نستقبل عامنا الجديد باستذكار الماضي لا بدافع الحنين بل بدافع المقارنة القاسية بين ما عشناه يومًا ببساطته وما نعيشه اليوم بكل هذا التعقيد المريب ، كنّا نبدد الظلام بفانوس صغير أو بطل (أبو الفتيلة) ، وكانت تلك الوسائل المتواضعة كافية لأن تمنح الليل معنى والحياة شكلًا يمكن احتماله .
كنّا نطهو الطعام ونشوي السمك على (المطّال )نقتسم اللقمة ونضحك لا لأن الحياة كانت مثالية بل لأنها كانت مفهومة . الحطب كان حاضرًا والنار مطواعة ولم تكن تفاصيل العيش بحاجة إلى وسيط إلكتروني أو قرار حكومي كي تستمر .
اليوم يقال لنا إننا نواكب الحضارة لكن أول ما جاءت به هذه الحضارة هو شحّ الغاز ،ثم إلزام الباعة المتجولين بشراء أجهزة استحصال إلكتروني ، وكأن بائع الشاي بات مصرفًا متنقلًا وكأن بائع الخضار مشروع تهريب عابر للحدود يحتاج إلى تتبع بالأقمار الصناعية .
ثم جاءت أزمة الكهرباء لا بوصفها خللًا طارئًا بل كجزء من نظام اقتصادي جديد ، حوّل أصحاب المولدات إلى كبار التجار وجعل الضوء سلعة والليل فاتورة شهرية والناس زبائن دائمين في سوق العتمة .
وفي الوقت الذي تتحدث فيه دول العالم عن الذكاء الاصطناعي ، واستكشاف الفضاء والطاقة النظيفة ، وإطعام الإنسان بكرامته ، نجح ساستنا بجدارة في إعادتنا إلى العصر الحجري لا بالعصي والحجارة بل بالقرارات والاجتماعات واللجان ، هناك تُقاس الدول بسرعة الإنترنت وهنا نقيس الزمن بعدد ساعات القطع هناك تُدار الحياة بضغطة زر وهنا تُدار بالأدعية والصبر وحسن الظن .
لم يعد الفارق بيننا وبين العالم فجوة تقنية فحسب بل فجوة عقل سياسي طبقة كاملة اجتهدت في تحويل بلد نفطي إلى تجربة بدائية بلد يفترض أن يصدّر الطاقة فإذا بأبنائه يبحثون عن وقود ويفترض أن يواكب المستقبل فإذا به يتدرب على العيش بلا مقومات الحاضر .
ولم تكتمل ملامح هذه الحضارة إلا برفع الضرائب على كل شيء حتى على الأدوية وكأن المرض ترف ، وكأن الألم يمكن أن يُجبى عليه رسم خدمة في بلد لا يزال يبحث عن معنى العدالة قبل آليات الجباية .
وسط كل هذا يعود السؤال ساخرًا وثقيلًا في آن واحد هل تنوي الحكومة تقليص عدد السكان عبر سياسة إنهاك بطيء أم أنها تختبر إلى أي حد يستطيع العراقي أن يتكيف أن يصبر وأن يعيش بين فانوس الأمس وحضارة اليوم التي لم تجلب سوى نسخة إلكترونية من الفقر .
عام جديد بوسائل قديمة وأزمات حديثة وحطب لا يكفي إلا لإشعال السخرية بينما تبقى العدالة بلا نار .
شبيه الفانوس ، والجولة ، والحطب!!