تدور في مرقد مولاي ميثم بعض الحوارات الثقافية، والنشاطات الفكرية، ومحاضرات، تناقش الوضع التاريخي لما حصل من أمور فعلية، أحد المحاضرين يسأل أين بنو هاشم؟
أعتقد أن مثل هذه المحاورات قادرة على أن تلج العمق الوجداني للتاريخ، أنا نخلة ميثم،
تاريخيا أنطلق من أول الصرخة وجعا، وأقول أن القوة التي يملكها مولاي ميثم التمار نادرة الوجود، والموضوع لا يحتاج إلى تزويق وتنشيط ذاكرة الوجع
يقول حمزة بن حمران وهو أحد صحابة الإمام الصادق "عليه السلام" عن سؤال يحرق القلب، قال الإمام الصادق سلام الله عليه:
ـ حمزة... إن الحسين "عليه السلام" لما توجه من مكة إلى العراق دعا بقرطاس وكتب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. من الحسين بن علي إلى بني هاشم: أما بعد، إنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلّف عني لم يبلغ الفتح، والسلام.) ذاكرة مليئة بالوجع والحرف يختلف من قرطاس لقرطاس، ومن قلم لقلم، والأحاسيس هي ذروة المعنى، الإنسان، بل وكل إنسان يأتلف مع معناه لينال الطمأنينة، والرضا، وإلا تخبط في قواقع الأعذار، بحثا عن تبرير يجلب راحة البال، ولا معين، يقول ابن عباس رأيت الحسين عليه السلام قبل أن يتوجه إلى العراق، على باب الكعبة، وكف جبرائيل في كفه، وجبرائيل ينادي هلم إلى بيعة الله، وحين عنف ابن عباس قال: إن أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلا، ولم يزيدوا رجلا، عرفناهم بأسمائهم من قبل شهودهم، وهذا القول قاله محمد بن الحنفية أيضا، وإن أصحابه عندنا مكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم.
الدماء التي نزفت على جذعي علمتني الكثير من أساليب البيان، وثقافة الجراح لا يدركها إلا من بلغت رؤاه الفتح.
ربما لا يقبله البعض مني إذا قلت مواقف لم تقدر أن ترتقي إلى أسمائها، وموقف مولاي ميثم، الذي تفاعل مع مؤثرات النشأة التي تلقاها على يد أمير المؤمنين في مواقفه، فأنتجت تلك المبدئية الثابت عمقها.
ورقيه الديني والقيمي اخترق المألوف، ميثم كان ينادي وهو مصلوب، أيها الناس من أراد أن يسمع الحديث المكنون عن علي بن أبي طالب "عليه السلام" فاجتمع الناس، وأقبل يحدثهم بالعجائب، أستثمر لحظات حياته الأخيرة لينشر ما كان يخفيه من حديث الإمام أمير المؤمنين "عليه السلام" والذي أطلق عليه بالمكنون، أي المستور والمخزون، لم يطلع عليه غيره، دلالة على تعريف الناس بمدى الفضائل التي كان عليها أمير المؤمنين "عليه السلام" وكأنه يريد أن يذكر الناس بكلام أمير المؤمنين الذي يقول (بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة).
...هي حكايتي قد أجدها عند باحث، أو كاتب، أو خطيب، أنا نخلة ميثم، أنا نخلة الرجل الذي ولد لحظة موته، أنا عشت فاجعة الصلب، واللجم، ومع كل الخراب الذي أعدوه لست حزينة، أو بائسة، بل أنا نخلة الشموخ الميثمي، عشت الخلود بأرقى حالاته، تأثر الرواة بالعصر العباسي، خاصة أنهم جعلوا ميثم يتحدث بفضائل بني هاشم، لفظة تماشت باستغلالها من قبل بني العباس، في الترويج لدعايتهم، وعلى أثرها قامت الدولة العباسية.
إن الرواة أخفوا ارتقاء شخصية ميثم على شخصية ابن عباس، ولا نشير إلى كونه كان تلميذا على يد ميثم، أمور كثيره تعرض لها تاريخ مولاي ميثم، فلا غيّر النبي "صلى الله عليه وسلم" اسمه ولا كان عبدا لامرأة من بني أسد، بل هو من الشخصيات التي تجنبت الظهور 24 سنة، وظهرت فجأة في الكوفة، في خلافة الإمام علي "عليه السلام"، ولهذا أشاعوا بأنه من موالي الكوفة، وقد حاولت الروايات القدح بتربية المعصوم للخلص من أصحابه، وتسطيح البعد التكاملي الذي تمثل في تلك الشخصيات، لذا جاء عرضها لميثم التمار كأنه يمتلك شخصية غير مؤدبة
في التخاطب مع أمير المؤمنين "عليه السلام"، بينما شخصية ميثم التمار هي من الشخصيات المحورية في الحركة الجهادية، التي خاضها أمير المؤمنين عليه السلام، وكان من القوة الخاصة في جيش أمير المؤمنين، والذي يرتكز عليها عماد المعارك، وكان هناك ارتباط خاص لميثم التمار بالإمام الحسين "عليه السلام".
قيل أن أحد الشيوخ حصل على ماء الخلود، وفي وقت جذب وعطش يصل حد الموت، كسر جرة ماء الخلود على شجرته، ومات على جذعها عطشانا، وكبرت وبعد ألف عام من حياة الشجرة التي أبهرت العالم، قرر الملك تخليد هذا الشيخ الفلاح، فراح يبحث عن ملامح وجهه، لينصب له تمثالا كبيرا بحجم الشجرة، فقال حكيم للملك إن الرجل الذي خلد نفسه بالشجرة، لا يمكن أن يخلد بتمثال حجر، هو صار شجرة، لهذا أنا أتجرأ وأقول أنا نخلة ميثم، بل أنا هو ميثم التمار رضوان الله عليه.
