أهم قضية عاشها المجتمع ما بعد رحيل النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" هي الهوية والعمل على تبديلها، أو إذابتها وتلبيسها بهويات هجينة وغريبة عن روح الرسالة المحمدية، فكانت الزهراء عليها السلام صوت الثورة الأول، حملت شعلة التحدي وقادت الثورة الجماهيرية، وقفت أمام قادة الانقلاب الذين سعوا لسرقة الإسلام باسم الإسلام، فكان الرد السلطوي الأول هو تهميش الثائرة الزهراء وسلب حقها المادي والمعنوي، وإلا حقيقة وجود الزهراء "عليها السلام" بعمر قصير والطويل الأثر محط اهتمام النبي "صلى الله عليه وآله وسلم"، ومن بعده أمير المؤمنين والأئمة الأطهار، كونها تمثل عقيدة أهل البيت عليهم السلام وآيات قرآنية ذكرتها بهذا المعنى كـ (سورة الكوثر) التي تذكرها مدرسة أهل البيت عليهم السلام، لأنها تتعلق بالزهراء راحوا يفسرون الكوثر نهرا من الجنة، والآية جاءت ردا على من اتهم النبي بأنه أبتر بمعنى أنه سيموت وستنقطع ذريته، وجاء رد القران ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ وبين ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
حملت الزهراء عليها السلام هوية وجودها الرسالي المؤثر والذي يتطور من خلال التفاعل الحضاري والمستقبل، منفتحا على الأزمنة من خلال وجود الرسالة ووجود القران والذرية، والوجود المبارك لتلك المفاهيم الراقية ما شاء الله أن يمنحها بصمة الحضور المعنوي من خلال تسبيحة الزهراء "عليها السلام" الذي علمه النبي "صلوات الله عليه وآله وسلم" إياها هذا التسبيح الكريم دائما يذكرنا بالزهراء وهو أشبه بالهدية أو التعليم من قبل النبي "صلى الله عليه واله وسلم"، وجود الزهراء يوصلنا إلى قضية فكرية مهمة، وهي تفعيل القيم الإسلامية في فضاءات المعرفة، كونها جزء من الفطرة، وتفعيلها يزيل الحجب المعرفية عن النفس، فيه في الأهمية مثلا أهمية الاسم، وتناسب الاسم والمعنى، وهذه من النوادر، فكم من بخيل واسمه كريم، والله سبحانه وتعالى اختار بعض الأسماء مثل النبي زكريا ويحيى عليه السلام، اسم تدخلت فيه السماء.
وكل حضارة لها مقومات التأثير من مكنة واكتفاء ذاتي وتكافؤ علمي وتحقيق منجز حضاري فاعل أثر وجود رموز قيادية فاعلة.
والسعي لتعريف الناس بنبوة هذه الرموز وتفاعلها مع الوجود الغيبي، يقول النبي "صلى الله عليه وسلم" (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين) فكانت الزهراء "عليها السلام" من هذا القبيل، تفاعل التاريخ مع شخصية الزهرة "عليها السلام" كونها تمثل جوهر القيم الإنسانية، طاقة فكرية هائلة لو نظرنا إليها كذات فاعلة نجد هذه الذات فكر، ومعتقد، وقابلية، وتأثير، ومردتها من ثوابت معتقد الزهراء "سلام الله عليها" جزء مهم من عقيدتنا، لولاها ما كان لأمير المؤمنين "عليه السلام" امتداد الأئمة وما كان للزهراء لولا أمير المؤمنين كفؤ.
ويقول سماحة السيد أحمد الصافي أن هذه عقيدتنا، أي مس في هذه العقيدة مرفوض، وقد حاول الكثير أن يمس في هذه العقيدة، احد المستشرقين واسمه (أميل درمنغم) صاحب كتاب حياة محمد المملوء بالأكاذيب والخرافات والأباطيل المنسوبة إلى النبي "صلى الله عليه واله وسلم"، وهذا أمر ليس غريبا لوجود المعاندين حتى داخل الأسرة، القوه المطلقة الغير مقيدة هي لله سبحانه وتعالى، ولكي تنزل هذه السيادة السماوية للأرض لا بد من وجود الرمز الإنساني الذي يستخلف لكل حيثيات الاستخلاف الصحيح وفق إرادة الخالق، لتكون هذه السيادة الأرضية سيادة الخلق في الأرض من السماء وفق مراتب تتصل بمراتب الوجود.
المستشرق أميل در منغم ومن يسير على هذا الركاب يريدون أن يحطموا هيبة هذه السيادة بأشياء ساذجة ودون حياء، هناك شهادات من رموز مذهب الجماعة يشهدون ببطلان هذه الصفات التي يتحدث عنها هذا المستشرق، حتى الأسماء كانت تبليغ من السماء، هناك علاقة بين الاسم والمعنى، كان الإمام الصادق عليه السلام حين يريد ذكرها يقول (فاطمة والصديقة والطاهرة والراضية والمرضية)
الزهراء "عليها السلام" قدوة تشكل مرجعية فكرية ودينية وسلوكيه عبر الزمن، والنبي "صلى الله عليه وآله" يقول (وأمّا ابنتي فاطمة فإنّها سيدة نساء العالمين ، من الأولين والآخرين وهي بضعة منّي ، وهي نور عيني ، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي وهي الحوراء الإنسية، متى قامـت في محرابـها بين يـدي ربـها جلّ جلاله زهر نورها لملائكة) ترتبط التربية بالنموذج الأكمل، ووظيفة المعصوم الربط بين الأمة والباري سبحانه وتعالى، والزهراء "سلام الله عليها" تجسد شخصية المرأة في المشروع الإلهي، لها سيادة زمانية وعلى كافة الأصعدة، نموذج ثابت غير متغير، الكثير من المدارس التربوية المعاصرة تمتلك مناهج غريبة عن عقيدتنا، بعيدة عن تراث أهل البيت عليهم السلام، ونحن قوم لا نقرأ، الإمام الصادق "عليه السلام" يبين أن هناك فتن ومنها اختلاط ما بين الحق والباطل بشكل دائم ولكنه أكد على يقين مهم، علينا أن ندركه حين قال (إن أمرنا أبين من الشمس)
