تعريف الظلم :
وهو تعدٍّ على حق الغير ومجاوزة للحد .
ظلَمَ فلانًا : جارَ عليهِ ولمْ ينصفُه .
ظَلَمَ نَفْسَهُ بِما اقْتَرَفَ مِنْ جُرْمٍ : أَساءَ إلى نَفْسِهِ.
************
الأسباب :
مبدأ الظلم يأتي من الحسد أولا وهو الحافز الأقوى على فعل هذا العمل الشنيع ، ومن ثم محاولة الإستقواء والتعدي للحصول على خيرات الآخرين والتسلط عليهم بالقوة والعنف .
ومن ثم يتطور إلى الطغيان في الأرض ، والتسلط على رقاب الناس كما في قصة فرعون ومن تبعه في ذلك .
الظلم عمل مرفوض في الشرائع السماوية والميزان العقلي ، ويمثل حالة سلبية قبيحة جائرة تفاقم الأزمات في المجتمع ، وتعكس عدم الاستقرار والاضطراب حتى تصل إلى حالة الضيق والهلع في بعض حالاته .
إن الحكمة الإلهية والعدالة الربانية اقتضت في أن تؤسس قانون الثواب والعقاب كقانون أساسي مهم في التشريع الإسلامي ، فشمل جميع مناحي الحياة وتدّخل بكل تفاصيلها الدقيقة قال تعالى : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ .(1)
ووفق هذا القانون يُجازى الإنسان أجر ماعمل دون غبن أو ظلامة ، بقدر ما يصدّره من الخير أو الشر.
فيجتهد العاقل اللبيب بكسب الأعمال الصالحة ، ويبتعد عن مخالفة القوانين الإلهية والوضعية التي توجب العقاب وأهما الظلم ، بل يعمل بالحق ويحكم بالعدل ويقدّم الإحسان كما أمره الله . قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ. (2)
ويسعى غير العاقل من الناس في ارتكاب السيئات والظلامات وكل ماهو مخالف للقانون والشريعة . قال تعالى : وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (3)
********************************
الجزاء :
وقد قسٓم الله تعالى جزاء الظالم الى قسمين :
الأول : جزاءٌ حاضرٌ في هذه الدنيا .
قَالَ تعالى : أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (4)
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اَللَّهِ كَانَ اَللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ ، [و] مَنْ يَكُنِ اَللَّهُ خَصْمَهُ دَحَضَ حُجَّتَهُ وَيُعَذِّبُهُ فِي دُنْيَاهُ وَمَعَادِهِ. (5)
وقال الإمام الباقر عليه السلام : وَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَظْلِمُ بِمَظْلِمَةٍ إِلاَّ أَخَذَهُ اَللَّهُ بِهَا فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ . (6)
الثاني : جزاءٌ غائبٌ للنشأة الآخرى .
يبدأ هذا الجزاء الثاني من بعد الموت وعالم البرزخ والقبر ، إلى عالم الحساب - يوم القيامة - لتُجزى كل نفس بما كانت تسعى .
قال تعالى : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (7)
قَالَ النبي الأكرم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: إِيَّاكُمْ وَاَلظُّلْمَ فَإِنَّ اَلظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ .(8)
بعد بيان ذلك ، فمن البديهي أن يكون الإنسان العاقل حريصا بما لديه من طاقة في أداء الحقوق المترتبة عليه وعدم ارتكاب الظلم بأقسامه الثلاثة - التي ستتبين فيما بعد - ؛ حتى يطمئن بتأمين النجاة والسلامة في هاتين النشأتين .
********************************
أنواع الظلم :
قال أمير المؤمنين عليه السلام : ألا وإن الظلمَ ثلاثةٌ :
1- فظلمٌ لا يُغفر،
2- وظلمٌ مغفورٌ لا يُطلب ،
3- وظلمٌ لا يُترك .
فأما الظلمُ الذي لا يُغفر؛ الشركُ بالله ، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ .
وأما الظلمُ الذي يُغفر؛ فظلمُ العبدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعضِ الهَنَاتِ.
وأما الظلمُ الذي لا يُترك ؛ فظلمُ العبادِ بعضهم بعضاً .(9)
> أما الظلم الأول الذي لايُغفر هو الشرك بالله سبحانه وتعالى ، فإنه أعظم الظلم والذنب ، إذ لاعفو ولا مغفرة فيه إلّا بالإيمان المطلق به وتوحيده وعبادته .
>> وأما الظلم الثاني الذي يُغفر لصاحبه ، هو الذنب الذي يرتكبه العبد لنفسه فيكون بينه وبين ربه .
فالعبد - المؤمن - عندما يظلم نفسه في موارد ضعفه يعود سريعا إلى ربه ليتوب من ذلك الظلم لأنه يدرك عظمة الخالق وخطورة معصيته.
لذا تراه يتهّجد في صلاته ودعاءه وعند السحر باكياً خاشعاً ، ذليلاً بين يديه تعالى ، يطلب العفو والمغفرة منه .
ويكثر من قول : لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ أَنْتَ سُبْحٰانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظّٰالِمِينَ .
قال تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . (10)
وقال تعالى : إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ . (11)
من هو المؤمن ؟ :
المؤمن كما عرّفه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : مَنْ سَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ ، وَسَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ . (12)
>>> الظلم الثالث هو الأكثر إيلاماً لفاعله وأنكى حزنا من الظلم الثاني ، لأنه تعلّق بمخلوق آخر ، وترتب عليه حقوق إما مادية أو معنوية أو كلاهما معا ، يجب إعادتها وأداؤها وضمان الرضا من صاحبها .
عَنْ اَبى جَعْفَرٍ الباقرعليه السلام قالَ : كُـلُّ ذَنْبٍ يَكْفُرُهُ الْقَتْلُ فِى سَبيلِ اللّهِ اِلاَّ الدَّيْنَ لاكَفّارَةَ لَهُ اِلاّ اَداؤُهُ ، اَوْ يَقْضِىَ صاحِبَهُ ، اَوْيَعْفُوَ الذَّىِ لَهُ الْحَقُّ. (13)
هذا وقد أكدت روايات أهل البيت عليهم السلام أن غضب الله تعالى يشتد نصرة للمظلوم وَوَعَدَهُ بالنصر ولو بعد حين .
قال النبي الأكرم صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ :
أَنَّ اَلْعَبْدَ إِذَا ظُلِمَ فَلَمْ يَنْتَصِرْ وَلَمْ يَكُنْ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى اَلسَّمَاءِ فَدَعَا اَللَّهَ تَعَالَى قَالَ جَلَّ جَلاَلُهُ لَبَّيْكَ عَبْدِي أَنْصُرُكَ عَاجِلاً وَآجِلاً اِشْتَدَّ غَضَبِي عَلَى مَنْ ظَلَمَ أَحَداً لاَ يَجِدُ نَاصِراً غَيْرِي. (14)
وقال صلى الله عليه وآله : أَرْبَعَةٌ لاَتُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ :إِمَامٌ عَادِلٌ ، وَوَالِدٌ لِوَلَدِهِ ، واَلرَّجُلُ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ اَلْغَيْبِ ، وَاَلْمَظْلُومُ يَقُولُ اَللَّهُ جَلَّ جَلاَلُهُ وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي لَأَنْتَصِرَنَّ لَكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ (15)
فيقتص من الظالم رب عادل ، وأي قصاص من أن يأخذ حسنات الظالم ليهبها إلى المظلوم عند الحساب حتى يرضى ؟!.
قال الإمام الصادق عليه السلام :
أَمَا إِنَّ اَلْمَظْلُومَ يَأْخُذُ مِنْ دِينِ اَلظَّالِمِ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ اَلظَّالِمُ مِنْ مَالِ اَلْمَظْلُومِ .(16)
قال أَبِو جَعْفَرٍ الباقر عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ :
لَمَّا حَضَرَ عَلِيَّ بْنَ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا اَلسَّلاَمُ اَلْوَفَاةُ ضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ ثُمَّ قَالَ :
يَا بُنَيَّ أُوصِيكَ بِمَا أَوْصَانِي بِهِ أَبِي حِينَ حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ وَبِمَا ذَكَرَ أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَاهُ بِهِ
قَالَ : يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَظُلْمَ مَنْ لاَيَجِدُ عَلَيْكَ نَاصِراً إِلاَّ اَللَّهَ .(17)
قال امیرالمؤمنین (علیه السلام) : شيئان لا يسلم من عاقبتهما : الظلم والشر. (18)
********************************
العلاج :
حريٌ بالإنسان أن يجتنب هذا النوع - الثالث - من الظلم أبدا .
وأن لا يكون مُعينا ومسانداً للظالمين في أي ظرف كان .
قال الإمام الصادق عليه السلام : العامل بالظلم ، والمعين له ، والراضي به ، شركاء ثلاثتهم. (19)
بل يجب عليه أن يكون ظهيرا ومساندا للمظلوم حتى وإن كان الظالم أقرب إليه .
قال أمير المؤمنين عليه السلام: مَنْ لَمْ يُنْصِفِ اَلْمَظْلُومَ مِنَ اَلظَّالِمِ عَظُمَتْ آثَامُهُ. (20)
لهذا تجد أن المؤمنين غالبا ما يكونون في حذر من تصرفاتهم وضبط انفعالاتهم وردة أفعالهم حتى لايقعوا في ظلم الآخرين ، خصوصا عندما يتعرضون إلى الإساءة .
فإذا ما واجهوا مثل هذه المواقف يتحلوَن بالصبر والثبات ، والسيطرة على أنفسهم في عدم الإنجرار نحو التهوّر .
قال رسول الله صلی الله علیه وآله : اَلْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ. (21)
فإذا عاد الإنسان المؤمن إلى نفسه واعترف بذنبه ، غَشِيَتْه الحسرة والندامة ، وحزنه أمره ، رجع سريعا إلى خصمه ليعتذر إليه حتى ينال البراءة منه .
كما نعلم إن الكثير من الناس - خصوصا النبلاء - يقبلون عذر المعتذر إليهم فيرضون عنه ، لكن البعض لايقبل بهذا العفو إلا بشروط صعبة !!!.
هذا في فرض وجود المُعتدَى عليه حياً ، متيسَرٌ مكانه .
لكن إذا كان المظلوم قد انتقل إلى العالم الآخر هنا تسكب غزير العبرات وتخرج النفس زفراتها وأنّاتها لعدم حصول العفو من صاحب الحق مباشرة ، فيشتد عند ذلك الحزن والبكاء والطلب من الله تعالى في الخلوات بقدرته وتدبيره أن يُرضيَ عنه صاحب ذلك الحق.
أما الجانب المادي لايسقط إلا بإرجاعه ، حينئذ يقوم بتسليمه إلى الحاكم الشرعي بعنوان رد المظالم .
والمراد بردّ المظالم : هي الحقوق الماليّة المتعلّقة بالذمّة مع عدم معرفة أصحاب الحقّ أو عدم تيسير الوصول إليهم ، فيتصدّق الإنسان بنفس المبلغ ، ويُعبّر عن ذلك بردّ المظالم .
إضافة إلى ذلك فإن للجانب المعنوي حق أيضا مثل :
الفرية والسخرية والغيبة والسب واللعن والتجاوز على الأعراض و…. كلها ظلم في حق الآخرين تستوجب الإسترضاء إذا كان ممكناً ، أو الإستغفار لصاحبها وطلب العفو منه عند الله تعالى .
********************************
من أثار الظلم :
1- يستوجب غضب الله تعالى .
2- خصم الظالم هو الله سبحانه وتعالى .
3- الظالم يكون منبوذا .
4- لفاعله الشقاء والعقوبة في الدنيا والآخرة.
5- الظلم ظلمات الآخرة .
6- الخسارة والمهانة .
7- من ظلم فقد ظلم نفسه .
8- يؤدي إلى العداوة والإنتقام .
9- تعجيل هلاك الظالم.
10- عاقبته العذاب الأليم .
********************************
لاَ تَـــــظْلِمَنَّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِراً … فَالظُّلْمُ مَرْتَعُهُ يَقْضِي إِلَى اَلـــنَّدَمِ .
فَاحْذَرْ بُنَيَّ مِنَ اَلْمَظْلُومِ دَعْوَتَــهُ … كَيْلاَ يُصِبْكَ سِهَامُ اَللَّيْلِ فِي اَلظُّلَمِ .
تَـــــــــنَامُ عَيْنُكَ وَاَلْمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ … يَدْعُو عَلَيْكَ وعَيْنُ اَللَّهِ لَمْ تَــنَـــــمِ . (22)
نسال الله تعالى أن يسددنا لاجتناب الظلم والظالمين ، وأن لانعين على الظلم أبدا ، ونكون عوناً للمظلومين بجاه ساداتنا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
********************************
الهوامش :
1-الزلزلة /8 .
2- النحل/90 .
3- ابراهيم /42 .
4- الكهف/87 .
5- مستدرك الوسائل,الجزء 12,الصفحة 100.
6- البحار /ج 72 /ص313.
7- البقرة / 165.
8- جامع الأخبار/ج1/ص155 .
9- البحار /ج 7 /ص271.
10- آل عمران/135.
11- النمل/ 11.
12- وسائل الشیعة/ج16/ص92 .
13- الكافي/ج5/ص94 .
14- البحار /ج 72/ص329.
15- البحار /ج 74/ص46.
16- البحار /ج 72/ص328.
17- الكافي/ج2/ص331 .
18- عيون الحكم/ج1/ص297.
19- وسائل الشیعة/ج16/ص55 .
20- عيون الحكم/ج1/ص439.
21- البحار /ج 64/ص307.
22- الديوان المنسوب للإمام علي عليه السلام : ج1/ص406 .