لا أتفق تمامًا مع هذا القول، فهو، في جوهره، يشجّع على تحجيم الفكر وعرقلة التفكير.
ورغم أن هذا القول قد يكون منطلقه دينيًا أو مذهبيًا، إلا أن أثره يمتد ليشمل مختلف جوانب الحياة. فمن يرهن قراره أو عمله برأي شخص آخر أو جماعة، كأنه يتعمّد إلغاء عقله ويسلّم حق اتخاذ القرار لغيره. والسؤال هنا: هل يعجز الإنسان عن التفكير فيختار التبعية؟ أم أنه يفضّل إلقاء عبء المسؤولية على الآخر ليستريح من عناء التفكير وتحمل النتائج؟
في الشأن الديني والمذهبي، أسهم هذا المنطق في تعتيم عقول كثيرين ممن يتبعون بعض رجال الدين، ويجعلون منهم مرجعًا مطلقًا لحياتهم وخياراتهم. وغالبًا ما يكون الجهل سببًا لمثل هذا السلوك، فالإنسان الواعي يرفض التبعية بكل أشكالها. وبدل الرجوع إلى القرآن ومقاصد الشريعة المتاحة لكل زمان ومكان، يستسهل البعض اتباع زعيم ديني لا يميّزه عنهم سوى أنه قرأ هذه الكتب وتخصّص فيها. وقد يُقال إن الإحاطة بعلوم الفقه ليست بالأمر الهيّن على الإنسان العادي، وهذا صحيح جزئيًا، فثمة مسائل تفصيلية يُرجع فيها إلى المختصين، غير أن كثيرًا من شؤون الحياة لا تحتاج إلى فتوى بقدر ما تحتاج إلى عقل حيّ وضمير يقظ. ولو اعتاد الناس تحكيم عقولهم وقناعاتهم، لما كان تضليلهم بهذه السهولة، ولما وصل الحال إلى ما هو عليه اليوم. فقد دافع إبن رشد عن العقل بوصفه أداة لفهم الدين والحياة، واعتبر أن تعطيل العقل بحجة الاتباع الديني إساءة للدين نفسه.
ولا يختلف الأمر كثيرًا في السياسة، فصناعة الزعيم والولاء الأعمى له، بدوافع عاطفية أو طائفية أو عشائرية، بعيدًا عن تقييم برنامجه وصلاحيته، كان ولا يزال سببًا في خراب أمم كثيرة، ومنها بلدنا. ويجدر التنبيه إلى أن الولاء السياسي في زمننا هذا لم يعد نابعًا من إيمان حقيقي بفكرة أو مشروع، بل غالبًا ما تحكمه المصلحة أو الخوف. ويؤكد الفيلسوف المتخصص في الفكر السياسي (كارل بوبر) على أن المجتمعات المغلقة تقوم على تقديس الزعماء والأفكار، بينما المجتمع المنفتح يقوم على النقد والمساءلة لا على الاتباع.
أما في الحياة الاجتماعية، فينشأ كثير من الناس على قناعات جاهزة موروثة من الأسرة أو القبيلة، دون جرأة على مناقشتها أو تحليلها، فيتبنّون منها ما يعيد إنتاج الماضي، ويُهملون ما قد يسهم في تطوير ذواتهم. ولا يعني هذا أن جميع الموروثات بحاجة إلى هدم أو مراجعة، فبعضها جدير بالحفاظ والنقل إلى الأجيال القادمة، فيما يتآكل بعضها الآخر ويغدو غير منسجم مع إيقاع الحياة المتغيّر. فقد انتقد عالم الاجتماع (علي الوردي) بشدة العقل الجمعي والطاعة الاجتماعية، ورأى أن المجتمع الذي يخشى التفكير الحر يعيد إنتاج الاستبداد بأشكال مختلفة.
وقد تمتد هذه التبعية إلى داخل الأسرة نفسها، حين يلقي الفرد أعباء قراراته المصيرية على من هم أكبر سنًا، ظنًا منهم أنهم الأعلم أو الأقدر على الاختيار. وتقع كثير من الفتيات والنساء ضحية هذا التفكير، حين يسلّمن قراراتهن للأب أو الزوج أو الأخ، إما اعتقادًا بتفوّق معرفي، أو هروبًا من مسؤولية الاختيار.
ويرى عالم الاجتماع إريك فروم في كتابه (الهروب من الحرية)، أن الإنسان قد يختار التبعية هربًا من مسؤولية القرار، لا عجزًا عن التفكير .وفي المحصلة، حين يفشل الإنسان أو تنكشف له الحقيقة، لا يجد أمامه سوى لوم من تبعهم، لأنه يكون قد جرّد نفسه حتى من شجاعة الاعتراف بالخطأ. فالتبعية شكل من أشكال العبودية، سواء في الصواب أو الخطأ، أما إعمال العقل فهو ممارسة للحرية، حتى وإن قاد أحيانًا إلى الخطأ، لأنه خطأ نابع من اختيار، لا من استسلام.
ذبها بركبة عالم وإطلع سالم، خيار أم تبعية!؟