الغيْبة أُمُّ اَلنقْدِ: أيْ المصْطلحيْنِ أَدقَّ؟

 

 

  ازدادتْ في الآونةِ الأخيرةِ ظاهرةَ النقدِ الموجهِ للأشخاصِ أوْ للدولةِ باسمِ الديمقراطيةِ الحديثة، عبرَ ما يسمى بالمحللينَ أوْ المنظرينَ في الندواتِ التلفزيونيةِ والبرامجِ المختلفة، ورغمُ أنَ النقدَ يعدْ ظاهرةً صحية، عندما تظهرُ الحقائق، ويكون بناءً، ويهدفَ إلى تقديمِ البدائلِ والمقترحاتِ للجهةِ أوْ الأشخاصِ الموجهِ لهمِ النقد، بشرطَ أنْ يكونَ معززا بالأدلةِ والبراهين. أما أنْ يعتمدَ في نقده، على القيلِ والقالِ، لا على المشاهدةِ واليقين. فيتحولُ إلى (مغتاب) ، فكما، قالَ الإمامْ علي بنْ أبي طالبْ (ع ) : " بينَ الحقُ والباطلُ أربعةُ أصابعَ "؛ أيْ المسافةِ بينَ الأذنِ والعين، فالرؤيةُ أصدقُ منْ السماع، ومعناها، أنَ هناكَ مسافةٌ قصيرةٌ بينهما، تفسيرها بأنها المسافةُ بينَ الأذنِ والعينِ، هوَ لبيانِ أنَ الرؤية، أصدقَ منْ مجردِ السماع، وتدعو إلى عدمِ التسرعِ في الحكمِ على الأشياء، بلْ ضرورةَ التحققِ والتدقيقِ قبلَ قبولِ الأمرِ أوْ رفضه.

  منْ هذا المنطلق، فإنَ التمعنَ في كثيرٍ مما يطرح في الفضاء الإعلامي، يكشفَ أنهُ لا يعدو كونهُ غيبةً نهى اللهُ عنها، لما يتضمنهُ منْ إساءةٍ ونقلٍ للذم- بغيرِ حق-  وتتفاقمَ هذهِ الممارساتِ في القنوات الفضائية أو بيئاتِ العملِ أوْ في مجالسِ المقاهي، إذ؛ تعرضَ أسرارَ الناسِ على (مائدةُ التشهيرِ) ، يتناوبَ عليهمْ ضعافٍ النفوس، فيصبونَ ما بصدورهمْ منْ حقدٍ وكراهية. ولا يذكرونُ لهم، أيُ حسنةٍ أوْ عملٍ خير، بلْ يلصقونَ بهم كلُ صفةٍ سيئة. فماذا سيقولُ المغتابُ يومَ القيامة؟ ألا يدركَ عاقبةَ فعلهِ أمامَ اللهِ سبحانهُ وتعالى؟

  قالَ تعالى: في بيانِ خطورةِ الغيبة: ( ولا يغتابُ بعضكمْ بعضا، أيحبُ أحدكمْ أن يأكلَ لحمَ أخيهِ ميتا فكرهتموه، واتقوا الله، أنَ اللهَ توابٌ رحيم) سورةَ الحجرات: 12. فالاغتياب، ذكرَ شخصا بما يكرهُ في غيابه، وغالبا يحملُ نبرةً سلبيةً أوْ تجريحا شخصيا. وهوَ مصطلحٌ شرعيٌ وأخلاقي، أما النقد، فتقييمُ إيجابياتِ وسلبياتِ موضوعٍ أوْ شخصِ أوْ سلوكِ بقصدِ الفهمِ أوْ الإصلاحِ دونَ تجريح. فالاغتيابُ لغويا: مأخوذ منْ مادةٍ غيب، وهيَ تدلُ على السترِ والخفاء. يقال: اغتابهُ إذا ذكرهُ في غيبتهِ بما يكره، أيُ تكلمَ عنهُ بما يسوءهُ لوْ بلغهُ وهوَ غيرُ حاضر، وهيَ منْ الألفاظِ التي تستعملُ للدلالةِ على انتقاصِ شخصٍ أوْ كشفَ عيبا مستورا فيهِ منْ غيرِ علمه.

    أما فقهيا: فذكرَ الإنسان، بما يكرهُ في غيبته، سواءً كانَ ذلكَ في خلقهِ أوْ خلقهِ أوْ نسبةٍ أوْ دينهِ أوْ دنياه. وقدْ استمدَ هذا التعريفِ منْ حديثِ النبيِ (ص) عندما سئلَ عنْ الغيبةِ فقال: (ذكركَ أخاكَ بما يكرهُ ) ، فقيل: أفرأيتُ إنَ كانَ فيهِ ما أقول؟ قال: ( إنَ كانَ فيهِ ما تقولُ فقدْ اغتبته، وإنَ لمْ يكنْ فيهِ فقدْ بهتهُ ) .

    منْ هنا، فإنَ غالبيةَ الفقهاءِ ، عدوَ الغيبةِ منْ الكبائر، لأنها تفضي إلى أذى الإنسان، وتشيعَ البغضاء، وتهدمَ الروابطُ الاجتماعية. لذلك، فالاغتيابُ سلوكا سلبيا، يزرعُ الشكُ والعداوةُ بينَ أفرادِ المجتمع، َ ويضعفُ الثقةَ المتبادلة، ويفسدَ العلاقاتِ الإنسانيةَ القائمةَ على الاحترام، كما يسهمُ في نشرِ الفتنِ والإشاعاتِ التي تزعزعُ الاستقرارَ والأمن الاجتماعي، فمكافحةُ الاغتيابِ تعدُ خطوةٌ أساسيةٌ لبناءِ مجتمعٍ متماسكٍ يسودهُ المحبة والتآلف والتعاون.

‏