بداية الكون عند أهل البيت (عليهم السلام)

بداية الكون عند أهل البيت (عليهم السلام)

 "كنا أنوارًا حول العرش نسبّح الله ونقدّسه" – الإمام الصادق (عليه السلام)

في لحظة صمتٍ أمام صفحة السماء، حين تتأمل هذا الكون اللامتناهي، يعتريك شعور بالدهشة والرهبة. فضاءاتٌ تتسع بلا حدود، ومجراتٌ تتناثر كحبات لؤلؤ في بحر الظلام، وعظمةٌ لا يحيط بها عقل. وهناك، في عمق هذا المشهد المهيب، يتجلى الخالق سبحانه في أبهى صور قدرته، فيجد الإنسان نفسه ذرةً ضئيلة أمام سلطان لا يُقاس.

تراث أهل البيت (عليهم السلام) قدّم رؤية عميقة لأصل هذا الكون؛ رؤيةً تؤكد أن الخلق لم يكن عبثًا، بل جاء عن إرادة وحكمة، وأن الإنسان خُلق ليكون خليفة الله في الأرض، وليقوم بالعبادة الحقّة. ويخبرنا هذا التراث أن البداية كانت من نورٍ خاص اصطفاه الله تعالى، ليكون مبدأ كل شيء.

روى المفضل عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه سأله: ما كنتم قبل أن يخلق الله السماوات والأرضين؟ فقال: «كنا أنوارًا حول العرش نسبّح الله ونقدّسه حتى خلق الله سبحانه الملائكة»【1】.
كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إن الله تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره، فأول ما ابتدأ من خلقه أن خلق محمدًا (صلى الله عليه وآله) وعترته الهداة المهديين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله»【2】.

وتُشير روايات أخرى إلى أن الماء كان أصل الخلق المادي، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾【3】. وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ قال: «إن الماء أوّل ما خلق الله، فخلق منه كل شيء»【4】. ويضيف تفسير الميزان أن كون العرش على الماء هو كناية عن أن مُلك الله كان قائمًا على هذا الماء الذي هو مادة الحياة【5】.

وتؤكد مدرسة أهل البيت أن الخلق جرى بترتيب متقن: بدأ بالنور، ثم الماء، ثم السماوات والأرض، ثم تقدير الأرزاق، وكل ذلك في ستة أيام كما نصّ القرآن الكريم. لم تكن هذه المراحل أحداثًا فيزيائية وحسب، بل كانت إرهاصات لغاية أسمى: عبادة الله ومعرفته.

وفي نهج البلاغة، يصف أمير المؤمنين (عليه السلام) بدء الخلق بقوله: «ابتدع الخلق ابتداعًا، وأنشأه إنشاءً بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها»【6】، وهي كلمات تُغلق الباب أمام أي تصور أن الخلق كان نتيجة تدرّج أو تجربة، بل هو فعل إلهي محض.

وهكذا، يربط أهل البيت (عليهم السلام) بداية الكون بغاية سامية: أن يشرق نور الهداية على الوجود، وأن تقوم الحجة على العباد، ليمضوا في مسيرتهم نحو معرفة الله وعبادته عن وعي وبصيرة.

___
(1) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٤ - الصفحة ١٧٠
(2)بحار الأنوار، ج25، ص22
(3) سورة الأنبياء: 30
(4) تفسير العياشي، ج1، ص46
(5) تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٠ - الصفحة ١٥١
(6) نهج البلاغة - خطب الإمام علي (ع) - ج ١ - الصفحة ١٦