الحجاج في ديوان نفحات من الوادي المقدس للشاعر (إبراهيم محمد حسين الكعبي)

الحجاج في ديوان نفحات من الوادي المقدس للشاعر (إبراهيم محمد حسين الكعبي)

امتلك الشاعر إبراهيم محمد حسن الكعبي في مجموعته "نفحات من الوادي المقدس" بصمة أسلوبية عززت قدرته الشعرية، وأظهرت تمكنه في أسلوب الاحتجاج باعتباره وسيلة أساسية من وسائل الإقناع، فدخل جدليات التاريخ عبر رموز أهل البيت "عليهم السلام" ومناسباتهم الزاكية، وأحداث تمخضت عبر الصراعات الفكرية فرضت على كل مفكر وأديب التمسك بهويته وانتماءاته الروحية، ليقرا التاريخ قراءة صحيحة ويبرز المثالب السياسية التي سعت لتشويه المعنى الحقيقي لوجود أهل البيت "عليهم السلام" وما تعرضوا له من جور واضطهاد.
يقول الشاعر إبراهيم الكعبي (إن ديواني مكرس لنصرة الحق) والنصرة تحتاج إلى عقلية مبصرة مستوعبة لأحداث التاريخ، وتفهم البؤر الفكرية لتمنح الموضوع حيوية التحاور مع الواقع الفكري التاريخي، وانعكاساته على المجتمع الإسلامي تخلق مساحات تأثيرية عبر وسيلة إقناع المتلقي، هو لا يتعامل مع التاريخ كرجل تاريخ، وإنما يشتغل بمؤثر فكري له حوار في خطابه الذي عبر عنه بـ (النفحات) واستثمر باب المديح والرثاء والفخر ليبرز معاناة نبي الإسلام وأهل بيته وما تعرضوا له من أذى، عبر مبدأ النصرة ليصل إلى روحية المتلقي وعقله وقلبه.
تبنى قسم الشؤون الفكرية والثقافية للعتبة العلوية المقدسة هذا المشروع، عبر مسعاه الثقافي بدعم موهبة منتسب مبدع من منتسبي العتبة العلوية المقدسة ولترسيخ مفهوم الولاء وقراءة المواقف التاريخية والآراء بأسلوب إبداعي مؤثر.

يعتمد أسلوب الشاعر إبراهيم الكعبي على قراءة التاريخ رموزا وأحداثا وإبراز هوية الجانب الآخر من القضية؛ الجانب المظلم من التاريخ، ما فعل الجناة بهذه الرموز من مصائب، وإظهار حقيقتهم كي لا ينخدع الناس في مؤثرات التحريف واستعمل أسلوبا سلسا في عرض هذه الومضات
 (ولكن حان من بعض خمول
                          فصاروا معشرا في البغي لدا
وحرّف منهج الهادي ومدا
                          لهم شيطانهم في الغي مدا
يحاول أن يشوه نهج طه
                           لينفي عنه إصلاحا وزهدا)
تبدأ المحاجة بكشف المشكلة أولا ثم عرضها عبر الصور التاريخية والأحداث الكبيرة التي سعى التاريخ المنحرف إلى إخفاء معانيها لمعرفة جوهر القضية
 (وصوره على خطأ كبير
                    كأن له على المختار حقدا
بحادثة النخيل وفي اقتراح
                   محمد في لقاح التمر ردا)
يشير الشاعر لقضية تاريخية مهمة، لا بد أن نقف عندها لنقرأ رسالته، فقد ركز أعداء الإسلام على تشويه معالم العصمة وجوهرها، أشاعوا أن عصمة النبي "صلى الله عليه وآله" في أمور الدين فقط، وهو غير معصوم في أمور الدنيا، والهدف التفريق بين شخص النبي وشخصيته، وبين رسالته وزعامته، لنهمل تعاليمه الحياتية ومنهجه الحياتي، كأنه منفصل عن نبوته وحكمته، فهو نبي له عصمة الدين في أمور الدين، وأما في أمور الحياة كرجل عادي تنقصه الكثير من خبرة الحياة.
هذه الفكرة أشيعت بشكل مدروس، أوردوا نصا تاريخيا عن رافع بن خديج قال: قدم نبي الله "صلى الله عليه وآله وسلم" المدينة وهم (يلقحون النخل) قال ما تصنعون؟  قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا، تركوه فجاء التمر رديئا؛ قال مبررا إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوه واذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر؛ وعند أنس (أنتم أعلم بأمر دنياكم) روايات مضطربة، وإلا هل يعقل أن يجهل النبي مثل هذه المعلومة وقد فصلها القران إذ جعل الله الثمرات الزوجين اثنين والرياح اللواقح، وأن كان لا يعلم فليس من طبيعته التدخل فيما لا يعنيه، هذه الخصلة يعتبرها النبي من حسن إسلام المر أن لا يتدخل فيما لا يعنيه، والقران الكريم يقول لا (ينطق عن الهوى).
نبي وخاتم الأنبياء يقدحون في إدراكه فهي رواية من تلفيقات أعداء الله، إساءة لشخصية النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" والشاعر إبراهيم الكعبي، يرى من حقه الرد والدفاع، وهذا الرد يحفز الوعي الإنساني ليقرأ التاريخ ويتماهى به مع الأمم، مدركا الفارق بين معاملة الأمم لأنبيائهم ومعاملة العرب بخاتم الأنبياء "صلى الله عليه وآله وسلم"
 (يحق لنا الدفاع إذا غريب
                يحاول أن ينال ويستبدا
ولكنا فعلنا مثل هذا
                         ومهدنا لنهج قد تردى
فذا عيسى المسيح مضى حميدا
                          ولم يخدش له أهلوه جلدا
وأعلوه غلوا في مقام
                          ليصبح عندهم للرب ندا
ومنا باخسون لحق طه
                         وعيسى من فضائله استمدا)


فهو يناقش ويحاور ويبين أن الفارق كبير بين حقيقة الرمز الرسالي العظيم ومعاملة المجتمع العروبي معه، سعيا للدفاع الذي هو سبيل النصرة والإقناع، وسعي لتحصين المتلقي من بؤر التاريخ الملغومة، فهو ابن النجف الأشرف الزاخرة بالعلم والمعرفة والتاريخ، مكتبات عامرة بالنور والوعي ومجالس ومدارس ومنابر سخرت له حقول قراءات خصبة قادره على خلق المقاربة والمقارنة والاشتغال بحيوية المنطق العقلي المقبول لبلورة الرؤية.
 (طه الذي صف كل الأنبياء له
                     في يوم معراجه من خلفه زمرا
ترى مريديهم يستنكرون له
               كأن عهدا من الباري لهم سطرا
وما له بينهم ند يقابله
        إذ لم أر الليل يوما يشبه القمرا)

يقوم موضوعه الشعري على التاريخ شخوصا وأحداثا، ليكون دليلا على أحقية المعنى الجلي، وفهم مغاليق الموروث الرسمي الذي سخرته السياسات، ومنها سلطة القبيلة والدولة وقوة الانحراف السلطوي، سعيا لصناعة الموقف (اليقظة الاجتماعية) فما زال التاريخ الرسمي ملوثا بحاجة إلى تسخير الطاقات الثقافية لتصحيح المسارات القيمية وإعادة سطوة الحقيقة، بمعنى تسخير العالم الداخلي للنص الشعري لقراءة خارج النص بوعي، نحن نقرأ النص ونغوص في ثناياه وندرك فضاءاته الشعرية باعتباره رسالة معرفية وجدانية، نجده يستدرج الوعي عبر عدد من المعاني المهمة
 (المعنى الأول)
 (حقيقة لأولي الأبصار واضحة
                         فما نبالي من الأعمى إذا نكرا
سيعلم الناس ممن لا خلاق لهم
                       عقبى العناد اذا ميقاتهم حضرا
يبعث آخر أبناء النبي ومن
                 من بعض أجناده عيسى المسيح يرى)
مخاض فكري وجدل كبير يمر في ذهن المتلقي؛ كيف تعاملت قريش مع نبوءات النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" وخاصة عن قضية المهدي المنتظر، وهم تنكروا لجده أمير المؤمنين في غدير خم، يخبرهم بأحداث آخر الزمان ليبين لهم أثر أهل البيت "سلام الله عليهم" وليكونوا على وعي وبصيرة، ولتكون قضية أهل البيت بدء من تولية أمير المؤمنين والأئمة الاثني عشر وختاما بنهضة المهدي صاحب الزمان.
يبحث في شعره عن بؤر التاريخ، فيثبت أن نكران الحقيقة هي نتيجة من نتائج العمي والعناد، فقد واجهت قريش دعوة النبي بعناد شديد، والعناد الحقيقي هو رفض دعوة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" رغم يقين بعضهم بصدق دعوة نبوته.
قصائد تقرأ الواقع الفكري لأحداث التاريخ، دلالات محمولة بأفكار هي خلاصة إيمان الشاعر بأحقية هذه الرموز المقدسة والمحصنة بأحداث تضحوية لها شواهدها التاريخية.
(المعنى الثاني)
 (يوم له في بني نجران باهلهم
                 بخير من جعلت أرض بخير ثرى
بفاطم وعلي وابنها حسن
                    مع الحسين الذي قد علم العبرا
فزلزل الأرض طه تحت أرجلهم
                      وقال قائلهم في الحال معتذرا
هذا النبي ومن يجحد نبوته
                         منكم يعذب بنار الله محتقرا)
تستند شعرية الكعبي على أحداث تاريخية مثل الحدث التاريخي (المباهلة) التي ذكرها القران الكريم في سورة آل عمران 61
(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبناءنا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)
حدث عام 9 هـ حين دعا النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" عليا وفاطمة والحسن والحسين للمباهلة فباهل بهم نصارى نجران للمحاججة في عيسى "عليه السلام" فلما لم يقتنعوا أنزل الله آية المباهلة "الملاعنة" بطلب نزول اللعنة على الكاذب.
هذه الأبيات القليلة من الشعر حملت دلالات قصص وأحداث تستفز ذهن المتلقي ليتذكرها ويأخذ منها العبرة؛ الشاعر إبراهيم الكعبي يبحث عن (مونة) الحدث التاريخي وليس تلك الأحداث كما يسردها رجل التاريخ.
 (المعنى الثالث... الموقف)
مستمسكين بمنهاج لعترته
                  قولا وفعلا نجافي كل ما حضرا
إذا افتخرنا به في الخلق أجمعهم
                    أو فاخرونا ذكرنا اسمه العطرا
أو قيل من تبرد النار الحميم له
                     قلنا لهم من بطه ذاب وانصهرا)
يركز في عملية الحجاج على عدد من الأساليب منها، التخاطب المباشر مع الرمز (محمد يا شعاع ليس يطفا)
وضمائر المخاطب، ونجد أن فلسفة الاحتجاج ترتكز على قوة الأنا وذوبانها في الأنا الجمعية مثل ضمير المتكلم الجمعي (إنا) (إذا افتخرنا) (ذكرنا) (قلنا) ومن محاسن الأسلوب الحجاجي إنه يفيد المتلقي في الأخبار المدعومة بالحجج، توسع له معلوماته من خلال جمالية انتقاء الحدث المتشعب في الرؤى، ولا بد من معاني أخرى مضافة إلى تلك المعاني التي ذكرناها مثل محاسبة النفس.
 (المعنى الرابع... الإقرار)
 (فامنن علي بكف منك سابغة
              بيضاء تمسح عني ذلك الأثرا
ألا وأن مقاما أنت صاحبه
                أجل من ملكوت الله مفتخرا
وهل تقاس بشيء أنت علته
وأنت أول ما عن ربنا صدرا)
القدرة على الربط الوثيق بين الشعر والتاريخ، والشاعر إبراهيم الكعبي ابتعد بشعريته عن القراءة النمطية للتاريخ، لهذا كان الأسلوب الحجاج الدافع للبحث عن جوانب التأثير والمؤثر الاقناعي عبر المحطات التي أطلقنا عليها اسم المعاني
 (المعنى الخامس... الحكمة)
 (ومن لم يحتسب يوما حسابا
                 لعقبى أمره لم يهد رايا
يزيد كمال عقل المرء حتى
                     يخبر بالذي تحوي الخفايا)
فلسف عبر الحكمة الموقف الذي عاشه ميثم التمار "رضوان الله عليه" ومفهوم المنايا والبلايا كعلم يثقف الذات باستباقية الرؤى بلغة جميلة، لنتأمل تعامله مع لغة التضاد
 (ومصلوبا على جذع قصير
                علوت فكنت أعلى الناس غايا
ملخص حياة ميثم التمار معروف عند المتلقي، لكن الشاعر الكعبي قدمها له عبر مفهوم الحكمة، كما عبر عن إمكانيته السردية في سرد الحدث التاريخي، فهو سرد لنا قصص رموزه لينقل حكاية التاريخ بإمكانية فنية، ينسج الحكاية التاريخية الواقعية ليمتع متلقيه ويستثمر مساحة المثل الذي هو عبارة عن حكمة الشعوب بحكمة المثل وقدرة الإيجاز.
 (وماذا أينجس فيض البحار
                    إذا الكلب في مائه يكثر)
يرسم مشاهد معبرة عن اهتمام الحسين عليه السلام بزائريه، مشهد إبداعي يصوغ بإتقان، يضيف إلى شعريته جمالية متوهجة بالأبداع ترسم في ذهنية المتلقي واقع  يتشكل عبر تلك المشاهد، والمشهد المتخيل هو أن السيد الشهداء الحسين "عليه السلام" يوصي حبيب بن مظاهر الأسدي رضوان الله عليه
(حبيب فسجل كبار الشيوخ
                  ولا تنس نسوتهم تذكر
ولا تنس تكتب أطفالهم
                    تقول بأنهم قصّر
فهم لذويهم لدينا شهود
            بأن ذويهم لنا أصحروا
وسجل بناتهم والشباب
               وثوب الحياء لهم مظهر
وكرر كتابة بيض اللحى
                   فسعيهم واجب يشكر)
ومثل هذا الحوار يستذكر محاسن الولاء وزيارة الحسين "عليه السلام" ويؤثر في روحية متلقيه، بما يمتلك من مجازات وتناصات تمثل الواقع التاريخي برؤى معاصرة.