لا تفصلنا عن ذكرى ميلاد إمامنا المهديّ عليه السلام في الخامسة عشر من شهر شعبان إلّا بضعة أيّام، وارتأيت أن تكون لي في هذه المناسبة المباركة إطلالة نوعيّة على (دعاء زمن الغيبة) مُسلّطاً الضوء فيها على أهمّ مفرداته، ومنتقياً باقة فوّاحة من رياضه، كيما نستلهم منه قناعات مليحة ومبادئ صحيحة.
الدعاء
سيكون إعتمادي في اقتناص فقرات من الدعاء على نسخته المرويّة في كمال الدِّين لكونه أسبق من غيره في التدوين.
لقد روى الشيخ الصدوق في كتابه كمال الدّين والشيخ الطوسي في المصباح بسند مرضيّ عن الشيخ عثمان بن سعيد رضي الله (السفير الأوّل للإمام المهديّ المنتظر عليه السلام) أنّه أملى على الشيخ الجليل أبي عليّ محمّد بن همّام دعاء وأمره أن يدعو به وهو (الدعاء في غيبة القائم عليه السلام) فراجع: كمال الدِّين وتمام النعمة للشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه القمّي المُلقّب بالصدوق:٢/ ٥١٢-٥١٥/ب٤٥ ذكر التوقيعات/ح٤٣، ومصباح المتهجّد للشيخ محمّد بن الحسن الطوسي:٤١١-٤١٦، وعن كمال الدين بحار الأنوار الجامعة لدرر الأئمّة الأطهار للشيخ محمّد باقر المجلسي:٥٣/ ١٨٧-١٩٠/ب٣١/ح١٨، النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب للمحدّث حسين النوري:٢/ ٤٧٦، مفاتيح الجنان للشيخ عبّاس القمّي:١٠١.
وقطعة صغيرة منه مرويّة بسند معتبر، على بعض المباني الرجاليّة، عن زرارة في الكافي للشيخ محمّد بن يعقوب الكليني:١/ ٣٣٧/ كتاب الحجّة/باب الغيبة/ح٥، وكمال الدِّين وتمام النعمة:٢/ ٣٤٢/ب٣٣/ح٢٤، والغيبة للشيخ محمّد بن إبراهيم النعماني:١٧٠/ ب١٠/ف٤/ح٦، والغيبة للشيخ محمّد الطوسي:٣٣٤/ح٢٧٩.
وكما تعلمون أيّها الأحبّة فإنّ الدعاء يُقرأ في زمن الغيبة، وهو دعاء نوراني المادة وعالي القيمة وعظيم الفائدة، دعاء يتضمّن لقطات مهمّة ومحطّات لافتة ينبغي للباحث المعتني بتراث العترة المقتدي بسيرتهم العطرة التوقّف عنده لأجل أن يُلاحظ حجم تطابق معتقداته مع حقائق الدعاء ويُشاهد مدى توافق متبنّياته مع ثوابته، ليخلص الداعي بعدها إلى إبراز محتواها وكشف فحواها للعوام من الموالين والمتمسّكين بشريعة الدِّين، حيث إنّه روي عن المعصوم أنّ صفة العلم تلازم حفظه والعمل به ونشره، كما جاء في الكافي:١/ ٤٨/كتاب فضل العلم/باب النوادر/ح٤، والبحار:٧٤/ ١٦٠/ب٧/ح١٦٩.
بداية لا بدّ من القول: أنّ محاولتي المتواضعة للتحليق في فضاء هذا الدعاء النفيس المشحون بالمعارف السامية وبذل الجهد في استنطاق نصّه واستنباط المعاني اللطيفة من متنه ستقتصر، كما أشرت، على بعض فقراته، تاركاً الكثير منها لغيري من الباحثين والباحثات، لكي يبحروا في طيفه، ويكملوا طريق من سبقهم وسبقني في استخراج لآلئه.
أقول مستعيناً بالحقّ إله الخلق:
أوّلاً: قوله: (اللّهم لا تُمِتْني ميتة جاهليّة، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني).
ينبغي العلم إنّ هذه الجملة قد تلت طلب معرفة الله عزّ وجلّ ومعرفة نبيّه ومعرفة حجّته (عليهما الصلاة والسلام) من ربّ البريّة وبواسطته، وهي أوّل ما لفتت نظري واسترعى انتباهي.
والجملة، بحسب الظاهر، ترتبط بالأحاديث التي رواها الفريقان باستفاضة وبألفاظ متقاربة- راجع: شرح العقائد النسفيّ للشيخ مسعود التفتازاني:٩٦-٩٧، والثقافة المهدويّة للسيّد رياض الحكيم:٨٧- ومفاد هذه الأحاديث هو أنّ من مات من أهل الملّة المسلمة ولا إمام له مات ميتة جاهليّة.
فمن لا يعرف إمام زمانه أو من عرف الإمام ثمّ جحده وأنكره فقد ضلّ عن المنهج السليم وزاغ عن الصراط المستقيم.
ثانياً: قوله: (اللّهم فكما هديتني بولاية من فرضت طاعته عليّ من ولاة أمرك بعد رسولك صلوات الله عليه وآله حتّى واليت ولاة أمرك أمير المؤمنين والحسن والحسين وعليّاً ومحمّداً وجعفراً وموسى وعليّاً ومحمّداً وعليّاً والحسن والحجّة القائم المهديّ صلوات الله عليهم أجمعين).
هذا الدعاء يُعتبر أحد الوثائق التي تذكر أسماء الأئمّة وخلفاء نبيّ الرحمة، ويؤكّد على أنّ تمام عقد الإمامة بعد خير الرسل والبشر هم الأصفياء الإثنا عشر.
وقد مال إلى هذا التأكيد مشايخ أهل الجمهور وسطّروا هذه المعلومة في منابعهم وصحاحهم. بل اعتقد النزر اليسير منهم نفس ما نعتقده في تشخيصهم عليهم السلام، فراجع على سبيل المثال: الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة للشيخ عليّ بن محمّد المالكي الشهير بابن الصبّاغ، وفرائد السمطين للشيخ إبراهيم الجويني، ومطالب السؤول في مناقب آل الرسول للشيخ محمّد بن طلحة الشافعي، وينابيع المودّة لذوي القربى للشيخ سليمان القندوزي الحنفي-.
واللطيف أنّ البعض منهم يعتقد أنّ المهديّ المنتظر أحد الخلفاء الأئمّة الإثني عشر ، كما أنّه خاتم الخلفاء الراشدين. راجع: تفسير القرآن العظيم للشيخ إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي:٢/ ٣٥، والعرف الوردي في أخبار المهديّ للشيخ جلال الدِّين السيوطي:١٥١، والمهديّ المنتظر آخر الخلفاء الراشدين للأستاذ المصري منصور عبد الحكيم.
وأيضاً يُشير الدعاء في بُعده الآخر من هذه الفقرة إلى أنّ ولاية الأئمّة الإثني عشر من أهل البيت عليهم السلام مفروضة على الأنام، وأنّ الهداية المطلوبة لا تكتمل إلّا بموالاتهم.
ومن المفروغ منه أنّ الهادي إلى تلك الولاية هو الرؤوف العليم سبحانه.
ثالثاً: قوله: (اللّهم فثبّتني على دينك، واستعملني بطاعتك).
توحي العبارة أنّ هناك مزالق قد تحرف الموالي عن صراط الحقّ وتبعده عن المعرفة الصحيحة.
ولعلّ الكثير منكم يذكّره هذا المقطع والتقريب بما ورد في الآية الرابعة والتسعون بعد البسملة من سورة النحل: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا}. فالخوف من الانزلاق يبقى هاجساً قائماً مهما رسخت الأقدام.
وعلى أيّ حال، فالعبارة ترشد الموالي
أن يستعين على العراقيل وبواعث الضلال بطلب المدد والعون من الرؤوف لتذليلها، وأن يترجّاه في أن يُوفقّه إلى سبل مرضاته ويُهيّأ له موجبات طاعته.
رابعاً: قوله: (وثبّتني على طاعة وليّ أمرك الذي سترته عن خلقك، فبإذنك غاب عن بريّتك، وأمرك ينتظر، وأنت العالم غير معلّم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليّك في الإذن له بإظهار أمره وكشف ستره).
تُصرّح الفقرة أنّ الإمام الحجّة ستره الله سبحانه عن خلقه، وهذا لا شكّ فيه، لكن زيادة في المعرفة والاستعانة بالمستندات الشرعيّة فإنّ من النصوص التي تشهد بذلك معتبر الريّان بن الصلت عن الإمام الرضا عليه السلام قال: (ذلك الرابع من ولدي، يُغيّبه الله في ستره ما شاء الله، ثمّ يظهر فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً). كمال الدّين:٢/ ٣٥١/ب٣٥/ح٧.
وتُحدّثنا الفقرة في شطرها التالي أنّه تبارك وتعالى غيّر معلّم بوقت ظهور وليّه، كونه سبحانه عالم الغيب المطلق وكلّ ما في الكون وما في الوجود يعلمه، وخلقه هم المحتاجون إلى أن يفيض عليهم من علمه ويُطلعهم على غيبه، والوليّ المهديّ ينتظر أمر خالقه للإذن له بالظهور في إنتهاء زمن الغيبة.
وإذا وجدنا من يتردّد في قبول هذا المعنى ويعتبره انتقاصاً لشأن المعصوم، فثمّة ما يشهد بصحّة ما ذكرناه ويحسم السجال وينهي الجدل فيه، ففي بعض الأخبار المعصوميّة ورد أنّ الإمام المهديّ المنتظر عليه السلام لا يعلم بالضبط متى يحين وقت ظهوره ولا يعلم بالتحديد زمن خروجه، لأنّ تلك القضيّة شأنها مرتبط بإذن الله تبارك وتعالى، فراجع: مختصر إثبات الرجعة للشيخ الفضل بن شاذان:ح٣، والكافي:١/ ٤٣١/كتاب الحجّة/باب نكت ونتف من التنزيل في الولاية/ح٩٠.
أمّا كيف يعلم المعصوم بوقت الخروج وانتهاء فترة الغيبة، فقد حكت لنا الأخبار أنّه إذا أذن سبحانه بكشف ستر الغيبة كي ترى البريّة الإمام وتلتقيه الخليقة أنطق سيفه ورايته ونقر في أُذنه، وزيادة على ذلك يُخبره جبرئيل عليه السلام بالشروع في القيام. راجع: الكافي:١/ ٣٤٤/كتاب الحجّة/باب في الغيبة/ح٣٠، كمال الدّين:١/ ١٥٥/ب٧/ح١٧ و:٢/ ٣٢٨/ب٣٣/ح٤٢، غيبة النعماني:١٩٣/ب١٠/ح٤٠ و:٢٨٧/ب١٤/ح٦٤، إعلام الورى بأعلام الهدى للشيخ الفضل الطبرسي:٢/ ١٩٠/ق١/ف٢، تأويلات الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة للسيّد شرف الدّين علي الأسترآبادي:٢/ ٧٣٣/ح٢، فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين للشيخ إبراهيم الجويني:٢/ ١٥٩/ب٣٥/ح٤٤٧، المحجّة فيما نزل في القائم الحجّة للسيّد هاشم البحراني:٢٣٨، كشف الحقّ للسيّد محمّد صادق الخاتون آبادي:١٤١/ح٢٦، ينابيع المودّة للقندوزي:٣/ ٢٥٣/ب٧١/ح٥٧، البحار:٥٢/ ٣٠٦/ب٢٦/ح٧٩.
وفي الشطر المتبقّي من فقرة الدعاء يقول: (صلاح أمر وليّك)، وقد يكون فيها إيماء إلى ما ورد في مصادر المدرستين بمفاد: (المهديّ منّا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة). راجع: غيبة النعماني:١٦٦/ب١٠/ف٣/ح٣، كمال الدّين:١/ ١٥٢/ب٦/ح١٥، حلية الأولياء وطبقة الأصفياء للشيخ أبي نعيم أحمد الأصبهاني:٣/ ١٧٧، عقد الدرر في أخبار المهديّ المنتظر للشيخ يوسف السلمي:٢٣٢/ ب٧/ح٢٦٤، العرف الوردي للسيوطي:١٢١، وغيرها.
ولعلّ تفسيرها المناسب متعلّق بما ورد في الخبر الصادقي الآتي، ففي حديث،قال عليه السلام: (وهكذا يفعل الله تبارك وتعالى بالقائم الثاني عشر من الأئمّة عليهم السلام، يُصلح أمره في ليلة كما أصلح أمر نبيّه موسى عليه السلام، ويُخرجه من الحيرة والغيبة إلى نور الفرج والظهور). كمال الدّين:١/ ١٥٢/ب٧/ ح١٣ و:٢/ ٣٩٠-٣٩٣/ب٤٢/ح١ و٢.
خامساً: قوله: (حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخرّت ولا تأخير ما عجّلت، ولا أكشف عمّا سترته، ولا أبحث عمّا كتمته، ولا أنازعك في تدبيرك، ولا أقول لِمَ وكيف، وما بال وليّ الأمر لا يظهر، وقد امتلأت الأرض من الجور؟ وأفوض أموري كلّها إليك).
الدعاء يحاول ترويض المؤمنين المندفعين ويُلمّح إلى أنّ الصبر خير وفضل، والتسليم سموّ وتكامل.
وبتعبير آخر: لا ضير في أن نجهل وقت الظهور وساعة الفرج والحكمة من التأخير، ويُحسن أن نفهم أنّ اليُمن والخير في القناعة والانقياد والتسليم للمقادير.
وممّا يندرج في هذه البيئة ويساهم في هضم هذه الفكرة حسنة سدير عن باقر العترة عليه السلام، في حديث، قال: (إنّما كُلّف النّاس ثلاثة: معرفة الائمّة، والتسليم لهم فيما ورد عليهم، والردَّ إليهم فيما اختلفوا فيه). الكافي:١ /٣٩٠/كتاب الحجّة/باب التسليم وفضل المسلّمين/ح٢، مرآة العقول للشيخ محمّد باقر المجلسي:٤/ ٢٧٨.
وكيف ما يكن، لقد حدّد الدعاء وأكّد أنّ قضيّة الغيبة بصورتيها (الصغرى والكبرى/الناقصة والتامّة/القصيرة والطويلة) ترجع إلى التقدير والتدبير الإلهيّ، وكذلك أمر انتهاء الغيبة الطويلة يرجع لأمره تبارك شأنه.
هذا، وما ورد في معتبر عبد السلام الهروي عن الإمام الرضا عليه السلام عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن عليّ عليه السلام قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: (وَالذي بَعَثَني بِالحَقِّ بَشيراً، لَيَغِيبَنَّ القَائِمُ مِنْ وُلْدِي، بِعَهْدٍ مَعْهودٍ إِلَيهِ مِنّي). كمال الدّين:١/ ٥١، بحارالأنوار:٥١/ ٦٨/ب١/ح١٠، معجم أحاديث الإمام المهديّ عليه السلام للشيخ عليّ الكوراني:١/ ٢٦٤/ح١٦٦.
فإنّه لا يتنافى معه، حيث إنّ عهد الرسول المصطفى هو عهد الله تعالى ضرورة، وهذا يقتضي التلازم بلا وجود تزاحم.
وقد يظنّ البعض أنّ هذا يستدعي الذمّ لمن يدعو بتعجيل الفرج، وليس كذلك، حيث إنّ المقصد منه هو المعنى الآتي فأنعم النظر فيه، لقد وجّه أحد الموالين سؤالاً إلى مركز الأبحاث العقائدية يسأل فيه عن التوفيق بين الفقرتين الآنفتين، فأجابه المركز بالتالي: «لا تعارض بين الفقرتين فالفقرة الأولى تثبت الرضا والتسليم لما يكتبه الله تعالى لوليّه من الظهور وعدمه، والفقرة الثانية أنّ ظهوره إذا كان مُتعلّقاً بدعائنا فنحن ندعو الله تعالى أن يُعجّل فرجه ويؤيّده بالنصر».
وذكر الشيخ أحمد الماحوزي وجهاً للتوفيق بين النصّين بمفاد أنّ الحبّ في عبارة (حتّى لا أحبّ) حالة نفسانيّة إنسانيّة، بينما الدعاء (وأكثروا من الدعاء بتعجيل الفرج) عمل يقوم به الإنسان، والإنسان مأمور بالدعاء حتّى لو علم النتيجة ما هي. وبالتالي فعبارة (حتّى لا أحبّ ...) لا تنافي أنّ المؤمن مأمور بالدعاء.
وبكلمة: أنّ التسليم لمشيئة الله العليّ لا يتنافى مع الرجاء وإيقاع الدعاء كما يقول الشيخ محمّد العريبي.
اعلم أيّها اللبيب أنّ المقصد لا بدّ أن يكون ضمن هذه الأبعاد، بدليل أنّ الدعاء اشتمل في وسطه على فقرة تعجيل الفرج، وجاءت العبارة هكذا: (اللّهم عجّل فرجه وأيّده بالنصر ... اللّهم إنّي أسألك أن تأذن لوليّك في إظهار عدلك في عبادك، وقتل أعدائك في بلادك). ويؤيّد ما تقدّم بيانه أنّه روي في منظومة أهل البيت توقيع إسحاق بن يعقوب، المعتبر الإسناد على بعض المباني، وقد جاء فيه: (وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنّ فيه تعجيل فرجكم) كمال الدّين:٢ /٤٨٥/ب٤٥/ح٤.
وأيضاً ورد في دعاء الافتتاح المروي عن خاتم العترة عليه السلام: (اللّهم، فافرج ذلك عنّا بفتح منك تُعجّله، ونصر منك تُعزّه، وإمام عدل تُظهره، إله الحقّ آمين). مصباح المتهّجد للشيخ الطوسي:١/ ٤١٤. وباختلاف طفيف في مفاتيح الجنان:٢٣٥.
ويتحالف معه في هذا المسار ما جاء في دعاء العهد المروي عن صادق العترة عليه السلام في دعائه للقائم المهديّ: (وعجّل فرجه وسهّل مخرجه ... اللّهم اكشف هذه الغمّة عن هذه الأُمّة بحضوره، وعجّل لنا ظهوره). مفاتيح الجنان:٦١٦.
إنّ هذه التعاليم الواضحة في كيفيّة طلب الدعاء مفاتيح لكشف الهموم وتقريب الفرج وتفريج الغموم.
إذن طبق ما مرّ، لا مناص من الإلتزام بالدعاء وترديد صيغة التعجيل بفرج حجّة الله المنتظر.
سادساً: قوله: (أبرز يا ربّ مشاهدته، وثبّت قواعده، واجعلنا ممّن تقرّ عينه برؤيته).
توجيه السؤال ورفع طلب الرجاء إلى السميع تقدّست أسماؤه بأن يجعلنا ممّن تقرّ أعينهم برؤية خليفته المقدّس، تولّد في النفس حالة ارتباط بالمبعد وتخلق نوع تطلّع بإدراك العهد وتعطي جرعة أمل للمنتظرين بشروق الغد.
كما أنّ الفقرة ذاتها بصيغتها المدوّنة أعلاه توحي ضمناً بكونه عليه السلام لا يُرى في الغيبة الكبرى ولا يظهر لعموم النّاس. وهذا هو المستفاد من التوقيع الأخير الذي خرج لسفيره الرابع رضي الله عنه، وفيه: (فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كاذب مفتر). كمال الدّين:٢/ ٤٧٦/ب٤٥/ح٤٤، غيبة الطوسي:٣٩٥/ح٣٦٥.
وكذلك ورد في بعض الروايات أنّه عليه السلام في غيبته التامّة لا يعلم بمكانه أو لا يطّلع على موضعه إلّا المولى الذي يلي أمره أو خاصّة مواليه. راجع: الكافي:١/ ٣٤٠/ كتاب الحجّة/باب في الغيبة/ح١٩، غيبة النعماني:١٧٦/ب١٠/ف٤/ح٢ و٥، غيبة الطوسي:٦٢/ح١٢٠.
وبطبيعة الحال، معرفة المكان لا تستلزم المشاهدة ولا تستوجب الرؤية، فلاحظ.
سابعاً: قوله: (وأقمنا بخدمته).
المؤمن لا يستنكف أن يخدم أخيه المؤمن، بل إنّه يستأنس ويستبشر ويسأل ربّه اللطيف التوفيق للقيام بخدمة الصلحاء، فكيف إذا كانت هذه الخدمة للوليّ الله المخلص وحجّته وخليفته على خلقه ولسانه المعبّر عن إرادته والناطق بحكمته؟
على أنّ هذا المعنى روي في الخبر على لسان صادق العترة عليه السلام حيث قال: (ولو أدركته لخدمته أيّام حياتي). غيبة النعماني:٢٥٢/ ب١٣/ح٤٦، عقد الدرر في أخبار المهديّ المنتظر:٢٣٣/ب٧/ح٢٦٨.
ولا جرم أنّ هذا التعبير يُبيّن مبلغ منزلة إمامة القائم وقيمته عند الأئمّة عليه السلام وشوقهم لإعانته في أيّام دولته الربّانيّة وحنينهم لعدل حكمه وقضائه.
ثامناً: قوله: (اللّهم أعذه من شرّ جميع ما خلقت وبرأت وذرأت وأنشأت وصوّرت، واحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به ... اللّهم اكف وليّك وحُجّتك في أرضك هول عدّوه، وكِد من كادّه، وامكر من مكر به، واجعل دائرة السوء على من أراد به سوءاً).
تُشعر العبارة أنّ أعداء الإمام المهديّ وجلاوزتهم خذلهم الله يمكن لهم إصابته بالأذى والسوء، سواء كان أعداؤه من الإنس أو الجنّ.
ولا استبعاد لهذا الفهم، لأنّه جاء ما يشبهه في زيارة آل ياسين المرويّة بتوقيع صدر عن الناحية المقدّسة قال: (اللّهم أَعِذهُ من شر ّكلّ باغٍ وطاغٍ ، ومن شرّ جميع خلقك، واحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، واحرُسهُ وامنعهُ من أن يُوصل إليه بسوء). مفاتيح الجنان:٦٠٠.
وقريب من ذلك ورد في رواية يونس بن عبد الرحمن عن الإمام الرضا عليه السلام حيث قال في الدعاء لصاحب الأمر: (وأعذه من شرّ جميع ما خلقت برأت وأنشأت وصوّرت واحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به). مفاتيح الجنان:٦١٦-٦١٧.
وهذه التعابير وإن كان بعضها يقبل الحمل على فترة الغيبة الصغرى حيث الحذر من الاغتيال والتصفية، كونه عليه السلام في حينها يمكن أن يُرى من قبل أعدائه ويُرصد، لكن يبقى المجال مفتوحاً للاحتمال الآخر وبالأخصّ فترة بداية ظهوره بعد الغيبة الطويلة وتسنّمه سدّة الخلافة العالميّة، والأحد الصمد هو العالم بالمقصد.
جدير بالذكر، أنّ بعض الروايات حدّثتنا عن رؤية بعض النّاس لشخص الإمام في غيبته، لكنّهم لا يعرفونه، راجع: الإمامة والتبصرة من الحيرة للشيخ عليّ بن بابويه:١٢١/ب٣٣/ح١١٧، الكافي:١/ ٣٣٦/كتاب الحجّة/باب في الغيبة/ح٤، غيبة النعماني:١٤٤/ب١٠/ح٢ و:١٦٧/ب١٠/ف٣/ح٤، كمال الدّين:٢/ ٣٢٩/ب٣٣/ح٤٦ و:٢/ ٤٠٤/ب٤٣/ح٨، غيبة الطوسي:٣٦٣/ح٣٢٩.
في حين تحكي روايات أُخرى أنّه صلوات الله وسلامه عليه يرى النّاس ولا تراه، ويغيب شخصه عن أبصار النّاس. راجع: الإمامة والتبصرة من الحيرة:١٢٦/ ب٣٤/ح١٢٦، الكافي:١/ ٣٣٧/كتاب الحجّة/باب في الغيبة/ح٦، كمال الدّين:٢/ ٣٢٥/ب٣٣/ح٣٤ و:٢/ ٤٠٤/ب٤٣/ح٧، غيبة النعماني:١٨١/ ب١٠/ف٤/ح١٤ و١٥.
ولعلاج هذا التنافي الظاهر، نقول باختصار: يمكن حمل النصوص الأولى على فترة الغيبة الصغرى لا الكبرى.
وثمّة من يذهب إلى أنّ حاله عليه السلام في الغيبة الكبرى كحال الخضر عليه السلام، فتارة يُرى وتارة لا يرى، والله عزّ وجلّ العالم بحقيقة الحال.
تاسعاً: قوله: (واحفظ فيه رسولك ووصيّ رسولك).
نلحظ في الدعاء أنّه بعدما دعا بالحفظ للإمام القائم عليه السلام في الفقرة السابقة، عاد هنا ليسطّر عبارة لا تقتصر على الدعاء لحفظ الرسول المصطفى في القائم، بل توسّعت فيه وانتقلت لتمتدّ إلى وصيّ المصطفى عليّ المرتضى عليهما صلوات الله وسلامه وبركاته.
والمقصود بذلك، كما يذكر بعض الباحثين، هو الإشارة إلى أنّ حفظ المبادئ التي جاء بها النبيّ الحبيب والوصيّ النجيب تتجسّد من خلال اضطلاع الإمام المهديّ عليه السلام بنشرها.
يُشار إلى أنّه قد ورد نحو هذا التعبير في زيارة آل ياسين وفيها جاء ما هذا لفظه: (واحفظ فيه رسولك وآل رسولك).
ونظير ذلك أيضاً ورد في دعاء الإمام الرضا لصاحب الأمر عليهما السلام، وإليكم نصّه: (واحفظ فيه رسولك وآباءَه وأئمّتك ودعائم دينك).
ولا يخفى على أهل الدراية دلالة هذه الصيغ على أهميّة الإمامة وعظيم شأنها، كونها المعبّر الحقيقي للخلافة الإلهيّة والامتداد الطبيعي للرسالة الخاتمة.
وفي ضوء ذلك فإنّ تشابه مضامينها وتماثل فحواها تجعلنا نستقرب أنّ الكلام عن شخصيّة معيّنة واحدة لا متعدّدة.
عاشراً: قوله: (اللّهم مدّ في عمره، وزد في أجله).
الدعاء له بتطويل عمره الشريف سلام الله عليه يقتضي طول فترة حكمه ومدّة سلطانه، ويهدف إلى امتداد فترة العدل المبسوط على الكون.
وينبغي التنويه إلى أنّ الأخبار اختلفت في مدّة سلطانه وتفاوتت في ضبط أيّام ملكه. وقد حاول بعض أساطين علم الدراية الجمع بينها بتأويلها على أساس اختلاف فترة حكمه واستقرار ملكه. راجع: البحار:٥٢/ ٢٨٠، وعوالم العلوم للشيخ عبد الله البحراني:٤/ ٣٤٢، إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي:٣/ ٥٨٤، وبشارة الإسلام في علامات المهديّ عليه السلام للسيّد مصطفى الحيدري:٢٦٧.
ولكن المرجّح عندي، موافقة لبعض الفطاحل والأفاضل، هي تلك النصوص المقرّرة بفحواها المعبّرة أنّ فترة حكمه عليه السلام ليست قصيرة، فراجع: عيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق:١/ ٢٣٨/ب٢٦/ح٢٢، تفسير العيّاشي للشيخ محمّد العيّاشي:٢/ ٣٠٥/ح٢٢، دلائل الإمامة للشيخ محمّد الطبري:٤٥٤/ ٤٣٣/ح٣٧.
إحدى عشر: قوله: (وزد في كرامتك له).
لعلّ هذا يرتبط بنحو من الأنحاء بما يُظهر الله الكريم على يديه من خوارق العادات وعجائب الكرامات، فقد ورد في خبر عبد الله بن أبي يعفور عن الإمام الصادق قال عليه السلام: (ما من معجزة من معجزات الأنبياء والأوصياء إلّا ويُظهر الله تبارك وتعالى مثلها على يد قائمنا، لإتمام الحجّة على الأعداء). مختصر إثبات الرجعة:ح١٤، إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات:٣/ ٧٠٠/ح١٣٧.
ثاني عشر: قوله: (اللّهم ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته).
تُشير الفقرة إلى طول فترة الغيبة الكبرى، وهو ما يتوافق مع التوقيع الأخير المُصرّح بطول فترتها. ولتأكيد هذه الفكرة ألحقها بفقرة: (ولا تُنسنا ذكره وانتظاره، والإيمان وقوّة اليقين في ظهوره، والدعاء له والصلاة عليه حتّى لا يُقنّطنا طول غيبته من ظهوره وقيامه).
دقّق معي في أنّه ذكر انتظاره في غيبته عليه السلام، وطلب استمرار الإيمان وزيادة اليقين في ظهوره، والبقاء في الدعاء له والصلاة عليه، لكي لا يقنطنا امتداد فترة الغيبة وتطاول أيّامها من أمل ظهوره بعد تلك الغيبة. والمظنون تلازم هذه الأمور مع بعضها، ومن ثمّ فإنّ الجدّ في تطبيقها يخفض حدوث القنوط.
ثالث عشر: قوله: (واجعلنا في حزبه وأعوانه وأنصاره، والراضين بفعله).
وفي هذا تتجلّى الإشارة إلى الاقتصار عليهم وتستبطن عدم الانضمام إلى الأحزاب الأخرى وتأييدها مهما ادّعت من قرب ونبل وزعمت من تمثيل.
ولعلّ ممّا يلائم ذكره في هذا المضمار ما جاء في خبر أبي حمزة الثمالي عن الإمام الصادق عليه السلام، قال الثمالي: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: (إِيَّاكَ وَ الرِّئَاسَةَ وَ إِيَّاكَ أَنْ تَطَأَ أَعْقَابَ الرِّجَالِ ، قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ أَمَّا الرِّئَاسَةُ فَقَدْ عَرَفْتُهَا وَ أَمَّا أَنْ أَطَأَ أَعْقَابَ الرِّجَالِ فَمَا ثُلُثَا مَا فِي يَدِي إِلَّا مِمَّا وَطِئْتُ أَعْقَابَ الرِّجَالِ، فَقَالَ لِي: لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ، إِيَّاكَ أَنْ تَنْصِبَ رَجُلًا دُونَ الْحُجَّةِ فَتُصَدِّقَهُ فِي كُلِّ مَا قَالَ). الكافي:٢/ ٢٩٨/كتاب الإيمان والكفر/باب طلب الرئاسة/ح٥. ومثله بتفاوت بسيط وبسند آخر في معاني الأخبار للصدوق:١٨٠/باب معنى قول الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: من طلب الرئاسة هلك/ح١ وفيه: (فقال: ليس حيث تذهب إليه، إنّما ذلك أن تُنصّب رجلاً دون الحجّة فتصدّقه في كلّ ما قال وتدعوا النّاس إلى قوله).
والشطر الآخر من الدعاء ذكر عبارة (والراضين بفعله) وربّما هو إلماح وتنبيه لنا، لكي لا نقع فيما ستقع فيه شريحة معاصرة له عليه السلام، فقد نطقت بعض الأخبار نكوص بعض المصاحبين له واعتراضهم على غريب سياسته ومساحة قصاصه، أي: إنّهم سينقلبون حينما يرون التطبيقات الجزائيّة والاجراءات القضائيّة. راجع: غيبة النعماني:٢٣٨/ب١٤/ح١٨، وعقد الدرر:٢٨٧/ب٩/ح٣٤٦، وبشارة الإسلام:٣٠٧.
أعاذنا الربّ من سوء المنقلب.
رابع عشر: قوله: (وأظهر به الحقّ وأمت به الباطل).
الفقرة هذه توحي أنّه سوف لا يكتفي بإظهار الحقّ ونشره، وإنّما سيميت الباطل ويجهز على المعاندين المتلبّسين به والمصرّين على عدم تركه.
خامس عشر: الدعاء للمؤمنين: (وأنقذ به عبادك المؤمنين من الذلّ). وفيه دلالة على أنّ المؤمنين في الغيبة الكبرى يعيشون الذلّ، وقد ورد أنّ الموالين سيمرّون في حالة من الضعف بحيث لا يكون لهم سناد يستندون إليه في أمورهم ولا شرف يرقونه. راجع: روضة الكافي:٨/ ٢٦٣/ح٣٧٩، غيبة النعماني:١٩٨/ ب١٠/ح٥.
سادس عشر: قوله: (واقتل به جبابرة الكفر، واقصم به رؤوس الضلالة).
لقد وصف عليه السلام، في بعض الأخبار، أنّه القائم بالسيف، كما لقّب بالمنتقم، والمعنى أنّه المنتقم من أعداء الله تعالى. راجع: مختصر إثبات الرجعة: ح٢ و٣ و٤ و٧، والكافي:١/ ٥٣٤/كتاب الحجّة/باب فيما جاء في الإثني عشر/ح١٩، وغيبة النعماني:٩٦/ب٤/ح٢٦، وفرائد السمطين:٢/ ٣٢٠/ب٦١/ح٥٧١، والنجم الثاقب للنوري:١/ ٤٩٢/ب٥.
سابع عشر: قوله: (وجدّد به ما امتحى من دينك، واصلح به ما بُدّل من حُكمك، وغُيّر من سنّتك).
هذا مؤشّر واضح وخطير على وجود تغيير السنن والتلاعب بالشريعة والعقيدة إلى ما قبل عصر الظهور، ولا يقضي على هذه الظاهرة تمام القضاء غير داعي الله وربّاني آياته وترجمان كتابه الحجّة بن الحسن عليهما السلام، ولذا أردف قوله بالتالي: (حتّى يعود دُينك به وعلى يديه غضّاً جديداً صحيحاً لا عوج فيه ولا بدعة معه، حتّى تُطفئ نيران الكافرين).
فعودة الدِّين الحقيقي تكون في زمنه صلوات الله وسلامه عليه.
نعم، هو من سيعيد دين الله إلى نقائه، وسيقضي تماماً على الخزعبلات والمخترعات الدخيلة، وبسياسته الحكيمة سيتمّ تطبيق تعاليم الشرع الصحيحة على اليابسة إلى أن تنهدم أوكار الأبالسة وتخمد أفكار الزمر الممالئة.
ومن المعلوم عندكم أنّه قد تعاضدت الأخبار وتظاهرت الروايات في أنّ ظهور دّين الإسلام لا يظهر على كافّة الأديان إلّا على يد بقيّة الله المهديّ الفاطميّ، وفي تفسير الآية الثالثة والثلاثون بعد البسملة من سورة الحديد: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}، قال أهل البيت عليهم السلام: (والله ما جاء تأويلها حتّى يخرج القائم المهديّ عليه السلام). الكافي:١/ ٤٣٢/كتاب الحجّة/باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية/ح٩١، تفسير العيّاشي:٢/ ٩٣/ح٥١.
وروى الأخوة من أهل الجمهور عن سعيد بن جبير في تفسير نفس الآية أنّه قال: «هو المهديّ من عترة فاطمة عليهما السلام». البيان في أخبار صاحب الزمان للشيخ محمّد الكنجي الشافعي:١٥٥/ب٢٥، والفصول المهمّة في معرفة الأئمّة للشيخ عليّ بن محمّد بن المالكي الشهير بابن الصبّاغ:٢/ ١١٢٢/ف١٢. وراجع قول التابعي إسماعيل السُّدّيّ في تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) للشيخ محمّد القرطبي:٨/ ١٢٢.
ومن كلّ ما تقدّم نفهم أنّ القول بأنّ الدِّين لا يحتاج منّا أن ننصره وندافع عنه، قول يفتقد الدقّة.
ثامن عشر: قوله: (فإنّه عبدك الذي استخلصته لنفسك وارتضيّته لنُصرة نبيّك، واصطفيته بعلمك، وعصمته من الذنوب وبرّأته من العيوب، وأطلعته على الغيوب، وأنعمت عليه، وطهّرته من الرجس ونقّيته من الدنس).
يُستفاد من هذه الجملة وجهان:
الوجه الأوّل: أنّها تقرّر بجلاء أنّه عليه السلام من أولياء الله المتّقين وخاصّته المقرّبين المؤهّل للقيام بدور يطابق دور المرسلين، وقد أُوكلت إليه مهمّة إحياء كلّ تعاليم النبيّ صلّى الله عليه وآله ومبادئه.
الوجه الثاني: أنّها تنحت في الوعي وتغرز في الإدراك أنّ تحركه عليه السلام وَحْيَاني، وتصرّفه ربّاني، فلا أخطاء في أحكامه، ولا اعوجاج في تطبيقاته، ولا خلل في ممارساته.
تاسع عشر: قوله: (اللّهم فصلّ عليه وعلى آبائه الأئمّة الطاهرين، وعلى شيعتهم).
لقد روي عن الإمام الصادق في تفسير الآية السادسة والخمسون بعد البسملة من سورة الأحزاب: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. قال عليه السلام: (الصلاة من الله عزّ وجلّ رحمة، ومن الملائكة تزكية، ومن النّاس دعاء، وأمّا قوله عزّ وجلّ: {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} فإنّه يعني التسليم له فيما ورد عنه). معاني الأخبار للصدوق:٣٦٨/باب معنى الصلاة من الله ومن الملائكة ومن المؤمنين على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم/ح١.
وأمّا الصلاة على شيعتهم فليس ببدعة وإليها الإشارة في الآيات ١٥٦-١٥٧ من سورة البقرة حيث قال سبحانه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.
ومن المهمّ أن ندرك بعمق أنّ هذا المقطع يشهد لخطّ أتباع أهل البيت الإماميّة الإثنا عشريّة بالحقّانيّة، وبالتالي هذا يستدعي النجاة الأُخرويّة والسعادة الأبديّة.
ويا لها من نعمة عظيمة وفرحة عارمة للمتشيّعين، وبشارة رائعة للموالين.
عشرون: قوله: (اللّهم إنّا نشكو إليك فقد نبيّنا، وغيبة وليّنا، وشدّة الزمان علينا، ووقوع الفتن بنا، وتظاهر الأعداء علينا، وكثرة عدّونا، وقلّة عددنا).
لا يخفى عليكم تطابق هذه العبائر أيّما مطابقة مع ما ورد في دعاء الافتتاح.
ولا بدّ أنّ فكركم الوقّاد لاحظ تجانس محتوى الفقرة مع بعض الفقرات التي مرّت، وقد جاء فيها من التأكيد على ما ذكرناه، من قبيل الصعوبات والمصائب وتآزر الأعداء والفتن والضعف والهوان الحاصل قبل ظهور القائد المأمول.
واحد وعشرون: تكرار مضمون الفرج بقوله: (اللّهم فافرج ذلك بفتح منك تُعجّله، ونصر منك تُعزّه، وإمام عدل تُظهره).
العبارة هنا تكرار لما وثّقناه آنفاً وهو أنّ مسألة ظهور الفرج ترجع إليه سبحانه. ولذا سلّط الدعاء بعدها مباشرة الضوء على فقرة: (اللّهم إنّا نسألك أن تأذن لوليّك في إظهار عدلك في عبادك، وقتل أعدائك في بلادك).
ويجدر التنبيه على أنّ عندنا أكثر من نصّ يُصرّح ويلوّح بأنّ المقصود من (إمام العدل) هو المعصوم لا غيره من الرجال. راجع على سبيل التذكير: بصائر الدرجات للشيخ محمّد الصفّار:٢/ ٤٨/ب٧/ح٨، مختصر إثبات الرجعة: ح٣٥، كشف الحقّ للخاتون آبادي:١٥٩-١٦٠/ح٣٥ و٣٦.
وفي ضوء ذلك، فإنّ الفقرة السابقة الحاكية أنّ إظهار العدل في العباد يتمّ على يد وليّ الله المبارك، شاهدة على ذلك.
إثنان وعشرون: قوله: (ولا راية إلّا نكسّتها، ولا شجاعاً إلّا قتلته، ولا جيشاً إلّا خذلته).
هذه عناصر الإنحراف والتضليل والتحدّي، وتوحي العبارة بوجودها في عصر الظهور، أعني: رايات الضلال، والقوى الغاشمة المتمثّلة بالمقاتلين الشجعان والجيوش المسلّحة.
ثلاث وعشرون: قوله: (وعذّب أعداءك، وأعداء دينك، وأعداء رسولك، بيد وليّك وأيدي عبادك المؤمنين).
ذكرنا في مطاوي البحث بأنّه قد جاء في الدساتير الشرعيّة والأنباء أنّه عليه السلام المنتقم من الأعداء. علماً، بحسب ما يُفهم من موروث المدرستين، أنّ قضيّة الانتقام سوف لا تكون سيرة مستدامة، كما أنّ فترتها ليست طويلة.
أربعة وعشرون: قوله: (اللّهم اكف وليّك وحجّتك في أرضك هول عدّوه، وكد من كاده، وامكر من مكر به، واجعل دائرة السوء على من أراد به سوءاً، واقطع عنه مادّتهم، وارعب له قلوبهم).
هذه العبارات إن كانت تتحدّث عن فترة ما قبل ظهور الحجّة، فهي بلا شكّ تعطي انطباعاً لدى القارئ أنّ الإمام المهديّ يمكن مُشاهدته، والّا كيف ندعو بذلك الدعاء لمن هو غائب عن الأنظار ولا يمكن إلحاق الأذى به وإيصال الضرر إليه؟!
وبالنسبة لقضيّة (الرعب)، فإنّ مصادر الطائفتين لم تبخل في سرد بعض تفاصيله، وقد كشفت أنّ الإمام المهديّ يُنصر بالرعب ويسير بين يديه. راجع: كمال الدّين:١/ ٣١٣/ب٣٢/ح١٦، البحار:٥٢/ ١٩٢/ب٢٥/ح٢٤، الفتن للشيخ نُعيم بن حمّاد:٢٧٣/ح١٠١٣، الملاحم والفتن للسيّد عليّ بن طاووس: ٥٨/ب١٣٠.
ومن نافلة القول، أنّ الأحاديث المذكورة في المصادر الإسلاميّة قد أثبتت أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان منصوراً بالرعب أيضاً، ونكتفي بذكر مصدرين للتطمين. راجع: الخصال للشيخ الصدوق:٢/ ٤٦٥/ب١٠/ح١، صحيح البخاري: ١/ ٨٦/باب التيمّم.
خمسة وعشرون: قوله: (اللّهم وأحي بوليّك القرآن، وأرنا نوره سرمداً لا ظلمة فيه، وأحي به القلوب الميّتة، واشف به الصدور الوغرة، وأجمع به الأهواء المختلفة على الحقّ، وأقم به حدودك المعطّلة، والأحكام المهملة، حتّى لا يبقى حقّ إلّا ظهر، ولا عدل إلّا زهر).
فقرات وايحاءات لا تناور، وإنّما تدقّ في الصميم وتقصد الجوهر، بدأت بالكتاب العزيز وتومئ إلى أنّ التفاسير الموجودة للقرآن غير كافية ولا شافية.
ثمّ تناولت حقيقة الأهواء المُتفرّقة المُنساقة وراء ميول النفس ورغباتها المُبتعدة بذلك عن الصواب.
وبطبيعة الحال، فإنّ من فوائد الظهور إصلاح هذا الجانب وجمع أغلب المذاهب والعاطلة والآراء الكاسدة على الحقّ من خلال الدعوة الحكيمة والموعظة الحسنة والكلمة البليغة والأسلوب الرسالي والحجج الناهضة والبراهين القاطعة.
ثمّ تحدّثت عن الحدود الشرعيّة المُعطّلة والأحكام الإسلاميّة المُهملة، وكلّنا يعلم من هو السبب وراء تفشّي هذه الظاهرة الهابطة في بلداننا الإسلاميّة ومراكزنا الإيمانيّة.
ولا ريب أنّ إصلاح هذه القضايا وعودة المجتمع إلى الأجواء المثاليّة لا يمكن أن تتحقّق آلّا بظهور منقذ الأمّة وأملها المرتقب وغياث الدّين والماء المعين المهديّ بن الحسن الزكي عليهما وعلى آبائهما السلام في كلّ حين.
ستة وعشرون: قوله:(واجعلنا يا ربّ من أعوانه ومقوّي سلطانه، والمؤتمرين لأمره، والراضين بفعله، والمسلّمين لأحكامه، وممّن لا حاجة له به إلى التقيّة من خلقك).
رجاء عظيم بأن نكون من خدّام دولته وجنودها المستبسلين للذود عنها.
كما يطلب الدعاء أن نكون مسلّمين لأحكامه، حيث إنّ تطبيق أحكامه حينئذٍ قد تهول البعض، كما ذكرنا، فلا يتحمّل رؤيتها فينحرف.
ويشير الدعاء في ذيل الفقرة إلى بقاء زمان التقيّة واستمرار العمل بها لحين ظهور القائد العادل سليل الأنبياء وحفيد الأوصياء.
سابع وعشرون: قوله: (فاكشف يا ربّ الضرّ عن وليك، واجعله خليفة في أرضك كما ضمنت له).
هذه الفقرة تشعر بإمكان إيصال الضرر إليه، وقد تطرّقنا لهذه الجنبة.
وأمّا لفظة (الخليفة) فالدعاء يعبّر عن آخر الخلفاء، وخلافته عليه السلام هي امتداد لخلافة خلفاء الله تعالى في الأرض.
ثامن وعشرون: قوله: (اللّهم ولا تجعلني من خصماء آل محمّد، ولا تجعلني من أعداء آل محمّد، ولا تجعلني من أهل الحنق والغيظ على آل محمّد، فإنّي أعوذ بك من ذلك فأعذني، واستجير بك فأجرني).
جملة تستحقّ تكرارها بين فينة وأخرى لما لها من آثار، ففيها تصوير من جميع الجهات لمنزلة الآل الأطهار، وتنطوي على معان دقيقة من حيث بيان موقعيّة أهل الذكر، ولا أدري كيف يجرأ من يتمتّع بعقل سليم على معاداة هذه الشجرة الطيّبة؟!
وقطعاً لا منجاة لمن يناصب ذوي القربى ويخاصم العترة الزكيّة، ولا خلاص لمن يستخدم ضدّهم ضروب الإقصاء والانتقاص.
تاسع وعشرون: قوله: (اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد، واجعلني بهم فائزاً عندك في الدّنيا والآخرة ومن المقرّبين).
يختم الدعاء فقراته بصلاة غير بتراء، وينصّ فيها على أنّ الفوز في الآخرة والقرب من الله عزّ وجلّ، لأجل مولاة النبيّ الأمين والطاهرين من آل ياسين عليهم صلوات ربّي وسلامه أجمعين.
في ختام هذه الإطلالة الهادئة والجولة المتأنيّة نشكر الأخ الحاج أمين العلي على جهوده في ترتيب البحث، ونحمد لله على فضله العظيم ومنّه العميم في إتمام هذه السطور، والصلاة والسلام على المرسل رحمة للعالمين النبيّ المختار وعلى آله النجباء البدور.