يمرّ العراق بأزمة مالية خانقة، أدّت إلى تأخّر صرف الرواتب للموظفين والمتقاعدين، ومن الطبيعي أن هذه الأزمة لها تداعيات وانعكاسات كثيرة وخطيرة على الحياة المعيشية للمواطنين. وفي الحقيقة أن هذه الأزمة هي نتاج طبيعي للفساد وسوء التخطيط والتخبط والعشوائية وفوضى الحكومات التي توالت على حكم العراق بعد الاحتلال، وقد حذّر الكثير من الخبراء والاقتصاديين وأصحاب الاختصاص والسياسيين وقبل سنوات، بأن العراق سيواجه هذه الأزمة، ولكن الحكومات لم تُعر اهتمامًا إلى ذلك التحذير وتلك النصائح، واستمرت في سياسة التخبط والفوضى والفساد.
إن قصة الفساد في العراق يعرفها القاصي والداني، والجميع يعرف من هم الفاسدون، ومن الذي يسرق المال العام، وبالتالي لم يعد الكلام مجديًا عن الفساد لأنه صار واقع حال وثقافة مجتمع ، فلم العجب بما نحن فيه من أزمة؟ فأكثر واردات الدولة تُهدر وتُصرف بدون وجه حق، وتذهب إلى جيوب الفاسدين، فلا رقيب على المال العام في العراق والى أين يذهب؟
ومن المفيد أن نذكر هنا بأن العراق، وبسبب العقوبات الاقتصادية التي فُرضت عليه بعد غزوة الكويت المشؤومة، يدفع رواتب تقاعدية تصل إلى الملايين من الدولارات شهريًا منذ عام 1991 ولحد الآن ، إلى مواطنين من دول وجنسيات مختلفة كانوا يعملون في الكويت أثناء الغزو، بحجة أنهم تضرروا من ذلك الغزو، ولم تفكّر الحكومات العراقية بمتابعة هذا الموضوع مع مجلس الأمن في محاولة لقطع تلك الرواتب لأنها تُؤخذ بدون وجه حق؟ والغريب أن الكل يعرف هذه الحقيقة المرّة، وأولهم أمريكا، التي فتحت أبواب العراق بعد الاحتلال مشرعةً أمام العالم لنهب وسلب خيرات العراق، كلٌّ حسب طريقته.
إن الكثير من الدول تمرّ بأزمات مالية مثل أزمتنا أو حتى أكبر منها، ولكن الإرادة الوطنية لدى رؤساء تلك الدول والحكومات، وصدق تعاملهم و وطنيتهم وحبهم لوطنهم وحرصهم على أن يضعوا مصلحة الشعب أولًا، استطاعوا أن يتجاوزوا تلك الأزمة، مثال على ذلك رئيسة كرواتيا السيدة (كوليندا غرابار كيتاروفيتش)، التي تولّت رئاسة الحكم في كرواتيا للفترة من (2015 – 2020)، ولربما يعرفها ويتذكرها الكثيرون لأنها شدّت إليها أنظار العالم بجمالها اللافت، ولحبها لفريق كرة القدم الكرواتي عندما حضرت مونديال عام 2018 لتشجّع الفريق الكرواتي الذي أحرز المركز الثاني في البطولة!.
هذه المرأة الحديدية أثبتت للعالم أجمع حبّها لشعبها و وطنيتها الصادقة في كيفية معالجة الأزمة المالية التي كانت تمرّ بها كرواتيا، وذلك من خلال اتخاذها إجراءات اقتصادية ومالية قوية ، والشيء الرائع والجميل أنها طبّقت تلك القرارات والإجراءات على نفسها وعلى أعضاء حكومتها أولًا، لتنهض بالاقتصاد الكرواتي وتتجاوز الأزمة، (( فكان أول شيء قامت به هو خوض حرب شاملة على الفساد، وأوقفت الفاسدين دون استثناء، وأخضعت كل من يثبت فساده للمساءلة القضائية مهما كان عنوانه ومنصبه، وخاطبت الشعب بتحدٍّ واضح وثقة عالية قائلة بأنها لن تقترض من البنك الدولي حتى لو ماتوا جوعًا!.
ثم قامت ببيع الطائرة الرئاسية الخاصة وأدخلت ثمنها إلى الخزينة، وفي حال سفرها كانت تحجز على مقاعد الدرجة العادية كحال أي مواطن عادي، وكذلك باعت 35 سيارة مرسيدس مخصّصة للوزراء وأدخلت ثمنها إلى الخزينة، كما خفّضت راتبها الشخصي إلى حدّ 30%، وهو ما يعادل متوسط أجور المواطن تعبيرًا عن العدالة والمسؤولية ، وقامت بإلغاء العلاوات والحوافز الممنوحة للوزراء وأعضاء السلك الدبلوماسي، وقلّصت عدد السفارات والممثليات والقنصليات في الخارج للحدّ من الإسراف والحفاظ على العملة الصعبة، وألغت الضرائب على محدودي الدخل، واتخذت قرارًا بعدم بيع وخصخصة مؤسسات القطاع العام الاستراتيجية، باعتبار أن ثروات الدولة هي ملك للشعب. انتهى.
ونسأل هنا: أمام الأزمة المالية العاصفة التي يمرّ بها العراق، هل تفكّر الحكومة العراقية (برئاساتها الثلاث)، وقادة الأحزاب والزعامات السياسية، باتخاذ ولو إجراء واحد مثل الإجراءات التي اتخذتها رئيسة كرواتيا؟ ولماذا الشعب العراقي دائمًا هو الذي يضحّي من أجل الحكومة وأحزابها؟ ولماذا هم لا يضحّون ولو بدينار واحد من مدخولاتهم الخرافية التي تصل إلى المليارات، من أجل أن يشعر المواطن بأنهم يشاركون الشعب في كل شيء؟
أليس المفروض بهم أن يكونوا هم القدوة في التضحية والإيثار من أجل مصلحة الوطن والشعب؟ والسؤال الكبير: ما الذي يختلف فيه رؤساء حكوماتنا عن رئيسة كرواتيا؟ فقادة أحزابنا السياسية ورؤساء حكوماتنا يتكلمون بالدين ومخافة الله، وبالدستور، وبالوطنية، وبحب العراق وحب الشعب ليل نهار، ورئيسة كرواتيا لم تتكلم بالوطنية كثيرا، بل ترجمت وطنيتها وحبها للوطن والشعب إلى أفعال ، فما أسهل القول وما أصعب الفعل.!
وبالوقت الذي حظيت به الرئيسة (كوليندا) بكل التقدير والاحترام من العالم، الذي انحنى ورفع القبعة لها، قال ترامب عن حكوماتنا وزعاماتنا السياسية، وهو يشير إلى الرئيس السوداني الذي بذل الغالي والرخيص من أجل أن يحظى بمقابلة الرئيس الأمريكي ترامب لعشر دقائق!، قال بأن لديهم مالًا كثيرًا، ولكنهم لا يعرفون كيف يتصرفون به!!؟ ولله الامر من قبل ومن بعد.