لما قتلوا الحسين عليه السلام نزع الله ملكهم

لما قتلوا الحسين عليه السلام نزع الله ملكهم

يقول أحد المؤرخين (ما رأيت واقعة كواقعة الطف عض فيها المنتصر أنامله ندما).
لو أردنا أن نتأمل في هذه الجملة هل ندمهم يعد فضيلة إنسانية ترفع عنهم الحساب، أو تخفف عنه العتاب؟ أم أن القضية تأخذ محورا آخرا، هوان مقام أهل البيت عليهم السلام، وفداحة مصيبتهم، وآثارها السلبية على أعدائهم، قد فرض نفسه على أرض الواقع، حتى اضطر للاعتراض به أعدائهم، وأربك حساباتهم، وضيع عنهم أفق الانتصار المزعوم، حتى وصل الأمر بأن مروان بن الحكم قد أظهر الشماتة بقتل الحسين عليه السلام، لنقرأ التاريخ كتب ابنه عبد الملك بن مروان بن الحكم إلى الحجاج عامله على الحجاز، جنبني دماء آل بني أبي طالب، فإني رأيت بني حرب لما قتلوا الحسين نزع الله ملكهم، وهناك موقف آخر لرجل سياسة هو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، قد أدرك سوء الفعل السياسي والإنسان الحر ضد الحسين والسعي لقتله فإنه لم يستجب ليزيد حينما أراه أمره بقتل الإمام الحسين عليه السلام، أن لم يبايع وعاتب عليه مروان بن الحكم في ذلك فلن يعتبه بل أصر على موقفه وقد بادر يزيد فعزله عن ولاية المدينة، ولما عرف هذا الرجل بمسير الحسين عليه السلام، كتب إلى ابن زياد أما بعد، فان الحسين بن علي قد توجه إلى العراق وهو ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فاحذر يا ابن زياد أن تأتي إليه بسوء، فتهيج على نفسك وقومك في هذه الدنيا ما لا يسده شيء، ولا تنساه الخاصة والعامة أبدا ما دامت الدنيا قائمة، وهذا يعني بالنسبة لمن يريد أن يتأمل في ثنايا الحدث، سيدرك  أن خطر جريمة قتل الحسين (سلام الله عليه) كانت واضحة لديهم، هناك من كان يدرك شدة بشاعة الجريمة وأثرها السلبي على السلطة الغاشمة، وعلى بني أمية عامة، كثير من أمور الواقعة جهزوها بشكل إعلامي يعطي ملامح الحكمة لمعاوية،
وهذا هو الإعلام الأموي من خلال العديد من الإيحاءات المعدة إعلاميا، ففي رواية الطبري إن معاوية قد نبه يزيد على عدم قتل الحسين لنتأمل في الجملة قال ليزيد (وأما الحسين بن علي فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوا فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحمة ماسة وحقا عظيما)
حين نقرا هذه الفبركة الإعلامية برؤى متأملة، سنجد هناك اتهام خطير في المقطع يشير إلى أن حركة الحسين عليه السلام وثورته العظيمة هي أساسها أهل العراق، ودعوته إلى الخروج حتى يخرجوه، بمعنى أن النهضة الحسينية حركة سياسية انفعالية لا أكثر، وفي حقيقة الأمر أن نهضة الحسين غير متأثرة بدعوة ما.
لو لم تدعوه الكوفة هل كان يستجيب لحكم يزيد ويبايع؟
(ومثلي لا يبايع مثله) قالها قبل دعوته أهل العراق، والمرتكز الثاني الذي يسعى إليه من وضع هذه الفبركة، بيّن أن معاوية كان حريصا على رابطة الدم مع أهل البيت (عليهم السلام)، وكأنه ليس هو الذي قتل الحسن (عليه السلام) أظهروا معاوية وكأنه الحكيم الذي يراعي حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الذي قاتل علي بن أبي طالب (سلام الله عليه)، وقاتل الإمام الحسن (عليه السلام) وأمر بلعن أمير المؤمنين (عليه السلام) على منابر المسلمين، وما يؤلمني حقا أن يأتي من علماء الأمة من ينشر هذه الفبركة على أنها جزء من التاريخ، ومثل هذا الموضوع يقودنا إلى مسالتين مهمتين في فكر سماحة السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره) في كتابه (فاجعة الطف) المسالة الأولى فيما جناه الدين من ثمرات فاجعة الطف، مثل هذا السؤال تم تفعيله سياسيا من قبل المؤسسات السلطوية، لتكون النهضة وكأنها طعن في ظهر الإسلام، وإنما أقرأ مثل هذا السؤال ما الذي حصل عليه الدين من نهضة الحسين (عليه السلام)؟
 الاختلاف في الرأي هو اختلاف في المعتقد، كيف ينظرون إلى الحسين (عليه السلام)؟
كيف ننظر نحن إليه، هل كان الحسين (عليه السلام) لا يعرف يزيد، وقسوة جوره، وما يمكن أن يقابل به من جيوش؟
علينا أن نقرأ الموقف الحسيني الصلب بعناية، أي أن ننظر إلى تضحيات الإمام الحسين سلام الله عليه، صبر 20 عاما على مضض ولم يحرك ساكنا مع معاوية، مع إنه نقض العهد، وتجاوز الحدود، وانتهك حرمة الإسلام، وحرمة الحسين وأهل بيته، وحرمة الدين، لأن مصلحة الدين الإسلامي فرغت عليه في كل ظرف الموقف المناسب له، مهما كلفه من متاعب ومصائب ومآس وفجائع، نحن شيعة أهل البيت عليه السلام نقدس الإمام الحسين (عليه السلام) ونشيد بمواقفه في حفظ الدين، نشيد بإبائه العظيم وشجاعته وصبره وصلابة موقفه وتضحياته، نؤمن تماما بأن موقعه أو موقفه أو موقف أي إمام معصوم هو مواقف إرادة وإيمان، ليست كيفية ولا مزاجية ولا انفعالية، بل هي مواقف حكيمه بتسديد من الله عز وجل لخدمة القضية الكبرى، وقياسا بمقتضى الإمامة التي حملوها، قد نعرف حكمة كل عمل معصوم، وقد يخفى علينا في بعضها.
إننا نؤمن بأن النهضة الحسينية نهضة إلهية وهي بأمر الله سبحانه وتعالى لا بد أن تكون في سبيل الدين، ومصلحة الدين، وهذا الأمر يناسب حجم النهضة، حجم التضحية، ومن يريد أن يدرس النهضة الحسينية عليه أن يبحث في حيثياتها بدقة، وألا يعتمد على النصوص الجاهزة، وليشخص أولا الخطر الذي دفعه عن الدين بنهضته المباركة وتضحياته الجسيمة، لنقرأ معنى أن تكون الخلافة على نظام ولاية العهد دون مراعاة أهلية الحاكم أو صلاحه فكانت قسوة السلطة من أجل استمرار هذا النهج الذي بقى عامر إلى عصور قريبة، وإذا كان الكثير من المسلمين استنكروا على معاوية في وقته عن فتح هذا الباب فإنهم قد سكتوا عمن بعده، وتعاملوا مع النظام الوراثي كأنه هو الصحيح، كشفت النهضة واقع الأنظمة الحاكمة وسلطويتها وجراتها على القتل  واستمر هذا النهج الدموي عند جميع الحكومات، وكشفت عن روح الفرقة التي زرعوها بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والظلم السلطوي والطغيان، وانتهاك الحرمات العظام، وتدهور أوضاع الأمة، وقد أعطى زهير بن القيم ملخص القضية بجملة واحدة (نحن وأنتم اخوه وعلى دين واحد وملة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا أمة وكنتم أمة