عندما تجري حواراً مع مثقف مهنته ريافة الجراح بالحروف وصياغة الكلمات حيث تكون الفلسفة والحكمة من أهم ما يميز نتاجه الادبي، حيث الكتابة عنده لم تعد ترفاً أو سعياً لنيل شهرة أو مكاسب مادية، بل تعتبر مسؤولية وأمانة و تفاعلاً حياتياً متكاملاً مع كل ما يدور حوله ليصل من خلالها إلى الحق والحقيقة، ولا بد من أن يكون هناك هدف ورسالة نبيلة يحاول هيثم العوادي أن يوصلها من خلال كتاباته لأن ما يخلفه الكاتب من نتاج فكري هو بمثابة صحيفة الأعمال أو السيرة الذاتية التي تظل تلاحق الكاتب كظله، ولابد للكاتب أن يحمل عنصر الدهشة والانبهار في كل ما يجده حوله كي لا يكرر نفسه ومواضيعه ويصبح نتاجه مملاً للقارئ والمتلقي، وقبل أن نبدأ الحوار هذه بعض السطور للتعريف بالروائي هيثم العوادي
هيثم العوادي في سطور
هيثم العوادي، كاتب كتب منجزه الابداعي في سن النضج الفكري ولذلك نجده يلج العمق الابداعي بقوة
طوال الأربعة والخمسين سنة من عمره كانت عبارة عن مخزون ثقافي ولغوي وبلاغي، تسلل اليه بوعي وبدون وعي من خلال القراءة، حتى أصبح هذا المخزون موجة هائلة، ما إن حركتها الريح، حتى اندفعت بقوة على ساحل السرد المترامي الأطراف.
:ـ كل اديب يعتز بانطلاقته الاولى بعالمه السردي الاول بصرخته البكر ، فماذا كان عنوانها ...؟؟
:ـ صحيح إن بدايتي متأخرة كما أسلفت إلا أن محاولاتي الأدبية كانت مبكرة منذ الصغر كنت أكتب قصص أطفال، وألصق صور من مجلات تحاكي الكلمات، وأول قصة قصيرة كتبتها عنوانها الديناصور، وكتبت بعدها الخاطرة، والشعر الشعبي، والمقالات الأدبية في محطات مختلفة من حياتي، إلى أن صقلت موهبتي، واتجهت نحو القصة القصيرة جدا، هذا النوع الأدبي الحداثوي المتجدد، وأول نص كتبته عنوانه (جهل)، فاز بالمركز الرابع في مسابقة رابطة السرد في العراق والعالم العربي.
:ـ المبدعون لهم طقوسهم الخاصة والطقس بمعناه سمات الهوية الحياتية وخصوصيتها اثناء الكتابة ؟...؟؟
:ـ لا يوجد طقوس محددة في الكتابة إلا إني في بعض الأحيان أقوم بتركيز الفكرة، وبناء القصة عند المشي فلدي يوميا نصف ساعة لرياضة المشي، أقضيها في التخيل وكيفية بناء القصة وبناء شخصيتها وتحديد مساراتها المختلفة وأحيانا أكتب من خلال التسجيل الصوتي وأحولها بعد ذلك إلى كلمات، والأغلب الكتابة باستخدام القلم والورقة التي لا يمكن التخلي عنهما.
:ـ ما هي إصداراتك الأدبية وأهم الجوائز التي حصلتم عليها؟
بالنسبة للشق الأول من السؤال عندي مجموعتان قصصيتان: صدرت مجموعتي القصصية الأولى قصص قصيرة جداً، وهي بعنوان (جوى) من دار إيليا للطباعة والنشر في عام 2020 م، وصدرت مجموعتي القصصية الثانية قصص قصيرة بعنوان (هولوكوست بابلي) من دار الورشة للطباعة عام 2022م، وعندي مجموعتان قصصيتان جاهزتان للطبع.
أما الشق الثاني من السؤال بالنسبة للجوائز التي حصلت عليها:
• فازت قصتي (أشجان الذكريات) بالمركز الثاني في مهرجان همسة للآداب والفنون بنسخته الحادية عشر والذي أقيم في شهر أيلول بجمهورية مصر العربية لعام 2023.
• فازت قصتي القصيرة (البوصلة) في المركز الثاني على هامش مهرجان أسبوع الإمامة الأول الذي أقامته العتبة العباسية المقدسة عام 2023.
• فازت مجموعتي القصصية (دموع على الجدران) بالمركز الثاني في مسابقة أم البركات التي أقامتها العتبة العباسية المقدسة عام 2023.
• فازت قصتي القصيرة (ألف شهر) بالمركز الأول في مهرجان كوثر العصمة الثالث الذي أقامته العتبة الحسينية المقدسة عام 2023.
بالإضافة إلى الفوز بمراكز متقدمة كثيرة في روابط رصينة تعنى بالمسابقات الأدبية على مواقع التواصل الاجتماعي.
كيف تقيمون حالة الاهتمام بالمنتوج الادبي والثقافي واعداد المسابقات السنوية التي تتبناها العتبة العباسية المطهرة؟
بطبيعة الحال ان مستوى الاهتمام بالمنجز الثقافي والادبي بشقيه الشعري والقصصي والروائي له انعكاسات ملموسة في تعضيد النشاط الثقافي والادبي وحتى العقائدي، لذلك انا شخصيا اعتبر مسؤولية اعداد المسابقات بحد ذاتها هي انعطافة مهمة في تاريخ تقييم النصوص بالنسبة للكاتب، وهذا ما تسعى اليه من وجهة نظري الجهة المسؤول عن تنظم تلك المسابقة، ولاعتبارات تكاد تكون تقيمية للنصوص المقدمة في المقام الاول، وفي المقام الثاني هي مادة مهمة للتوثيق والنشر، ولأجل تقريب تلك المسافات سعت العتبة العباسية الى اعداد المسابقات السنوية الخاصة في الشعر والادب والقصة، وذلك من اجل نشر فضائل اهل البيت عليهم السلام والتعرض لسيرتهم بهذه الطريقة الأدبية التي تكون مرغوبة في القراءة وجذابة أكثر وقد تحول نصوص منها الى افلام ومسلسلات، بالإضافة الى ما تقدم فان فكرة توزيع الهدايا العينية والمالية هو حافز كبير للأدباء للاستمرار في الكتابة وتقدير العمل الذي يقومون به، لذلك لابد ان اتقدم بالشكر الجزيل لجميع القائمين على هذه المسابقات وبالخصوص قسم الشؤون الفكرية والثقافية الذي ينظم أغلب هذه المسابقات.
:ـ لنستثمر وجودك الابداعي وحضورك القيم ونسألك عن ماهية تشكيل الوعي الابداعي عند السارد ؟
:ـ إن تشكيل وعي الكاتب يحتاج إلى تنوع في القراءات في مجالات مختلفة لغرض توسيع الآفاق، وكثيرة هي المجالات التي اطلعت عليها منها الأدب العالمي والتي عززت لدى حالة فهم التجارب الإنسانية المتنوعة، وكذلك التاريخ والدين والسياسة والفلسفة، وعلم النفس مهم جدا في كتابة القصة القصيرة، وكذلك الدراسات النقدية الأدبية، كل هذه المعارف ساعدتني ككاتب في تكوين رؤية شاملة لكتابة نصوص أدبية متقنة.
:ـ كمثقف عراقي كربلائي الهوية كيف تنظر الى ثقافة التطرف التي توسعت بشكلها المخيف وهل هذا التطرف الثقافي يعد ظاهرة عراقية؟
:ـ أعتقد إنها ظاهرة عالمية، لا يوجد مجتمع يخلو من التطرف، وفي هذا السياق هناك كثيرة من النماذج التي فرضت ثقافتها على الآخرين بالقوة، ومنها الاستعمار الاجنبي على وطننا العربي حيث فرض علينا المستعمر الاجنبي ثقافته، من ناحية اللغة والتأثير الاجتماعي، كما هو الحال مع النموذج الأمريكي الان الذي يفرض علينا الكثير من القيم الثقافية وأنماط سلوكية غريبة على واقعنا الاجتماعي والحياتي، وذلك من خلال الغزو الفكري والثقافي.
:ـ من هو الحكم الحقيقي على جودة النص النقاد أم القراء؟
:ـ من المفترض أن يكون النقاد لأنهم يمتلكون أدوات التقييم، لكن أغلبهم في هذا الزمان منحازون على أسس مناطقية أو فئوية أو نوعية أو علاقات اجتماعية، لم أشمل الجميع لأن هنالك نقاداً منصفين فعلا، أما بالنسبة للقراء فليس كل القراء يستطيعون تمييز الغث من السمين، لكن هنالك نوع ثالث قد يكونون محسوبين على القراء وهم (الكتاب لنفس الجنس الأدبي والأدباء المتذوقين له)، هم الوحيدون القادرون على إعطاء تصور متوازن عن النص، حتى وإن كان من نظرة أفقية باعتبار أن المستوى متقارب.
:ـ هل تفوق الشعر على الفنون السردية في قضية احتواء مضامين؟
:ـ أرى بأن الأدب العراقي أعطى كل ما يستطيع لهذه الثورة خصوصاً على مستوى الشعر، فالقصائد الحسينية مليئة بقيم الثورة، توقد جذوتها في كل زمان، زاخرة بصور البطولة والتضحية والإيثار، أما بخصوص الأجناس الأدبية الأخرى نعم هنالك فقر كبير، واعتقد أن ذلك يعود إلى صعوبة كتابة القصة القصيرة أو الرواية لمثل هذه الأحداث، لأنها ستعتمد على وقائع تاريخية، واي سرد يبتعد بخياله عن الواقع سيكون محل إشكال تاريخي وديني، كما حصل لنصوص كثيرة تم تحويلها إلى مسلسلات وأفلام وانتقدت على نطاق واسع، لذلك إن ما يتم إنتاجه عبارة عن سيرة تاريخية، وإن كانت من زوايا وشخصيات مختلفة، على المستوى الشخصي عندي فكرة مشروع إعادة كتابة المقتل الحسيني بلغة أدبية عالية، كما في بعض الكتابات الغربية التي تناولت شخصية المسيح عليه السلام.
:ـ من هو هيثم العوادي خارج السياق الادبي ؟
:ـ أسمي هيثم فاخر حسين العوادي
مواليد 14 /5 / 1970
حاصل على شهادة الماجستير في ادارة الأعمال.
لدي موهبة أخرى وهي الرسم، ومشاركات في معارض فنية أيام الدراسة في الكلية، وما زلت أرسم لوحات زيتية بفترات متباعدة.
أما بالنسبة للطموحات، أريد أن أبقى على قيد الكتابة، لأني أعتبر ان الكتابة خلود، فالخلود ان تموت وتبقى كلماتك تضيء دروب الآخرين، من خلال تفاعل القراء ومشاركة مشاعرهم ويتفاعلون مع ما يحمله النص من مشاعر، تارة تراهم يبكون لنص معين ويضحكون في نص آخر، ومشاعر تمنحهم الأمل والدفيء والعزيمة، ويصادقون الشخصيات التي اكتبها، ويعيشون قصتهم ويتفاعلون معهم سلبا أو إيجابا.
أما الأفكار غير المتحققة، والتي أسعى إليها هي كتابة الرواية وخوض غمار هذه التجربة وأتمنى النجاح فيها كما نجحت في القصة القصيرة.
في نهاية هذه الاستضافة لا يسعني سوى تقديم الشكر والتقدير الى مجلة صدى الروضتين لإتاحة الفرصة لي بفتح نافذة نحو جمهورها الكريم، اتمنى ان اكون ضيفا خفيف الظل عليهم،