باءت بنورها الأبواء

باءت بنورها الأبواء

 بقاع مقدسة تتضوع بالنور، انتخبتها يد المشيئة الإلهية فاحتضنت أجسادًا لأوليائه، وغدت مثوًى للطهر والقداسة. 

من بين تلك البقاع قرية ما بين مكة والمدينة، بينها وبين الجحفة ثلاثة وعشرون ميلا، قيل أنها كانت جبلا شامخا مرتفعا ليس عليه شيء من النبات غير الخزم والبشام، وَقال عنها البلادي هي وادٍ من أودية الحجاز التهامية، كثير المياه والزرع، يلتقي فيه واديا الفرع والقاحة.
إنها "الأبواء" وَيَنْحَدِرُ وادي الأبواء إلى البحر جَاعلًا أنقاض ودَّان على يساره.
وتسمَّى اليوم «وادي الخُرَيبة» غير أن اسم الأبواء معروف لدى المثقفين، وسكانه: بنو محمد من بني عمرو، وبنو أيوب من البلادية من بني عمرو، 
وردت الإشارة إليها في ذيل بيت لابن قيس الرقيات:
فمنى، فالجمار من عبد شمسٍ     مقفراتٌ، فبلدحٌ، فحراء 
فالخيام التي بعسفان فَالجُحـ        ـفَةُ مِنهُم فَالقاعُ فَالأَبواءُ
الأبواء: بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة، سميت أبواء كما ذكر ثابت بن أبي ثابت اللغوي: لتبوء السيول بها، في حين علل كثير الشاعر تسميتها بذلك: لأنهم تبوأوا بها منزلا.
حملت هذه البقعة ذكريات شتى حيث جرت على أرضها أولى غزوات النبي المباركة ونسبت إليها (غزوة الأبواء) وتشرفت بكونها مكان ولادة النجم السابع الإمام الكاظم (عليه السلام) كما حوت قبرًا لسيدة عظيمة كانت رحمًا لخاتم الأنبياء والمرسلين. 
نعم، بالأبواء قبر السيدة آمنة بنت وهب أم النبي (صلى الله عليه وآله)
آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، والدة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، يجتمع نسبها مع عبد الله زوجها والد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلاب، حيث إنّ أحد ابنيه قصي جدّ عبد الله، والآخر زهرة جدّ آمنة.
أمّها: برة بنت عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب.
فكانت آمنة (عليها السلام) من بنات أعمام عبد الله (عليه السلام).
فهي قرشية كلابية من الأبوين.
خرج عبد الله والد رسول الله إلى المدينة يمتار تمرًا، فمات بالمدينة، فأخذت آمنة تخرج كل عام إلى المدينة، تزور قبره، فلما أتى على رسول الله ست سنين، خرجت زائرة لقبره، ومعها عبد المطلب وأم أيمن حاضنة الرسول، فلما صارت بالأبواء منصرفة إلى مكة، ماتت بها. 
والمستفاد من الروايات الواردة عن طريق العامة قبل الخاصة أن النبي الأعظم قد شرف الأبواء بمقدمه الشريف عدة مرات لزيارة قبر الطاهرة أمه: حين رجوعه (صلى الله عليه وآله) من صلح الحديبية، وبعد فتح مكة، وبعد غزوة تبوك، وبعد الفراغ من حجة الوداع، حيث استأذن (صلى الله عليه وآله) ربه في زيارة قبر أمه، فأذن له كما روى ذلك مسلم في صحيحه
وتستبطن زياراته المتكررة لقبر أمه محبوبية هذا الفعل من منطلق كونه صلى الله عليه وآله أسوة حسنة، وان كل ما يصدر عنه ما هو إلا وحي يوحى من السماء، فكل حركةٍ من حركاته تكشف عن حكمة بالغة، مما يكشف عن تحول قبرها لروضة يستجاب فيه الدعاء، ويؤيد هذا ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "زوروا موتاكم فإنّهم يفرحون بزيارتكم، وليطلب أحدكم حاجته عند قبر أبيه وعند قبر أُمه" 
وفي هذا دلالة كافية على مشروعية زيارة القبور، وخاصة قبر الوالدين، بل واعتبر ذلك من مصاديق البر بهما، وخاصةً الأم حيث جعل الله حقها مقدمًا وأعظم من حق الأب؛ إذ كانت أكثر بالولد شفقة وأعظم تعبًا وعناء، روي أن رجلا قال للنبي (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله، أي الوالدين أعظم؟  قال: " التي حملته بين الجنبين، وأرضعته بين الثديين، وحضنته على الفخذين، وفدته بالوالدين " 
وعبر الإمام علي بن الحسين عليهما السلام عن حق الأم بأفضل تعبير وأكمل بيان ووصور عطاءها بأدق تصوير في رسالته رسالة الحقوق. 
وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن بر الوالدين لا يقتصر على حياتهما بحيث إذا انقطعا من الدنيا انقطع ذكرهما، بل إن من واجب الأبناء إحياء أمرهما وذكرهما من خلال زيارة قبريهما وقراءة الفاتحة لروحيهما والتصدق عنهما، وغيرها من أعمال الخير. 
ختامًا الأبواء بقعة يرفع التاريخ قبعته إجلالًا لها، ويقبل الزمن تراب أرضها الذي تضمن جسد الطاهرة أم النبي الأعظم فبوركت من أرض وبورك من ثوى فيه. 
_____________
المصادر
معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية للبلادي ص ٣٩
معجم البلدان لياقوت الحموي ج١/ ص ٧٩
إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع  للمقريزي ج8 / ص ٣٣٢
أمهات الأئمة المعصومين للصافي  ج ١ / ص ٨١
أمهات المعصومين للشيرازي
مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج ١٥/ ص ١٨٢