القصة القرآنية وتوظيفها في الادب الحديث

القصة القرآنية وتوظيفها في الادب الحديث

   ان القران الكريم حافل بالقصص، لانها مصدر من مصادر العبرة والامتثال والاقتداء، وهي من أكثر المؤثرات العقلية تأثيرا في سائل الاقناع من خلال المقارنات بين حالة وأخرى، وترسيخ امرا مستندا على شواهد وواقع حاصلت، وما آلت اليه النتائج. وهي دلالة نحوالى طبيعة الأثر الذي يشكل اعتبارا في ضمير الانسان" عبرة لأولي الالباب" وهداية لعقله وترسيخا لمعتقده. هي حافز للايمان وتقويم السلوك والعصمة من الخطأ في أمر ما ، تدل عليه القصة ويشير اليه المعنى. هي ليس سردا حكائيا توثيقيا، انما هي تعاشق بين السردية الواقعية والدلالة الأخلاقية، مع بلاغة الاحداث وعمق المعنى وايجاز الإشارة.

  وغالبا ماترتبط القصص القرآنية بالمعجزة وانتصار الخير على الشر واتباع الطريق المستقيم، ونجدها تشير الى مكانة الأنبياء وسموهم في التصرف واختيار الأهداف، بأسلوب بلاغي فصيح فيها تتجلى معجزة القران الكريم وثبات مضمونه.
  ولما لتلك القصص من ثراء في المعنى واعجاز وكثافة في اللغة، فان الادب العربي حافل بالتناص والاشارة والاقتباس من قصص قرآنية مثل قصة يوسف وموسى وذو القرنين وأصحاب الكهف وسليمان وبلقيس والهدهد وقوم لوط وغيرها. وظف الادباء هذه القصص والاشارة الى ما تتضمنه من دلالات وعبر بأسلوب ادبي يكشف عمق الفكر القراني وهذا يؤدي الى اغناء النص الادبي بالاقتباس او الإشارة او التضمين كاشفا أهمية النصوص ذات الطابع المعاصر الذي يجمع الحداثة والاشارات التراثية ذات المعنى المشرق في ضمير الناس. 
  ان قصة يوسف عليه السلام قد اشبعت محاكاة واشارة من الشعراء والقصصيين والروائيين لما تتضمنه من استقامة الاخلاق أو ترديها، بالإضافة الى دلالاتها النفسية والتحلي بالصمود والصبر ومخافة الله وثبات الموقف وتحدي الظالمين. ونجد في قصة موسى عليه السلام إرادة الله في الظالمين وان علت قبضتهم واستطالت بطشتهم وتوسعت سلطتهم، وتجسد التحدي وعمق الايمان. وكذلك فان قصة أصحاب الكهف تحمل دلالات قدرة الله على تغيير الحال لاشاعة الايمان في القلوب وتحجيم التمرد والعجرفة والغرور.
ان أنواع القصص القرآنية ، متنوعة في أهدافها ولكل قصة دلالة وغاية وهدف، حيث تعكس المستويات الأخلاقية التي تليق بالإنسان ووجوب مقارعة الظلم ورفض التجبر والتسلط والذل. كما تتناول الاحداث ذات العلاقة بالانبياء التي حدث مع اقوامهم اثناء الدعوة او بعدها التي تؤرخ حياتهم التبشيرية ومعجزاتهم، والوقوف الى جانبهم وتصديقهم أو عنادهم ورفضهم وتكذيبهم، وما ال اليه حالهم بعد حين، بفضل قدرة الله سبحانه وتعالى على إتيان الأنبياء معجزات ظاهرة للجميع. ويتجلى ذلك في قصص الأنبياء عيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسماعيل ونوح ومحمد وغيرهم من الرسل والانبياء عليهم الصلاة والسلام .
  المهتم بالادب الحديث يجد بصمات القصص القرآنية منبثة في العديد من نصوص الادباء القصصيين والشعراء، معتمدين تقنيات السرد في تللك القصص لاغناء  مضامينها، حيث نجد في شعر نازك الملائكة حضور هابيل وقابيل، وكذلك توظيف قصة الطوفان في شعر أمل دنقل، مجتمعة في النصوص؛ براعة القرآن وجمال الشعر ودهشته وسحره.

وكذلك ما استوحته قصائد بدرشاكر السياب من مضامين السرد القرآني في الكثير من قصائده ، لتجسيد الصراع  بين الخير والشر، بين النقاء ونقيضه، وقد تكون استلهام العبر والاتعاض، وقراءة الحاضر قراءة واعية . من اجل ان لاتغرق القصيدة في الغنائية الفجة او المباشرة . لما تمتلكه القصة القرآنية من اعجاز وتكثيف وبلاغة بما ينسجم مع خلود مضامين القرآن وتأسيس قيم إنسانية عالية المقام، ودوافع باتجاه انسان يحمل سمو الخلق والفعل والقول والتفكير. وصدرت عشرات البحوث والمقالات والدراسات في الدول العربية في هذا المضمون لما للقصص القرآنية من حضور طاغ في مخيلة الشعراء والادباء والمبدعين كافة، لاغناء النصوص عبر استلهام المعنى او التعالق النصي او التناص مقاربة لحضور التراث في النص المعاصر. من اجل احداث صدمة في المتلقي الذي اعتاد على القصيدة العمودية وذائقتها التقليدية، او النص السردي المباشر، بما يوازي الصدمة التي تلقاها العرب عند سماعهم ايات من القرآن الكريم لأول مرة في عصر البلاغة والفصاحة .
  واعتقد ان كتاب السرد العربي المعاصرين، لا يقلون عددا عن الشعراء في التناص مع القصص القرآني، متأثرين بها في المبنى السردي ويمكن ان يكون في مقدمتهم نجيب محفوظ فيما يخص الصراعات بين الخير والشر او الانحلال والأخلاق. وكذلك يوسف ادريس، الذي قارب بين المفاهيم القرآنية ونصوصه القصيرة الواقعية والأخلاقية والاجتماعية ، وقد استمد الكثير من ذلك من النصوص القرآنية. وعبد الرحمن منيف الذي ركز في رواياته على حجم الألم والضياع والاغتراب والظلم في المجتمعات العربية . والياس خوري، الذي وظف الرمزية المستوحاة من القصص القرآني في رواياته الباحثة عن الهوية والحفاظ على الذاكرة. وميخائيل نعيمة خاصة ماتناوله من وجهات نظر روحانية في بعض اعماله مثل "النبي" و"المراحل" في أسلوب الحكمة والفلسفة التي تلتقي مع الفكر القرآني.
  لقد وظفوا الرمزية القرآنية لاضفاء الأسلوب السردي الرمزي او الايحائي، في القصص من خلال استلهام قصة يوسف او قصص عاد وثمود فيما يخص العدل والظلم والكفر والايمان واستلهام العبر والقيم والاخلاق والدروس. وبلا شك ماللغة القرآنية واسلوبها من تاثير كبير على بنية السرد وجماليته وبلاغته في بناء الجملة وتأثير الوصف ودقته. وتجلى ذلك من خلال رصانة الشخصيات وتماسك الحبكة وتجسيد القيم الإنسانية لتصبح جزءا من البناء الثقافي الذي تستمد منابعه من القرآن الكريم. ومن عمق القصة القرآنية ليس تأثرا في سرد الاحداث وتأويلاتها انما استمدت منها التقنيات السردية مثل التكثيف والايحاء والنوازع الانسانية المتصارعة ، وصولا الى بنية الخطاب السردي الحديث، عبر التناص لخلق ابعاد عميقة من خلال المرتكزات المعرفية والسردية للقصص القرآنية .