدِيَارِ هِنْدٍ
وقَدْ سَارَ الرَّفِيقُ مِنَ الدَّوَاهِي
وهِنْدُ قَدْ غَدَتْ دَاءً لِقَلْبِي
وقَدْ بَعُدَتْ ولَكِنَّ الدَّوَا هِي
فأقمنا فيها خمسة أيّام لقطع المصالح، وإذا سورها ما فيه صالح، ننتهز فيها الفرص، ونتجرّع من الخوف الغصص.
حَبَّذَا عَيْشُنَا الَّذِي زَالَ عَنَّا
حَبَّذَاكَ الْحَبِيبُ لَا حَبَّ ذَاذَا
قَدْ رُمِينَا مِنَ الزَّمَانِ بِسَهْمٍ
صَائِبٍ مُذْ أَحَلَّنَا بِغَذَاذَا
بَلْدَةٌ تُمْطِرُ الْمَصَابَ عَلَى النَّاسِ
كَمَا تُمْطِرُ السَّمَاءُ الرَّذَاذَا
وخرجنا منها قبل العصر، كما خرج موسى من مصر، ثمّ وصلنا بلدة بعقوبا، فأقمنا فيها سبعة أيّام عند الصدور، في منزل أناس واسعي الدور والصدور، وأحقّ الناس بالصدور، وأحسنهم في حالتي الورود والصدور، فأجملوا في الخدمة المفصّلة المفضّلة كلّ الإجمال، بما يقصر عنه التفصيل والإجمال، ثمّ أنفقوا لنا زاد المسافر، فكانوا كما قال الشاعر:
ونُكْرِمُ ضَيْفَنَا مَا دَامَ فِينَا
ونُتْبِعُهُ الْكَرَامَةَ حَيْثُ مَالَا
ثمّ لم نزل والسير والإقامة دائبين، إلى زيارة الأربعين، وفيها كان انفصالنا عن المملكة العراقية، واتّصالنا بالمملكة الكرديّة فاتّصلنا بالسلطان محمود، ثاني ذلك اليوم المحمود، فبالغ في الأدب واللطافة، وأحسن لنا الضيافة، ثمّ أرسل معنا أخاه دليلاً ومهيمناً وكفيلاً، فأوصلنا إلى محمّدي السلطان، فكان شأنه أحسن ما ذكرنا من الشأن، أهدى إلينا شيئاً من العين وأحلّنا محلّ السواد من العين.
ثمّ دخلنا أوّل يوم من ربيع الآخر خرّم آباد، وأذهب اللّه عنّا أكثر صعوبة الثلج وأباد، فيا لها من جبال شامخة الرؤوس، كثيرة النحوس، تتحيّر فيها الأفكار، وتشيب منها الأطفال الصغار.
فصل: اوّل ليلة فارقنا من خرّم آباد
وأوّل ليلة فارقنا خرّم آباد، فقصد أذانا بعض الأكراد، فأخذوا لنا ليلة فرساً وجميع ما معنا من التيح والثياب، حتّى السبح والأقلام ومصحفين وصحيفة وأحد عشر كتاباً وكثيراً من الأسباب، مع أنّهم قد أضرّوا بنا غاية الإضرار بالحال، لولا الكتب لم تكن تخطر لنا ببال، لعلمي أنّ الصروف تتصرّف ثمّ تنصرف، وتكف ثمّ تنتكف.
كَمْ سَاءَنِي الدَّهْرُ يَوْمَاً ثُمَّ سَرَّ فَلَمْ
يَدُمْ لِنَفْسِي لَا هَمَّاً ولَا فَرَحَا
أَلْقَاهُ بِالصَّبْرِ ثُمَّ يَعْرُكُنِي
تَحْتَ رَحَىً مِنْ صُرُوفِهِ فَرِحَا
على أنّي بحمد اللّه أصلب عوداً من أن تؤثّر فيّ نياب النوائب، أو يخمدني انصباب المصائب.
صَرَفْتُ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا وزُخْرُفِهَا
لَا فِضَّةً أَبْتَغِي فِيهَا ولَا ذَهَبَا
نَفْسِي الَّتِي تَمْلِكُ الْأَشْيَاءَ ذَاهِبَةٌ
فَكَيْفَ آسَى عَلَى شَيْءٍ إِذَا ذَهَبَا
ثمّ وصلنا إلى ميرزا عبد اللّه ولد الشاه قاسم، وحسن - أحسن اللّه إليهما، ونظر بعين العناية إليهما - فأحسنا إلينا غاية الإحسان، وقدّما لنا فرساً وزاداً في الامتنان.
ثمّ كان لنا بعد ذلك شأن وأيّ شأن، إذ حللنا قبل النيروز بيوم كاشان، فأقمنا فيها أيّاماً قضينا فيها تفثنا ووفينا نذورنا، ورتقنا فيها كثيراً ممّا كان انفتق من أمورنا.
فصل: لقد سرق متاعنا الاكراد
ولقد سرق متاعنا الأكراد... ما تركوا لنا فضّة إلاّ فضّوها، ولا ذهباً إلاّ ذهبوا به، ولا علفاً إلاّ علّفوه، ولا غلّة إلاّ غلّوها، ولا مالاً إلاّ ومالوا عليه، ولا عرضاً إلاّ تعرّضوا له، ولا حالاً إلاّ حالوا عليها، ولا فرساً إلاّ افترسوه، ولا سبداً إلاّ استبدّوا به، ولا بزّة إلاّ ابتزوّها، ولا خلعة إلاّ خلعوها، ولا حلّياً إلاّ احتلّوه، ولا قميصاً إلاّ تقمّصوه، ولا جبّة إلاّ جبّوها، ولا مئزراً إلاّ تأزّروا به، ولا عباءة إلاّ عبّوها، ولا خرجاً إلاّ خرجوا به...
فصل: لقد كنّا مع شطّ المسافة
ولقد كنّا مع شطّ المسافة، وكونها مسّ آفة، وإشطاط المخافة، وكونها مخّ آفة، نستعذب في طريقنا هذا العذاب، ونستطيب النصب والأوصاب، ونستبرد ظلّ الدباء لما منحنا من الخلاص من أيدي الأعداء، فلقد كان النهار كالبهار، والليل كالبليل والبرد كالبرود، والحرّ كبرد السلسبيل.
فصل: يوم قد اعتمّ بالمشيب
بينا نحن في يوم قد اعتمّ بالمشيب، واغتمّ على فقد الحبيب، قد زرّ عليه جيب الضباب، وانسحب فيه ذيل السحاب، يوم شقّ بسيف البرق ثوبه وانتدب، وناح بالرعد وندب، وبكى وانتحب، وجاء وذهب ووهب، ولسان رعده ناطق، وقلب برقه خافق، تنطق رعوده بألسنة الجلباب، وتخفق بروقه بذوائب اللهب وذائب الذهب، قد هطلت سماؤه كأفواه القرب، وتقرّب إلى الأرض بأنواع القرب، يوم قد خيّم غيمه وطنّب، وأسهب ثلجه وأطنب، وعاد الجو أشيب، وأدهم الجبال أشهب، يوم فضّي الجلباب، مسكيّ النقاب، معقود السحاب، محول السخاب، ليلة قد هلك إهابها، كأنّ الصبح يهابها.
فصل: وصفه للشتاء والربيع
إذ نحن في يوم حلّت عنه أيدي الأنواء أزرار الأنوار، وأذاع لسان النسيم أسرار الأزهار، فأذاع الهوى أسراره، وفضّص ذوب الثلج أنهاره، وعطّر القطر وروده وبهاره، وخيّطت يد الربيع براقع جلّناره، وطرح في أوراقه جلّ ناره.
يوم قد راق شبابه، وراق شرابه، قد هبّت فيه أرواح الربيع، على أرواح الجميع. يوم ساكن الريح خفيف الرّوح، رقيق الراح كثير الرّوح، قد وشّحنا راحنا براحه، وروّحنا أرواحنا بنسيم أرواحه.
يوم محلول فيه عصائب الأزهار، مسلول فيه قواضب الأنهار، ماؤه خصر، وروضه خضر، فيه أطرف زهر، في أظرف دهر.
يوم واضح نهاره، متبرّج بهاره، أنيقة أشجاره، رقيقة أسحاره، مغرّدة أطياره، متقاربة أطواره، ليلته كبرد الشباب، وبرد الشراب، كواكبه المضيئة عقود، وثريّاه الوضيئة عنقود.
فصل: رفقائنا من الأعاجم
وأمّا رفقاؤنا من الأعاجم، فإنّا نثني عليهم مدى الأيّام، فلقد كانوا شفيقين رفيقين ألبّاء حازمين.
أمّا السيّد أسد اللّه فهو أسدّ حازم وأشدّ جازم، فهو سيّد أقرانه، وسند إخوانه، ذوهمّة تعزل السماك الأعزل لسموّها، وتجرّ على المجرّة ذيل علوّها؛ ولقد كان (حسن) حسناً مجيباً، ولبيباً حبيباً؛ ولم يزل (فتح اللّه) منّا قريباً؛ ولقد كانت تطلع شمسنا وتستضيئ من فانوسنا ليلاً ونهاراً؛ ولقد كان سيفنا يقطع مجرّداً وهو في جفنه سرّاً وجهاراً.
فصل: وصوله إلى اصفهان ومدحه للسيّد أسد الله
ولقد لبسنا لحرب الطريق الدلاص فهان، وقطعنا رأسه حتّى حللنا بأصفهان، فنزلنا عند أسدها بل أسدّها، عين أعيانها، بل إنسان عين إنسانها، سرّ أبيه أسد اللّه الغالب، خلاصة ولد أبي طالب، أقرّ اللّه عينه، وأدام عونه، وأهطل غيثه، وأدام غوثه، ولا زالت همّته العليّة تتجلّى بغير انجلاء، وتقضي معارف العارفين من غير انقضاء، ما قصد سيل قراراً، وطرد ليل نهاراً.
فلقد تلقانا بالرّحب والترحيب، وقابلونا كما يقابل المحبّ الحبيب، ولقد وطئنا سهلاً وأيّ سهل، ولقينا به وبهم أهلاً وأيّ أهل، غذاؤهم العلم والتفكّر، ونقلهم المذاكرة والتذكّر، جوارهم مرضيّ، وذمامهم مرعي، يشفون الوسائل، ويسعفون المسائل، ويولون المغانم، ويؤدّون المغارم، وينيلون المعترّ، ويقيلون المغترّ، فتراهم بين فقير يواسونه، وعقير يوسونه، ونصيح يؤثرونه، وجميل يرونه؛ يجودون بما يجدون، ويعدلون ولا يعدلون، ويمنّون ولا يتمنّون، ويميرون ولا يمتنّون، ويسدّدون ولا يسدّدون، ويسدون ولا يسدون، ويوردون ولا يردّدون، ويبذلون الأغراض، ويصونون الأعراض؛ أقدرهم اللّه على تنفيس الكربات، والمنافسة في القربات، وغضّ عنهم العيون الحاسدة، وفضّ عنهم الجموع الحاشدة، ولا زالوا في حالين في محلّ الفضل والإنعام، خالين من كلّ ذم وذام، قائمين بالحقّ حقّ القيام، إلى يوم القيام.
فصل: مدحه لأصفهان
وها أنا قاطن في أصفهان، وما أدراك ما أصفهان؟ جنّة الأرض، وحبّة العرض، حصينة المرابع، خصيبة المراتع، ذات نسيم للروح نسيب، وثمار ما لمن لم يذقها في الأثمار نصيب، نورها ساطع، ونورها طالع، قد ظهرت بشاشتها البهيّة، وزهت بملابسها الزهيّة، أيّامها أحسن من أنوار الأشجار، وأطيب من أنفاس الأسحار، فهي تغني عن سوالف الدهور، وتعبّئ عواقب السرور، ولياليها أحلى من قبلة الحبيب، وأشهى من غفلة الرقيب.
وهل تقاس بما سواها وبينهما من الفرق ما بين القدم والفرق، ومن الصرف ما بين الولاية والصرف؟
فصل: ولقد أجزل علينا النعم إلهنا
ولقد أجزل علينا النعم إلهنا إذ أتى بنا إلى هنا.
فالآن ألان الزمان جانبه، واستعذب الوارد مشاربه، وتعمد الساري مساريه ومساربه.
ولقد جذلت بخروجي من دولة المنافقين، ودخولي في دولة المؤمنين، جذل من آل إلى آله على أسعد أحواله، وأوى إلى مآله ظافراً بآماله، وسررت مسرّة من أطلق من إساره بعد طول إضراره، وقبضت راحة يساره على راحة يساره.
وبالجملة حالي فيها حال غريب شارف الوطن فتنسّم تربته، أوطالب أدرك الوطر فتسنّم رتبته، ولولا أنّ لكم وحشة لا تبلغ وصفها الأقلام، قال قائل يوم هنا ألف عام.
فصل: معاملته ومعاشرته للناس فى الدولة الصفويّه
وها أنا أيّها الشيخ – ذرأ اللّه عنك ما ذرأ – بين الأعاجم أخالطهم مخالطة مسالم، لا مخالطة مصالم، وأجاملهم مجاملة باسم، ولا أحاملهم محاملة مقاسم، لعلمي أنّ من سلم من الناس، سلم من الباس، وأنّ المداراة للنوب، والإجمال في الطلب، يومئان إلى النجاح، ويؤمنان من الافتضاح، فأنا أخفض لهم الجناح، وأرفع عنهم الجناح، وأجعل بللاً من أقوالهم بحراً، وليلاً من أفعالهم فجراً، لعلمي أنّ المخالطة معاشرة لا معاسرة، ومسامرة لا مشامرة، ومقاربة لا مواربة، ومناسبة لا محاسبة، ومجالبة لا مغالبة، ومكالمة لا ملاكمة، ومسالمة لا مصالمة، ومباسمة لا محاسمة، ومراحمة لا مزاحمة، ومنادمة لا مصادمة، ومخادمة لا مخاصمة، ومساهلة لا مباهلة، ومواصلة لا مفاصلة، ومجالسة لا مخالسة، ومؤانسة لا مدانسة، ومضارعة لا مصارعة، وممازجة لا ممارجة، ومحابة لا مماحنة، ومعاونة لا مغابنة، ومفاوضة لا معارضة.
فصل: ولقد مشيت على ما تعهده منّي من طريقي المستقيم
ولقد مشيت على ما تعهده منّي من طريقي المستقيم، وخلقي الكريم من التجنّب ما استطعت عن المباراة، والتنكّب جهدي عن المماراة، لعلمي أنّهما يهدمان الدين، ويعدمان اليقين، ويضعفان القوى، ويوهنان العرى، وأنّهما ربما أثارا فتنة، شديداً ضرامها، بعيداً مرامها، جائرة أحكامها، دائرة أعلامها، مسمومة سهامها، مذمومة أيّامها.
وربما أطلق بعضهم عنان الإكثار، فأثار على نفسه قبيح الآثار، وتصدّى للقيل والقال، وتعدّى بالجدال إلى المحال، على أنّه قد تشبّه فلم يحك المثال، ولم يحك على المنوال.
وأين الماء من السماء، وموقع السيل من مطلع سهيل! وحينئذ لم ألن لين الذليل، ولكن لا يزعم بمن نجرى من الدليل بل عاملته بما قيل، ولم أقنع له بالقليل.
إِنَّمَا الْجَاهِلُ إِنْ لَا يَنْتُ بِهِ
فَهُومِنْ غَفْلَتِهِ لَا يَنْتَبِهُ
خُذْهُ بِالْغِلْظَةِ كَيْ تَنْفَعَهُ
ولَقَدْ أَضْرَرْتَ إِنْ لَا يَنْتُ بِهِ
ولقد شمّرت له عن ساعد المقال في ذلك المقام، وبيّنت بحمد اللّه عن بالغ الكمال ببديع الكلام.
لَئِنْ كُنْتُ مُحْتَاجَاً إِلَى الْعِلْمِ إِنَّنِي
إِلَى الْجَهْلِ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ أَحْوَجُ
فَلِي فَرَسٌ بِالْخَيْرِ لِلْخَيْرِ مُلْجَمٌ
ولِي فَرَسٌ بِالشَّرِّ لِلشَّرِّ مُسْرَجُ
فصل: انتقاده للقضاء فى الدولة الصفوية
لا عيب في ديار العجم سوى قوم قعدوا للقضاء المحكم، فوقعوا في القضاء المبرم، أوللفتوى للناس، فوقعوا في الفتنة والبأس.
قُلْ لِلَّذِي يَقْضِي ويُفْتِي ولَا
يُحْسِنُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُحْسِنَا
أَقَاضِيَاً أَصْبَحْتَ أَمْ قَاضِبَاً
ومُفْتِيَاً أَمْسَيْتَ أَمْ مُفْتِنَا
ضمائرهم خبث وأيمانهم حنث، ما فيهم إلاّ عظام عظام، وأجسام جسام، بل اسم بلا جسم، أو جسد بلا أحد، قصارى أحدهم أن ينصب تحته تخته، ويوطئ دسته استه، لا يحضر معه في مجلس قضائه من الأدوات، إلاّ القلم والدواة،
ظاهرهم ظاهر أصحاب السمت، وباطنهم باطن أصحاب السبت،
يحسب أحدهم قد أحسن وإنّما هوأخبث وأحنث، فإذا تكلّم لا يدري أحدّث أم أحدث، ولا يصابون يصيبون، بل ينصبون وينصبون، وللدين يرفضون، وعلى الفلس يركضون، كأنّهم إلى نصب يوفضون، يفتنون ولا يفتون ويفتّون ولا يفتّون، بل أحدهم بالهوى مفتون، وكلّهم بحبّ العاجلة مفتون، يتسامرون في الغيبة، ويتفاخرون في الريبة، قد أطلقوا في الغيبة ألسنتهم، وأنفقوا في الهوى أزمنتهم، فما أكثر سراب أخلاقهم، وأكثر شراب نفاقهم! قد قبحت أوصافهم، وقلّ إنصافهم، واستوطؤوا الفسق مركباً، واستعذبوا السحق مشرباً.
نَادَوْا عَلَى الدِّينِ فِي الْبُلْدَانِ قَاطِبَةً
يَا قَوْمِ مَنْ يَشْتَرِي دِينَاً بِدِينَارِ
ولأنّهم أذلّ وأحقر من أن يقصدهم مثلي في الثلب، وإنّما جرّبت رويّتي فيهم تجربة السيف على الكلب، وإنّي لمّا انتقصت الكلب بتشبيههم به لأستغفر اللّه وإليه أتوب، حيث أنّه لا ذنب للكلب ولهم أنواع من الذنوب.
فصل: هضم المؤلّف لنفسه
لا يزال الإنسان حسن الظنّ ببديهة نفسه، قليل التفحّص عن رويّة حدسه، لا جرم إنّ العثار سابق إلى قدمه، والاغترار سائق إلى ندمه.
وقد يطفح ممّا روّقته من المقال دعوى الكمال، مع أنّه تمويه على الجهال، وتستر بالمحال على غير العالم بالمحال.
وإن أردت أيّها الشيخ - أيّدك اللّه وإيّانا بروح منه حقيقة الحال، فاستمع لما يقال: إنّه قد استولى عليّ الجهل المركّب وهوجل، وحلّ بي بعدك منه ما قد حلّ، وغير عجيب بعد نزوعي عن منشئي ومواطني البهيّة، انتزاعي من قسم الإنسانيّة والدخول في قسم البهيميّة، ألا يرى إلى حسن اخضرار العود، فإذا فارق منبته استعدّ للوقود.
فها أنا تارة أستغرق في الجهل والطيش، فأراني في لذّة العيش، وتارة تلاحظني منكم بقايا العناية، فأعلم أنّي من الجهل في أقصى الغاية، ولعلّني لولا تلك الملاحظة لم أهتد إلى كلام، ولم أميّز بين نور وظلام، وأنا أرجوأن أعود بتلك الملاحظات، وصالح تلك الدعوات، إلى الحالة الأولى والمعهودة، والطريقة المتقدّمة المحمودة.
فصل: ولقد استبدلت - أيّها الشيخ أعزّك اللّه -...
ولقد استبدلت - أيّها الشيخ أعزّك اللّه - من ذاك الوقار الذي تعهده منّي حدّة وطيشاً، ومن ذاك الدؤوب في الجدّ لذّة وعيشاً، فبعد ما كنت في كلّ يوم من الكمال في مزيد، صرت كلّ آن في نقص جديد وجهل مزيد، فما أحقّني بهذا النشيد!
دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا
واقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي
كمّ طويل وباع قصير، وعلم قليل وتيه كثير.
الهيئة هيئة أهل العلم ولكن العلم للّه، والظاهر ظاهر أهل الصلاح والباطن لاه، فلو رأيتني أيّها الشيخ المصون، وأنا على حالة عليها أكمل ما يكون، لتيقّنت أنّ الجنون فنون، ولأنشدتني:
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا
أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
وقد كنت من قبل أرجو أن أصير باختلاطي بالعجم بعد العرب جامعا للفضيلتين، فحصلت على مقابح العرقين، وغفلت عن أنّ القياس إنّما ينتج أخسّ المقدّمتين،
فها أنا كالعير ذهب يبتغي قرنين، فرجع وهو مصلوم الأذنين.
ولَرُبَّمَا طَلَبَ الْحَرِيصُ زِيَادَةً
فَغَدَتْ مُؤَدِّيَةً إِلَى النُّقْصَانِ
فصل
قد قنعت من العبادة على أقلّ المجزئ من الصلاة والصيام، وهيهات أن أوفيهما حقّهما على التمام.
فَقُلْتُ لِرُشْدِي والتَّنَسُّكِ والتُّقَى
تَخَلَّوْا ومَا بَيْنِي وبَيْنَ الْهَوَى خَلُّوا
وحصّلت من الفقه على نواقض الوضوء الطهارة، وهيهات أن أوفّيهما حقّهما من العبارة.
وصرت لا أعرف من النحو، بعد ذاك الرسوخ والثبوت، إلاّ «أكثر شربي السويق وهو ملتوت».
ولا أعرف من التصريف مقالاً، إلاّ «قاتل يقاتل قتالاً».
ولا من المنطق بعد ذاك التعب والجهود، إلاّ «إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود».
ولو شرحت لك نهاية جهلي بالأصول، وقلّة ما لي فيه من المحصول.
وشرحت لك مختصر مبادئ خلاصة حالي العجيب، لتلخّص لك من فوائد النثر حال متشعبّة التهذيب.
يَا ذَا الَّذِي دَلَّ عَلَى أَنَّهُ
قَدْ ذَهَبَ الْعِلْمُ بِتَهْذِيبِهِ
لَيْسَ كَمَا تَزْعُمُ لَكِنَّهُ
جَلَسَتْ مِنْ كَفَّيْكَ تَهْذِي بِهِ
فها أنا لا علم لي بالعلم، ولا فقه بالفقه، ولا أصول في الأصول... [ويستمر في النفي] ولا نثر في النثر.
مَاذَا يُرِيدُ الْعَاذِلُونَ بِعَذْلِ مَنْ
لَبِسَ الْجَهَالَةَ فَاسْتَرَاحَ ورَاحَا
فصل: داعيك هذا الحارثيّ، وما أدراك ما الحارثي
داعيك هذا الحارثيّ، وما أدراك ما الحارثي! قد قطعه الفضول عن الفضل، ومنعه العدول عن العدل، فصار يكذّب الثناء، ويخيّب الرجاء، شعره خامل، ليس له حامل، نثره منثور على المزابل، ليس له مزاول، شرّه موجود وخيره مفقود، ميزانه وكيله، ولسانه أكيله، وكيسه أنيسه، ورغيفه أليفه، ويمينه أمينه، وخاتمه خادمه، وصندوقه صديقه.
مُسْتَيْقِظٌ فَإِذَا اسْتُضِيفَ
يَصِيرُ فِي قِسْمِ النِّيَامِ
وإِذَا بَدَا وَقْتُ الطَّعَامِ
يَصِيرُ فِي حَدِّ الْفِطَامِ
تَبْدُو مَصَائِبُهُ الْعِظَامُ
أَوَانَ تَجْرِيدِ الْعِظَامِ
فهو في الخير وإن عام، لا يعرف الحسنى والإنعام.
رَأَى الصَّيْفَ مَكْتُوبَاً عَلَى بَابِ دَارِهِ
فَصَحَّفَهُ ضَيْفَاً فَقَامَ إِلَى السَّيْفِ
فَقُلْنَا لَهُ خَيْراً، فَظَنَّ بِأَنَّنَا
نَقُولُ لَهُ خُبْزَاً، فَمَاتَ مِنَ الْخَوْفِ
قد انعكست عادته، وقلّت إفادته، فهو يخزن الفلس، ويحزن النفس.
لَو أَنَّ دَارَكَ يَا حُسَيْنُ كُلُّهَا
إِبَرٌ يَضِيقُ بِهَا رَحِيبُ الْمَنْزِلِ
وأَتَاكَ يُوسُفُ يَسْتَعِيرُكَ إِبْرَةً
لِيَخِيطَ قَدَّ قَمِيصِهِ لَمْ تَفْعَلِ
فصل: وربّ لبيب يرى رسالتي هذه فيختلج في حدسه...
وربّ لبيب يرى رسالتي هذه فيختلج في حدسه، أنّه ما أحسن حسين إلاّ في هجو نفسه، فأقول: غير بعيد أن أقول: قد قصّرت في هجو نفسي، فما أبلغ غاية المرمى؟ فقد قيل: إنّ الإنسان عن عيب نفسه أعمى، لا سيّما ولسان التقصير قصير، ولكنّ جهد المقلّ كثير.
﴿رَبَّنٰا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوأَخْطَأْنَا رَبَّنَا ولَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرَاً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا ولَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ واعْفُ عَنَّا واغْفِرْ لَنَا وارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
فصل: مدح المؤلّف لهذه الرحلة
ولقد أرسلت إليك رسالة - أيّها الشيخ - نظمت وأنا طائر بجناح السفر فرائدها، وجمعت قبل استقرار الحضر شواردها، وتألّف منها - وللّه الحمد - عنقود حلو العصر، أو عقود مرصّعة تصرع مصارعها من بلغاء العصر، بل لو أنّ سحبان سبح بفصاحته على السحاب، لحبس عن معارضتها بمحاسن لم تكن له في حساب، وأمّا جرير فغير حريّ إذا جرت أوجرّت ذيلاً على أن يجري مجراها، وأمّا الحريريّ فحريّ أن يحور حائراً إذا باراها.
وكيف لا آتي مثل ذلك وقد يسّر اللّه لي التشرّف بدولة صافية المشارع، ضافية المدارع، ماتعة الظلّ، واقعة الطلّ، بحورها زاخرة، وبدورها زاهرة، ذات سعادات وافية، وإرادات كافية، مساعدة الآمال، واردة الإقبال، دولة من يولي المغانم، ويؤدي المغارم، ويشفي الأغلال، ويزيل الإقلال، ويطيل الإقبال، ويعرف المنازل ويكشف النوازل، دولة ليث حام، وغيث هام.
فَحَرِيقُ حُمْرَةِ سَيْفِهِ لِلْمُعْتَدِي
ورَحِيقُ خَمْرَةِ سَيْبِهِ لِلْمُقْتَدِي
يعتقد الجلال، وينتقد الرجال، زمانه محمود، ومكانه، له شمول إنعام أزكى من الشمول، ومقبول الرداء أقبلت به ربح القبول، أدام اللّه بدوام دولته مدد العلوم والعطايا، وأقام بقوام نصرته أود العموم والرعايا، ولا زال بالحقّ قائماً، ما دام للسيف قائماً، وبالإنعام عاملاً، ما اهتزّ للرمح عامل.
ولطال ما كانت تطفح عليّ في طريقي بشارة الإقبال والقبول، وتهزّني مسرّة الوصول إلى المأمول، فأترنّم بأبيات يكشف عندها الهواء، وتقف لديها الأهواء، وأثبتها في رسالتي هذه ليلتئم شمسها ببدرها، ويمتزج عذب نهرها بفائض بحرها، وتتشرّف بنظرك ومجلسك الرحيب، ويثبت لها قدم صدق عند كلّ لبيب، وهي هذه:
ومُرْسِلُ صُدْغٍ قَدْ دَعَا النَّاسَ لِلْهَوَى
جِهَاراً فَآمَنَّا وإِنْ يَدْعُ أَمَّنَّا
أَرِنَّا هَوَىً يُولِي هَوَانَا لِذِي النُّهَى
ولَمْ يُولِنَا يُمْنَى بِيُسْرَى ولَا يُمْنَى
وأَسْلَمَنَا لِلْمَوْتِ عَمْدَاً ولَمْ يَكُنْ
لِيُحْيِيَ بِالْحُسْنَى وقَدْ مَلَكَ الْحُسْنَا
أَقُولُ وقَدْ أَبْدَى مِنَ الثَّغْرِ مَنْطِقَاً
تَهَنَّ ومَا هَنَّى غَرَامِي مِنْ هَنَّا
تَمَنَّى بِوَصْلٍ لَا يَمُنُّ بِبَذْلِهِ
بِنَفْسِي مَنْ مَنَّى زَمَانَاً ومَا مِنَّا
نَعِمْنَا بِهِ لَكِنْ مُنِعْنَا مِنَ الْمُنَى
وإِذْ صَدَّعْنَا قَبْلَ نَيْلِ الْمُنَى عَنَّا
وسَنَّى لَدَيْنَا الْمَوْتَ إِذْ سَنَّ جَفْنُهُ
فَيَا حُسْنَ مَا سَنَّى ويَا حُسْنَ مَا سَنَّا
نَسِيمُ الْهَوَى إِنْ أَنَّ مِنْ لَوْعَةِ الْهَوَى
فَلَا تَعْجَبُوا إِنَّا نَئِنُّ وقَدْ أَنَّا
ولَيْلُ الْجَفَا والصَّدِّ جَنَّا وأَظْلَمَا
فَلَا بُدْعَ إِذْ جَنَّا لِمِثْلِي إِذَا جَنَّا
وأَسْقَمَنَا ذَاكَ الْجَفَا بَلْ أَمَاتَنَا
فَيَا مُنْيَتِي عُدْنَا فَإِنْ عُدْتَنَا عُدْنَا
ويَا قَوْمِ لِينَا لَا بَعُدْتُمْ فَإِنَّنَا
إِلَى قُرْبِكُمْ لِينَا وإِنْ بَعُدَتْ لِينَا
خاتمة
وهي أنّي لما رأيت معالم الأدب قد كانت فيما تقدّم ناجمة الزهر، زاهرة النجم، حامية الشهاب، هامية السحاب، قائمة السوق، نافقة الوسوق، محمودة الوصف، منيرة المنظر، ناضرة النور، مستورة المعصم، عاصمة السّور؛ والآن قد غاب بدرها، وغاض بحرها، وانكسفت شمسها، وانسفكت نفسها، وصارت أثراً بعد عين، فلا تكاد تلحظ بعين؛ جمعت في رسالتي هذه من الفصاحة والبلاغة منتثراً، ونثرت مجتمعاً، وضمّنتها من ذلك عيوناً من سواد كسواد من العيون، وأفواه طيب من طيب أفواه، وقرنت منها أنقاساً بأنفاس من نثر قد حصره اشبه، ونظماً كثيراً ما حصره الشبه، ونظمت فيها جواهر يغزر مددها، وينزر عددها، فهي أبهى من العقود استحلاء، وأصفى من الدرّ تبلّجاً، وأذكى من العطر تأرّجاً، فعرائس الأبكار فيها تجلى، وغرائس الأفكار منها تجنى، مواهبها رغائب، ومنائحها غرائب؛ ليتخذها اللبيب مألباً، والأريب مأرباً، والرائد روضاً، والوارد حوضاً، والحائر دليلاً، والجائر سبيلاً.
فمن استسقى نضر معصراتها، واستشفى بقطر معصراتها، وتداول شرائع شرعها، وتناول من غرائس فرعها، وأعلن بها شراع دينه في الأدب، وأتقن شراع سفينته في الطلب، تفتّحت أنوار جنانه، وتنقّحت أنوار بنانه، ومن رآها بعين قلبه، وورّاها إلى لباب لبّه، ثمّ لم يتعلّم منها الفصاحة والأدب، ولا أقتدر على تحصيل ما في نفسه من الأرب، فهولعمر اللّه عن الأدب محجوب، وعلى رويّته وسجيّته مغلوب، وعليّ أن أسعى وليس عليّ إدراك النجاح.
اللّهم اسلك بنا سبيل الرشاد، واجعلنا من أهل السداد، وهب لنا الأمن يوم المعاد، إنك أنت الكريم الجواد، وصلّى اللّه على محمّد وآله الأمجاد.