تواقيع من نور

تواقيع من نور

 يتنفس التاريخ بعنفوان، بعد أن يزيحَ الغبارَ عن ذاكرتهِ بهدوء..
يملأ رئته بنكهة الأحداث، ويسرب بعض ملامحه عبر الزمكان
يرصد لنا خطوات من مَضَى، بمشيج بين رفض قلب السماء لظلامة موحد، وبهجة وجهُ الأرض بولادة رمز معصوم.
 
( التوقيع الاول
 وفاة أبي ذر الغفاري
الصدق يجري في دمه، واضح على تقاسيم جبينه..
جليلُ القدر، زاخر بالإباءِ، تعرفه السماء كما تعرفه المنافي..
شامخِ بكبرياء الحق، واضح الإيمان كالشمس عند طلوعها..

للهِ ذِكْرٌ بِالسَّنَا يَتَوَهَّجُ
كَالصُّبْحِ وَضْحٌ بِالحَقِيقَةِ أَبْلَجُ

يَجْتَاحُنِي أَلَقٌ فَأَرْكُضُ نَحْوَهُ
لِيَحُطَّ فِي قَلْبِ الضَّمِيرِ وَيُسْرَجُ

إِنِّي لأكْتُبُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَ فِي
عَقْلِي يَقِينٌ بِالمَحَجَّةِ يَلْهَجُ

لَا مَا أَقَلَّتْ صَفْحَةُ الغَبْرَا بِأَصْدَقَ 
لَهْجَةً مِنْهُ، حَدِيثٌ يُخْرَجُ

هُوَ زَاهِدٌ هُوَ قَانِتٌ هُوَ عَابِدٌ 
هُوَ صَادِقٌ فِي الحَقِّ لَا يَتَلَجْلَجُ

هُو رَابِعُ الإِسْلَامِ طَوعًا إذْ أَتَى
بِعَقِيدَةٍ نَحْوَ النَّبِيِّ يُعَرِّجُ 

مَا كَانَ يُرْعِبُهُ الضَّلَالُ فَـدِينُهُ
دِينٌ حَنِيفٌ طَاهِرٌ يَتَأَرَّجُ

مَنْ كَانَ بِالنَّبَأِ العَظِيمِ مُصَدِّقًا
صَلْدٌ وَعَنْ خَطِّ الهُدَى لَا يَخْرُجُ

قَطَعَ المَسَافَةَ قَاصِدًا بِفِعَالِهِ
نَهْجًا قَوِيمًا بِالوَلَايَةِ يَنْهَجُ

وَعَلَى البَصِيرَةِ مِنْ عَقِيدَتِهِ مَضَى
فِي الخَالِدِينَ وبِالثَّبَاتِ يُتَوَّجُ

وَلِذَاكَ ذَاقَ مِنَ الزَّمَانِ ظُلَامَةً
وَكَأنَّهَا جَمْرُ الأسَى يَتَأَجَّجُ

قَدَ بَاعَ مِنْ دُنْيَا الزَّوَالِ نَصِيبَهُ
وَشَرَى جِنَانًا بِالوَلَايَةِ تُولَجُ

 

( التوقيع الثاني)
استشهاد الزهراء عليها السلام على رواية
بعد أن هشمتها العنجهية، غفت بسكينة
وضعوا جسدها المثخن بالوجع
على سرير الوداع.. احتدمت المشاعر لحظة تسربها للسماء..
اختفت...
وما زالت الدنيا تبحث عنها حتى اليوم

جَاءَتْ تَزُورُ أَبَاهَا خَاتِمَ الرُّسُلِ
جَاءَتْ إِلَيْهِ بِدَمْعٍ حَارِقٍ هَطِلِ

تَبْكِي فَتُبْكِي المُلَأَ العُلْوِيَّ نُدْبَتُهَا
تُلْقِي الشِّكَايَةَ مِنْ ضِلَعٍ وَمِنْ مُقَلِ

النَّارُ وَالبَابُ وَالمِسْمَارُ يَا أَبَتِي
سَحْبُ الوَصِيِّ.. وَسَقْطٌ وَابْتَدَتْ عِلَلِي

وَنِحْلَتِي وَاغْتِصَابُ الحَقِّ مُقْتَرِنٌ
بِمَا عَلَيَّ جَرَى مِنْ فَادِحٍ جَلَلِ

تَنَكَّسَ الدَّهْرُ وَارْتَدَّ الزَّمَانُ عَلَى
إِثْرَ الرَّحِيلِ وَوَجْهُ الجَوْرِ بَانَ جَلِي
 


( التوقيع الثالث)
ولادة العسكري
سبحان من أعلى شأنه قبل التسبيحة الأولى..
ولد معصوما عن الزلل..
سليل نبي.. هاشمي.. علوي..
الله أوجده أمانا للأرض من الدواهي.

تَحَلَّقَتْ بِالضِّيَاءِ الثَّرِّ أَوْرَادِي
وَحَنَّ لِلقُبَّةِ الخَضْرَاءِ إِنْشَادِي

فَطَيْبَةُ الخَيْرِ أَثْوَابَ الهَنَا اتْشَحَتْ
وَحَطَّ فَوْقَ رُبَاهَا البُلْبُلُ الشَّادِي

يَوْمٌ تَتُوقُ لَهُ الأَرْوَاحُ، تَرْقُبُهُ
عَلَيْهِ طَيْفٌ لَطِيفٌ مِنْ سَنَا الهَادِي

يَوْمٌ بِهِ الحَسَنُ المَيْمُونُ مَوْلِدُهُ
فَيْضٌ وَفَاضَ عَلَى الدُّنْيَا بِإِسْعَادِ

مَنْ طَاوَلَ النَّجْمَ وَالأَفْلاكَ فَرْقَدُهُ
وَمَنْ تَسَامَى عَلَيْهَا دُوْنَ أَنْدَادِ

إِنِّي أَتَيْتُ بِنَبْضِ العَارِفِينَ وَبِي 
حُبٌّ إِلَيْهِ وَقَلْبِي شَوْقُهُ بَادِ

 وَتُرْجُمَانِيَ هَـٰذَا الحَرْفُ أَرْفَعُهُ
لِصَاحِبِ الأَمْرِ قُرْبَانًا بِأَعْيَادِي
 

( التوقيع الرابع)
وفاة فاطمة المعصومة
أعياها الشوق، فشدت رحالها للمدينة النائية تجر خلفها حشود الأسى..
عند مشارفها، هاجمتها عسلان الفلوات..
تصدعت السماء حين سمعت استغاثتها من تحت أنقاض الفاجعة..
فرفعتها..
بعد أن غادرت، نصبت مرفأ للقلوب المتعبة بقم..

بِفَرْطِ الحُزْنِ أَضْنَانِي اغْتِرَابِي
وَفِي يَمِّ الهَوَى مَخَرَتْ رِكَابِي

أَهِيمُ وَأَشْتَكِي شَوقِي وَإِنِّي
بِرُغْمِ البُعْدِ أَحْلُمُ بِاقْتِرَابِ

أَنَا كَلِفٌ وَ لِي قَلْبٌ تَوَشَّى
بِحُبٍّ فَاعْتَلَى مِنِّي خِطَابِي

فِدَاكِ أَبُوكِ مَا زَالَتْ بِسَمْعِي
يُرَدِّدُهَا الخَيَالُ إِذَا سَرَى بِي

إِلَيكِ إِلَيكِ يَا نُورًا تَجَلَّى
بِمَجْدِكِ -يَا كَرِيمَةُ- فِي القِبَابِ

هُنَالِكَ تُصْبِحُ النَّبَضَاتُ جَذْلَى
وَأَنْعَمُ بِالرَّفَاهِ بِلَا حِسَابِ

هُنَالِكَ تَنْتَشِي كَالزَّهْرِ رُوحِي
وَيُؤْنِسُنِي خِطَابُكِ عَنْ عَذَابِي

أَمَا بِالحُبِّ كَمْ أَمَّلْتُ أَنِّي
سَأَنْجُو بِالشَّفَاعَةِ فِي الإِيَابِ
** 

( التوقيع الخامس)
وفاة السيد موسى المبرقع ابن الإمام الجواد عليه السلام
منقوش في ذاكرة الزمان بمعانيه الفريدة
وُصِف بيوسف عصره
تبرقع حتى أصبح المبرقع صفة ملازمة له..
دَيِّنٌ كَيِّسٌ فَطِنٌ.. عالمٌ تقيٌ حدّ الكمال..

موسى المبرقع  
يَا سَائِلِي عَمَّا يُثِيرُ مَدَامِعِي  
وَعَنِ الأَسَى المَخْبُوءِ بَيْنَ أَضَالِعِي

وَتَوَجُّعِي وَتَلَوُّعِي وَتَأْسُّفِي  
وَعَنِ الشَّجَا الجَارِي بِكُلِّ مَجَامِعِي 

أَوَ مَا سَمِعْتَ عَنِ المُبَرْقَعِ قَدْ قَضَى
فِي غُرْبَةٍ فَأَثَارَ كُلَّ مَوَاجِعِي  

آهٍ عَلَيهِ ابْنُ الإمَامِ وَمَنْ لَهُ
نَسْبٌ أَثِيلٌ مِثْلَ نَجْمٍ سَاطِعِ  

قَبَسٌ مِنَ المَوْلَى الجَوَادِ وَشَأْنُهُ
بِالعِلْمِ يَرَقَى لِلمَقَامِ الرَّائِعِ

فَبِهِ الدِّيَانَةُ وَالعَدَالَةُ وَالتُّقَى  
وَبِهِ الحَقِيقَةُ فِي أَجَلِّ مَوَاضِعِ  

ذَاكَ الَّذِي أَبْكِيهِ مَا طَالِ المَدَى
وَأُقِيمُ مَأْتَمَ فَقْدِهِ بِمَرَابِعِي