فوضى محسوبة: كيف تُدار اللعبة الكبرى في الشرق الأوسط؟ 

فوضى محسوبة: كيف تُدار اللعبة الكبرى في الشرق الأوسط؟ 

 ▪︎ هدوء حذر يسبق التصعيد

يعيش الشرق الأوسط حالة هدوء حذر تنذر بتصعيد مُدار بوسائل غير مباشرة "فوضى متفرقة- اضطرابات خُطط لها بعناية من قِبل لاعبين هما الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي" يقومان  على إدارة التوتر لا حسمه.
سوريا  - كانت المثال الأوضح "حروب بالوكالة، توترات تُشعل ثم تُترك بلا نهاية واضحة، لتحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف دائمة" وكل ذلك ينسجم وسعي إسرائيل لتفوق عسكري دائم وتفتيت أي قوة محتملة، مع تحويل الصراع من كونه سياسيًا قابلًا للحل إلى صراع ديني أو عرقي بلا أفق تسوية، يتناغم والاستراتيجية الأمريكية التي لا تريد سلامًا كاملًا ولا حربًا شاملة، بل فوضى مضبوطة تبرر وجودها بقواعد بالمنطقة، تفتح أسواق السلاح، وتضمن التحكم بمسارات الطاقة، وتمنع صعود أي قوة إقليمية مستقلة.
 
▪︎ الضحية: شعوب المنطقة، سوريا مثالا
الدول العربية تقف في طابور دفع الفاتورة: دماء تُسفك، اقتصادات تُنهك، واستقرار يُؤجَّل باستمرار. العراق في قلب هذه المعادلة، لا على هامشها، حيث أي محاولة للتعافي تُقابل بملفات أمنية أو إحياء خطاب طائفي أو خطر إرهابي معاد تدويره.
ان ما جرى ويجري في سوريا لم يكن مجرد حرب نظام ومعارضة، ثم اقتتال داخلي طائفي وعرقي، بين ميلشيا متشددة والطيف السوري المتعدد...، بل مختبرًا مفتوحا "تفكيك دولة، الغاء دور الجيش النظامي، فتح حدود، ثم إعادة توجيه فائض العنف" لتنظيمات مثل داعش التي لم تظهر من فراغ، ولم تُمحَ بضربة واحدة. إنما أُضعفت هنا، وتُركت نائمة هناك، ثم استُدعيت عند الحاجة، بمخطط مخابراتي معروف، خصوصًا للضغط على العراق وحدوده، وتذكيره بأن الأمن هش، وأن الاستقرار قابل للانفجار في أي لحظة.
وفي كل مرة يخفت صوت السلاح، تعود الطائفية إلى الواجهة. ليس لأنها قدر تاريخي، بل لأنها السلاح الأرخص والأكثر فاعلية. الطائفية لا تحتاج جيوشا ولا ميزانيات ضخمة، بل خطابا وخوفًا وذاكرة جراح لم تُعالج. 
حين يُقسّم المجتمع طائفيا تسقط فكرة الدولة،ويتحوّل الولاء من الوطن إلى الجماعة ويُعاد تعريف العدو ليصبح داخليا بدل أن يكون خارجيا. 
الأخطر أن هذا السلاح لا يُستخدم فقط من الخارج، بل كثيرًا ما يُغذى بأصوات محلية عن جهل أو مصلحة أو خوف.
لكن الخطر الأكبر اليوم لا يكمن فقط في استمرار القتال، بل في تطبيع الفوضى، أن تتعب الناس، أن تعتاد الألم، أن تتحول المأساة إلى خبر عابر... حينها لا يُقتل البشر وحدهم، بل يُقتل الوعي ببطء. يصبح السؤال عن "لماذا يحدث هذا؟" أقل حضورًا من سؤال "متى سينتهي؟"، وكأن النهاية قدر غامض لا علاقة لنا بصناعته.
هل هناك أمل؟ نعم، لكن ليس بالمعنى الرومانسي... الأمل الواقعي يبدأ من الوعي، من رفض الرواية الجاهزة، من فهم أن الطائفية أداة وليست قدرا، وأن الفوضى ليست طبيعة هذه المنطقة بل سياسة فُرضت عليها... يبدأ من بناء دولة، حتى لو كان الطريق بطيئا ومؤلما، ومن فصل الدين عن صراعات السلطة لا عن الإيمان ومن الإصرار على أن نكون شعوبا تفهم ما يجري حولها لا وقودا دائما له.
قد لا تتغير موازين القوى غدا، لكن أخطر ما يمكن أن نخسره هو قدرتنا على الفهم والسؤال.
ما دام هذا الوعي حيا، فالحلقة المفرغة ليست أبدية، بل مسارًا يمكن كسره... ولو بعد حين.