تُعد السينما الأمريكية من ابرز مصاديق القوى الناعمة في العصر الحديث، فكما هو معروف، انها ومنذ نشأتها، لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة خطيرة وحساسة تهدف لصناعة الرأي العام، عبر التحكم بالتثقيف الفردي والاجتماعي، وقولبته وفق مبتنيات فكرية معينة، تخدم الاهداف والمصالح الجيوسياسية للحكومات الغربية.
غايتها خلق تصور معين عن الاخر، لا كما هو واقعا، بل كما تراه هي!
ومن بين الموضوعات التي أثارت اهتمام صناع الأفلام والروائيين في الغرب، فكرة "المنقذ" أو "المخلّص"، تلك الفكرة المتغلغلة في عمق الموروث الفكري الديني لمعظم الشعوب، وقد تكرر ذكرها في الأديان السماوية جميعها. لكن الاديان وان كانت تتوحد في اصل وجود هذه العقيدة ، إلا أنها تفترق في تحديد ملامح الشخصية وماهية الابعاد السياسية والاجتماعية لنهضة المخلص.
من البديهي ان يكون هنالك مشتركات عقائدية بين الاديان السماوية، لانها ورغم حالات التزوير والتحريف تظل شريعة الحق سبحانه، وان استفاضة الحديث حول ظهور المخلص دليل على صحة الخبر من جهة، و وحدة المصدر من جهة ثانية.
لكن التحريف وقع في تصوير هوية المخلص واهداف نهضته، فكل فرقة اسقطت رؤاها ومصالحها على ملامح هذه الشخصية العظيمة، وكأنه سيظهر ليلبي مطالبهم ورغباتهم، مما يصيره مشروعا قابلا للرفض إن جاء بخلاف توقعاتهم!
فالمسيحيون ينتظرون عودة السيد المسيح، ليعيد بناء الملكوت السماوي، واليهود ينتظرون المشيح من نسل داود، ليعيد بناء مملكة اليهود على الارض.
غير أن الدين الاسلامي، قد امتاز عن هذه الاديان، بانه قدم نموذجا مثاليا للمخلص الذي يملاء الارض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا، لانه مشروع الانسانية جمعاء، وليس حكرا على طائفة دون أخرى.
هذه الجنبة الاصلاحية الشمولية مثلت تهديدا خطيرا لمصالح القوى الغربية المتحكمة بمصير الشعوب، مما دفعها الى اتخاذ موقف دفاعي عن مصالحها وعلى المدى البعيد.
ويمكن التعرف الى واحدة من هذه الاساليب الدفاعية، من خلال استعراض بعض الاعمال الروائية والسينمائية التي تم توظيفها بشكل او باخر، لخدمة هذا الغرض.
ان حقيقة كون المجتمع الامريكي ، ينتمي بشكل او باخر، للفكر المسيحي والفكر اليهودي ولو نسبيا، قد اعطى صناع السينما الامريكية ذريعة لاستثمار قضية المخلص، التي تتبناها تلك الاديان، وتقديمها عبر طروحات ادبية، مسرحية وروائية؛ مثل:
مسرحية (انتظار غودو؛ waiting for Godo) للكاتب الايرلندي صامويل بكت، والتي كتبها في خمسينيات القرن الماضي بعد الحرب العالمية الثانية.
والعنوان كفيل بالكشف عن مضمون الطرح، فمفهوم الانتظار والمُنتَظَر الذي يرتبط اسمه باسم الرب، يطغيان على مجمل احداث المسرحية.
و بغض النظر عن دوافع الكاتب واسلوبه في عرض الفكرة، وسياقات الحوار الخارجة عن المألوف، الا ان عقيدة انتظار المخلص بارزة وبقوة.
، روايةالامام الثاني عشر The Twelfth Imam ، 2010)
للكاتب الأمريكي Joel C. Rosenberg. تصور الرواية "المهدي" كحدث عالمي يثير الذعر في الدوائر الاستخباراتية، وتتناول كيف يمكن للغرب أن يتعامل معه من اجل حماية المصالح الغربية .
( Messiah, مسلسل المسيح 2020)
مسلسل أثار جدلاً واسعاً، يروي قصة رجل يظهر فجأة في الشرق الأوسط ويجذب أتباعاً يظنونه المخلّص. المسلسل يخلط بين صورة المسيح والمهدي، ويبرز تداخل الدين مع السياسة والأمن والاستخبارات.
، Robert Cook، 2024 للكاتب . The Mahdi (رواية)
رواية حديثة تمزج بين الدراما السياسية والاستخباراتية، وتستخدم فكرة "المهدي" كعنصر تشويقي ضمن صراع قوى عالمية.
(رواية كثيب؛ Dune) هي رواية خيال علمي ملحمية من تأليف الكاتب الأمريكي فرانك هربرت عام 1965، نُشرت في الأصل على شكل سلسلتين منفصلتين (رواية عالم كثيب عام 1963-1964 ورواية نبي كثيب عام 1965) في مجلة الخيال العلمي التناظري والواقع.ثم تم انتاجها كفلم عام ٢٠٢١.
وهنالك المزيد ....
ولكن نكتفي بهذه النماذج التي يمكن من خلالها قراءة؛ الايحاءات الغربية، المراد ارسالها، عبر انتاح هذه الافلام والمسلسلات، ولو شاؤوا لبقيت رهينة اغلفة الكتب ورفوف المكتبات.
هذه الاعمال الروائية اشتركت في عدة امور:
من الناحية الفنية؛
المخلص دائما يظهر في الشرق، انسجاما مع روايات الاديان الثلاثة، وهو عربي، او يطلقون عليه اسماء عربية، مثل( لسان الغيب) ويتمتع بقوى خارقة للعادة.
اما من الناحية الروائيةفنجد عناصر مثل:
1. المجتمع المضطهد المحتاج الى مخلص.
2. القوى المتغطرسة الظالمة.
3. ظهور المخلص
4. استمرار ية المعاناة والظلم رغم ظهور المخلص.
والهدف هو ابطال مفعول فكرة الخلاص بظهور المخلص!
والتركيز على ان ظهوره ماهو الا بداية لعصر جديد من الحروب والمعاناة. وهي فكرة يهودية تهدف الى هدم رمزية النجاة بوجود القيادية الاله