من رزايا أهل البيت (عليهم السلام)،
الهجوم على دار السيدة الزهراء (عليها السلام)
واجه أهل البيت (عليهم السلام)، أصعب المحن بفقدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وما رافقه من أحداث أليمة متعدّدة ولعلّ من أبرزها حادثة هجوم القوم على دار السيدة الزهراء (عليها السلام)، التي تعدّ من الحوادث التاريخيّة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلاميّة؛ لكونها مرويّة في أمّات المصادر التاريخيّة، والظاهر من الأخبار أنّها حصلت في اليوم نفسه الذي دفن فيه الرسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلّم)؛ وذلك بعد أن رأوا انصراف الإمام عليّ والعباس بن عبد المطلب ومن معهما من بني هاشم «إلى رحالهم ومعهم الزبير بن العوام، فذهب إليهم عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم، فقالوا: انطلقوا فبايعوا أبا بكر، فأبوا، فخرج الزبير بن العوام رضي الله عنه بالسيف، فقال عمر رضي الله عنه: عليكم بالرجل فخذوه فوثب عليه سلمة بن أسلم، فأخذ السيف من يده، فضرب به الجدار، وانطلقوا به فبايع وذهب بنو هاشم أيضا فبايعوا»[1]، فعلى هذه الرواية يكون وقوع الهجوم على بيت السيدة الزهراء (عليها السلام)، ظهيرة يوم الثلاثاء؛ وذلك بعد انتهاء البيعة العامّة وتفرُّق الناس، ويؤيد ذلك قول النظّام: «عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح احرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير عليّ وفاطمة والحسن والحسين»[2]، وبما أنّ البيعة الخاصّة كانت يوم الاثنين وجنازة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لم تدفن بعد؛ فلذلك يحمل كلامه: (عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة)، على البيعة العامّة التي وقعت يوم الثلاثاء، وأمّا بناء على خبر اليعقوبي فيكون وقوع الهجوم على الأقرب في صبيحة يوم الأربعاء؛ وذلك بعد أن «أرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة ابن الجراح والمغيرة بن شعبة، فقال: ما الرأي؟ قالوا: الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب، فتجعل له في هذا الأمر نصيبًا يكون له ولعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية عليّ ابن أبي طالب حجّة لكم على عليّ، إذا مال معكم، فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ابن الجراح والمغيرة حتّى دخلوا على العباس ليلًا»[3]؛ أي: ليلة الأربعاء، فحاولوا استمالته بوعودهم إلا أنّ العباس رفض ذلك بقوله: «فأمّا ما قلت إنّك تجعله لي، فإن كان حقًّا للمؤمنين، فليس لك أن تحكم فيه، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، وعلى رسلك، فإنّ رسول الله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها، فخرجوا من عنده»[4]، وعندها «اجتمع جماعة إلى عليّ ابن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له، فقال لهم: اغدوا عليَّ هذا محلقين الرؤوس»[5]، أي: طلب منهم الحضور إليه قبل شروق الشمس محلقين رؤوسهم، وعندما جاء الصباح «فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر وبلغ أبا بكر وعمر أنّ جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع عليّ ابن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، فأتوا في جماعة حتّى هجموا الدار»[6]،«وأحرقوا بابه، واستخرجوه منه كرهًا، وضغطوا سيدة النساء بالباب حتّى أسقطت محسنًا»[7]، بناء على ذلك تكون حادث الهجوم قد وقعت في صبيحة يوم الأربعاء؛ أي: غِدوّ الثلاثة محلّقين الرؤوس، وسماع أبي بكر بذلك وهجومه عليهم في جلبة من الرجال ودخولهم دار السيدة الزهراء (عليها السلام)، وعبثهم به من دون وازع ولا رادع، وهذا المعنى يستفاد من قول أبي بكر: «وليتني لم أفتّش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال ولو كان أغلق على حرب»[8]؛ لأنّ معنى التفتيش: هو الطلب والبحث([9])، وهذا المعنى لم يتغير استعماله التداولي إلى يومنا هذا، فعند قيام أيّ سلطة حاكمة بالتفتيش، فالمتبادر الى الذهن والمرتكز أنّ الطلب والبحث يكونان بجمع من رجال السلطة لاقتحام المكان الذي يتواجد فيه المطلوبين؛ كونهم مخالفين مسار السلطة الحاكمة، وهذا المعنى يمكن انطباقه على السلطة آن ذاك عند محاصرتهم دار السيدة الزهراء (عليها السلام)، والبحث عن الإمام علي (عليه السلام)، وأصحابه المعترضين على تولّي أبي بكر الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقاموا بإحراق باب دار السيدة الزهراء (عليها السلام)؛[10] لبثّ الرعب والخوف في نفوس من كان داخله بجيش جرار يقوده عمر بن الخطاب «فجاء فناداهم وهم في دار عليّ، فأبوا أن يخرجوا؛ فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده، لتخرجنّ أو لأحرقنّها على مَن فيها، فقيل له: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة؟ فقال: وإن، فخرجوا فبايعوا إلا عليًّا فإنّه زعم أنّه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن، فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها، فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه –وآله- وسلم، جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تردّوا لنا حقًّا، فأتى عمر أبا بكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟ فقال أبو بكر لقنفد: وهو مولى له، اذهب فادع لي عليًّا، قال: فذهب إلى عليّ فقال له: ما حاجتك؟ فقال: يدعوك خليفة رسول الله، فقال عليّ: لسريع ما كذبتم على رسول الله»[11]، كما أثبتت كثير من المصادر اعتداء عمر بن الخطاب وجيشه على رجال بني هاشم ومن كان معهم في دار السيدة الزهراء (عليها السلام)، كما صرّح بذلك المؤرخون ومنهم الطبريّ بقوله: «وتخلّف عليّ والزبير، واخترط الزبير سيفه وقال: لا أغمده حتّى يبايع عليّ، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فقال عمر: خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر، قال: فانطلق إليهم عمر فجاء بهما تعبًا، وقال: لتبايعان وأنتما طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان فبايعا»[12]، وقد بيّن ابن ابي الحديد المشهد أكثر تفصيلًا بقوله: «وكان في البيت ناس كثير، منهم: المقداد بن الأسود وجمهور الهاشميين، فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت فكسره، ثم أخذ بيد الزبير، فأقامه ثمّ دفعه فأخرجه، وقال: يا خالد، دونك هذا، فأمسكه خالد - وكان خارج البيت مع خالد جمع كثير من الناس، أرسلهم أبو بكر ردءًا لهما، ثمّ دخل عمر فقال لعليّ: قم فبايع فتلكّأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قمّ، فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، ثم أمسكهما خالد، وساقهما عمر ومن معه سوقًا عنيفًا»[13]، ونصّ الطبريّ: (فانطلق إليهم عمر فجاء بهما تعبًا)، يفسّره نصّ ابن أبي الحديد: (فحمله ودفعه كما دفع الزبير، ثم أمسكهما خالد، وساقهما عمر ومن معه سوقًا عنيفًا)؛ إذ منه يتضح عنف المعاملة وقسوتها على أهل البيت (عليهم السلام)، ومن امتنع معهم عن البيعة.
[1] الإمامة والسياسة، ابن قتيبة، ج1، ص18.
[2] الملل والنحل، الشهرستاني، ج1 ص57.
[3] تاريخ اليعقوبي، اليعقوبي، ج2، ص124.
[4] المصدر نفسه، ج2، ص126.
[5] المصدر نفسه، ج2، ص126.
[6] المصدر نفسه، ج2، ص126.
[7] إثبات الوصية، المسعودي، ص146.
[8]تاريخ اليعقوبي، ج2 ص137 .
[9]لسان العرب، ابن منظور، ج6، ص32، مادة: (فتش)
[10] إثبات الوصية، المسعودي، ص146.
[11] الإمامة والسياسة، ج1، ص19، وتاريخ الطبري، ج2، ص443، وغيرها الكثير من المصادر المعتمدة عند المذهب السني.
[12] تاريخ الطبري، المصدر السابق نفسه، ج2، ص444.
