التابوت بين الغيب والحضور: قراءة في الرمز الديني

التابوت بين الغيب والحضور: قراءة في الرمز الديني

لا تظهر الرموز الدينية في حياة الإنسان بوصفها أشياء جامدة، بل ككائنات معنوية تتجاوز مادتها، وتستقر في منطقةٍ رمادية بين الإيمان والخوف، وبين الحاجة الروحية والرغبة في الطمأنينة. ويأتي التابوت في مقدّمة هذه الرموز، لا باعتباره صندوقاً أو وعاءً، بل باعتباره فكرةً كثيفة الدلالة، تحضر كلما تراجع اليقين، وغاب المعنى، واحتاج الإنسان إلى علامة تؤكد له أن الغيب ما زال قريباً.
ومعنى كلمة "تابوت" في اللغة، هو الصندوق الذي يحرز فيه المتاع، أو الذي توضع فيه جثة الإنسان بعد موته. وقد وردت كلمة التابوت في القرآن الكريم في موضعين:
 الأول: في سورة البقرة، الآية: (٢٤٨) إذ قال سبحانه: [وَقَالَ لَهُمۡ نَبِیُّهُمۡ إِنَّ ءَایَةَ مُلۡكِهِۦۤ أَن یَأۡتِیَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِیهِ سَكِینَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِیَّةࣱ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ ...]. وهو بمعنى الصندوق الذي يحتوي على إرث النبوة من آل موسى وآل هارون.
والثاني: في سورة طه، الآية: (٣٩) حيث قال تعالى: [أَنِ ٱقۡذِفِیهِ فِی ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِیهِ فِی ٱلۡیَمِّ ...] وهنا بمعنى الصندوق الذي وضع الرضيع فيه. وفي كلا الحالتين يعدّ صندوقا لحفظ ما بداخله.
لكننا قد نرى رمزاً في جوهره، إذ يمثّل التابوت محاولة إنسانية لتجسيد اللامرئي. فالإنسان، منذ بداياته الأولى، لم يكتفِ بالإيمان المجرد، بل بحث دائماً عن أثر محسوس يربطه بما يعتقد أنه أسمى منه. ومن هنا، لم يكن التابوت رمزاً للحضور الإلهي بقدر ما كان رمزاً للحاجة إلى هذا الحضور. إن القداسة التي أُحيط بها لم تنبع من خشبه أو شكله، بل من الدور النفسي والروحي الذي أُسند إليه.
في السرديات الدينية، يظهر التابوت غالباً في لحظات القلق الجماعي، حين تتزعزع الثقة، أو تضعف الجماعة أمام الخوف أو الهزيمة. عندها يتحوّل الرمز إلى ما يشبه الضمانة، وكأن الإيمان، حين يضعف، يستعين بالرمز ليستعيد توازنه. هذه العلاقة الملتبسة بين الإيمان والرمز تكشف أن التابوت لم يكن دائماً تعبيراً عن قوة العقيدة، بل أحياناً تعويضاً عن هشاشتها. ففي بعض الأديان والمعتقدات، يدفن الميت مع التابوت! كما هو معلوم.
ومن هنا يمكن قراءة التابوت قراءة نقدية لا تنزع عنه قداسته، لكنها تفكك وظيفته. فالرمز الديني، حين يتحوّل إلى مركز للطمأنينة بدل أن يكون جسراً نحو المعنى يصبح خطراً. إذ يغدو الإيمان معلقاً بشيء لا بقيمة. ويغدو الغيب محصوراً في إطار مادي لا في وعي أخلاقي أو روحي. وفي هذه اللحظة، يبدأ الرمز في فرض سلطته، لا بوصفه دلالة، بل بوصفه بديلاً عن السؤال.
اللافت أيضاً أن التابوت غالبا ما يكون مغلقا، وأن ما بداخله لا يُرى، وهذا ما ذكرناه قبل قليل بأن وظيفته هي للاحتفاظ بما في داخله، وهذا الإغلاق ليس تفصيلاً عابراً، بل جزء أصيل من الرمز. فالمقدّس في المخيلة الدينية، لا يُكشف بالكامل، والاقتراب منه مشروط. غير أن هذا الغموض حين يُساء استخدامه، قد يتحوّل إلى أداة إخضاع حيث يُمنع السؤال باسم القداسة ويُصادر العقل بحجة احترام الغيب. وهنا يتحول الرمز من مساحة تأمل إلى حاجز صمت.
وفي زمننا المعاصر، لم يعد التابوت حاضراً بوصفه أثراً دينياً ملموساً، ويدخل الخوف على قلب من يراه لارتباطه بالرحيل من هذا العالم، بل يتمثل في أشكال أخرى: كتقديس الأشخاص وفي تحويل الأفكار إلى مسلّمات مغلقة، وفي الخوف من فتح "الصناديق" الفكرية التي تحتوي أسئلة محرجة. لقد تغيّر الشكل لكن الوظيفة بقيت فالبحث عن يقين جاهز يريح العقل من عناء التفكير.
إن قراءتنا للتابوت اليوم لا ينبغي أن تكون بحثاً عن موقعه التاريخي، بل عن معناه الرمزي المستمر. فهو يذكّرنا بأن الإيمان، حين يفقد روحه النقدية يبحث عن ملجأ مادي، وأن الغيب حين يُختزل في رمز يتحوّل من أفق مفتوح إلى حدود مغلقة. وبين الغيب والحضور، يقف التابوت شاهداً على صراع الإنسان الدائم بين التسليم والتساؤل، بين الحاجة إلى الطمأنينة وضرورة الوعي.
لعل القيمة الحقيقية لهذا الرمز لا تكمن في تعظيمه ولا في نفيه، بل في فهمه. فحين يُفهم الرمز يتحرر الإنسان من سلطته، ويستعيد قدرته على الإيمان الواعي، إيمان لا يحتاج إلى تابوت ليحمله، ولا إلى صندوق ليحميه، لأنه يسكن في العقل والضمير قبل أن يستقر في الذاكرة. 
لكن سيبقى التابوت بمعناه المادي يذكرنا بالرحيل عن هذا العالم، ولا بد من التهيؤ من الاستسلام بداخله والاستعداد لكي نفترشه كآخر موضع يحتوينا قبل الولوج الأبدي في الأجداث، وسنُحمل عليه فـ :
كلّ ابن انثى وإن طالت سلامته يوما على آلة حدباء محمول .