تجليات الغيث 

تجليات الغيث 

 تجلّت إغاثةٌ صعدت من الأرض إلى السماء، ثم عادت ترفرف كأنها تحمل رسالة فرحٍ لا يسعها إلا أن تُسجَّل بمداد الضوء.

كانت نيةٌ صغيرة، خالصة، خرجت من قلبٍ أراد صدقةً عن مولودةٍ جاءت للدنيا كبسمةٍ تُبدّد صمت العمر… فنزل الغيثُ جوابًا.
تسارعت حبيبات المطر؛ تعانقت، وتدفّقت، والريح تدفعها كأنها تُسابق الزمن لتلحق بأول قطرةٍ بلغت الأرض.
تلك الأولى هبطت على فم عصفورٍ ذابل، كانت الحياة تنسحب من جناحيه، فارتوى… وعاد يرفرف بالشكر.
والثانية وقعت على بذرةٍ دُفنت أملاً، فثبت أصلها واستقام عودها، وكأنها فهمت معنى أن تُسقى بنيةٍ طاهرة.
أما الثالثة، فكانت بشارة خيرٍ لقريةٍ أنهكتها السماء جفافًا، فرفع أهلها أكفهم بصلاة الاستسقاء، فجاءهم الجواب ناعمًا، رحيمًا.
قطراتٌ مواليات… يتسابقن في حبّ الولادة، أيُّهنّ تكون الأولى، أيُّهن تُكتب لها البداية التي تُعيد الحياة لمساحاتٍ كانت عطشى
ولمّا انسكبت القطرة الرابعة، كانت تحمل سرًّا آخر…
وقعت على يد امرأةٍ خرجت تبحث عن رزق ايتامها ، فلامست راحتها المتشقّقة،
فرفعت رأسها للسماء مبتسمة، كأن قطرةً واحدة استطاعت أن تُعيد إليها اليقين بأن الله لا ينسى أحدًا.
والخامسة هبطت على طريقٍ كان العابرون فيه يجرّون خطواتهم من ثقل الهمّ،
فلمّا ابتلّ التراب، انتعشت الرائحة الأولى للأرض،
وانتشر عبقٌ كأنّه يقول لكل حزين: لن يبقى قلبك يابسًا… ثَمّة مطر ينتظرك.
أما السادسة، فقد اختارت أن تسقط على جبين مولودةٍ وُلدت تواً…
المولودة نفسها التي خرجت الصدقةُ لأجلها.
لامست القطرة جبينها النديّ، فانفرجت شفتاها بابتسامة خفيفة كأنها تحيّةٌ من السماء،
وكأنّ الغيث كلّه جاء ليقول للأم:
«ها هي هديتكِ… جاءتكِ ببركةٍ سابقة لدمعتها الأولى.»
وتوالت القطرات…
كل واحدةٍ كانت تحمل حكاية، تؤنس قلبًا، وتوقظ بذرة، وتشكر نعمة، وتعلن ولادة.
حتى بدا المشهد وكأن السماء نفسها صارت أمًّا تُهدهد الأرض،
وأن القطرات ليست ماءً… بل رسائل.
رسائل تقول:
إن النيات الصغيرة التي تخرج من القلب،
تعود من السماء كبيرة…