علم الجفر والجدل المعرفي

علم الجفر والجدل المعرفي

 هناك من يرى أن علم الجفر واحد من أكثر الموضوعات إشكالية في التراث الإسلامي، ولاسيما الذين ظنوا أنه يُحدث تداخلا بين النص الديني والتأويل الرمزي، ذلك لأن طبيعته هي الكشف عن مجريات التاريخ والمستقبل، بما يبدو وكأنه علم غيب. لكن مع ذلك حظي هذا العلم بحضور خاص في الذاكرة الشيعية الإمامية، ومنها انتقل بصيغ مختلفة إلى بعض التيارات مثل الصوفية والفكر الباطني. ومن هنا قيل: إنه من أكثر (العلوم الباطنية) إثارة للجدل في التراث الإسلامي. وهو يحظى اليوم بالانتباه، وتكمن أهمية دراسته في كونه ظاهرة معرفية وثقافية تعكس حدود العلاقة بين النص والغيب والعقل والتأويل. من هنا تؤمن مدرستنا الفقهية يقينا بصحته واعتمادا على حقيقتين:

الأولى: قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) علمني ألف باب من العلم، يفتح كل باب ألف باب، ولم يعلم ذلك أحدا غيري" (1) 

والثانية: قوله (عليه السلام): "ولولا آية في كتاب الله عز وجل لأخبرتكم بما كان وبما يكون، وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}"(2).
والجملة التي تجلب الاهتمام الشديد في الحديث أعلاه قوله (عليه السلام): "ولم يعلم ذلك أحدا غيري". ففي ذلك دلالة أكيدة على أن الله ورسوله خصوا الإمام علي (عليه السلام) به دون غيره من الناس.

الجفر لغة هو: جلد الجدي الصغير غير المدبوغ (3). ويشير في الاصطلاح إلى منظومة من المعارف الرمزية التي تقوم على الحروف والأعداد، تُستخدم لتأويل النصوص الدينية على خلاف الشائع عنها، ومن ثم ربطها بسير التاريخ والأحداث المستقبلية، ولكن ليس بشكل يقيني مطلق لأن لله تعالى إرادة لا يعلمها أحد، وهذا ما يُفهم من استشهاده (عليه السلام) بآية "يمحو الله ما يشاء".
من هنا ارتبط علم الجفر في مصادر مدرستنا بالإمام علي (عليه السلام)، بوصفه حامل العلم الباطن الموروث عن النبي محمد (صلى الله عليه وعلى آله)، وقد ورثه عنه أبناؤه (عليهم السلام) مع أوعية العلم الخاص الأخرى مثل "الجامعة" و "مصحف فاطمة" (4).
والجفر مثلما يُفهم من الروايات ليس كتابا متداولا، وإنما هو رمزٌ للعلم المكنون الذي أُختص به الإمام (عليه السلام). غير أن عددا من علماء الإمامية المتأخرين ميزوا بين الجفر بوصفه رمزا عقديا لمقام الإمام العلمي، وبين ما شاع لاحقا من كتب وحسابات نُسبت إليه دون سند تاريخي موثوق، محذّرين من الخلط بين العقيدة والتكهن (5). منهم السيد أبو القاسم الخوئي؛ الذي ميّز بين الروايات المقبولة في علم الإمام (عليه السلام)، وبين الأخبار غير المسندة التي استُثمرت في الجفر التكهّني، ورفض اعتماد أي دعوى معرفية لا تقوم على سند رجالي معتبر. والسيد الشهيد محمد باقر الصدر؛ الذي انتقد النزعات الغنوصية والباطنية التي تُحوّل المفاهيم العقدية إلى أدوات تنبؤ غيبي خارج إطار العقل والنص، وعدّ ذلك خلطا بين الإيمان والمنهج الخرافي(6).
والعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي؛ الذي شدد على أن علم الأئمة علمٌ إلهي هادف مرتبط بالهداية، وليس منظومة رموز حسابية لتوقّع الحوادث، ونبّه إلى خطر إسقاط مفاهيم غير قرآنية على العقيدة الإمامية (7). والسيد جعفر مرتضى العاملي؛ الذي فكك الروايات التاريخية غير الموثوقة، ورفض نسبة كثير من كتب الجفر والأسرار إلى الأئمة، معتبرا ذلك نتاجا متأخرا لا يمتلك سندا تاريخيا صلبا (8). والشيخ محمد جواد مغنية؛ الذي حَذّر من توظيف الجفر والإسرار الإمامية لإنتاج ثقافة انتظار سلبي أو تنجيم ديني، مؤكدا أن التشيع لا يقوم على الغيب الحسابي وإنما يقوم على الوعي والمسؤولية (9).

معرفيا يقوم علم الجفر على ثلاث ركائز أساسية:
الأولى: علم الحروف، وهو نظام معروف منذ العصور القديمة واستُخدم في الثقافة العربية واليهودية على السواء (10). ثم التأويل العددي للنصوص، إذ لا يُكتفى بالمعنى الظاهر للآيات، وإنما يُبحث في عدد الحروف والكلمات وترتيبها بوصفه حاملا لدلالات خفية. والأخيرة قراءة التاريخ بوصفه نسقا رمزيا حيث يُنظر إلى الوقائع السياسية والاجتماعية على أنها تجليات لسنن عددية سابقة. وهو بهذا يختلف عن الشائع لدى بعض الفرق كالصوفية لأنه وفق هذا المفهوم يتقاطع حرفيا مع علوم تخصصية أخرى مثل علم الأسماء الحسنى، وبعض الاتجاهات الإشراقية في الفلسفة الإسلامية.

ويرى المتخصصون أن الاهتمام بالحروف والأعداد انتقل إلى التصوف الإسلامي، ولا سيما عند محيي الدين ابن عربي، الذي خصص فصولا لبيان العلاقة بين الحروف والوجود (11). نعم هو لم يستخدم مصطلح "علم الجفر" بمعناه الشائع، إلا أن كثيرا من الدارسين يرون أن مدرسته أسهمت في إعادة صياغة هذا العلم ضمن أفق عرفاني، وليس تنبؤي.


تاريخيا واجه علم الجفر اعتراضات صريحة من علماء الكلام والفقه، ولاسيما في التيارات السنية. فقد اعتبر ابن خلدون أن الجفر ضربٌ من التنجيم المقنَّع، لا يقوم على أساس برهاني، ورفض الاعتداد به في المقدمة رفضا واضحا (12). فضلا عن ذلك أكد عدد من الأصوليين السنة أن ادعاء معرفة الغيب يتعارض مع النص القرآني الذي يقصر الغيب على الله وحده. قبالة ذلك دافع بعض المتصوفة والباطنيين عن الجفر باعتباره علم إشارات واحتمالات، لا علم جزم وقطع، أما مدرستنا فلها رأيا يختلف عن تلك الآراء كلها.

ونظرا لأهمية هذا العلم فقد تناول باحثون معاصرون دراسته بوصفه ظاهرة ثقافية، لا علما تجريبيا. فقد درست "كوربان" البعد الرمزي والباطني في الفكر الشيعي والإسلامي عموما، وربطت الجفر بسؤال المعنى لا بسؤال التنبؤ (13). كما نظر باحثون عرب معاصرون إلى الجفر باعتباره تعبيرا عن القلق الوجودي والرغبة في السيطرة الرمزية على الزمن. ونرى نحن 
أن علم الجفر العلوي يمثل محاولة مبكرة لفهم العالم عبر اللغة والعدد، وهو لم يتحول إلى إشكالية معرفية إلا حين استعمله بعضهم لتبرير ادعاءات غيبية قطعية. 


الهوامش

(1) الريشهري، محمد، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ، إشراف: محمد الريشهري، محمد كاظم الطباطبائي، محمود الطباطبائي، دار الحديث، قم، 1421هـ، ج10، ص17. وينظر: الصدوق، الشيخ محمد بن علي، الخصال، تحقيق: علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين، قم، 1403هـ، ج1، ص572. وقد روي هذا الحديث الشريف عن جماعة من اصحاب الإمام علي (عليه السلام) وهم: عبد الله بن عباس وسليم بن قيس الهلالي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود والسيدة أم سلمة والامام الحسين (عليه السلام) وعباية بن ربعي والاصبغ بن نباتة والامام زين العابدين (عليه السلام) والامام الباقر والإمام الصادق والإمام الجواد (عليهم السلام).
(2) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، تحقيق: جماعة من المحققين، مؤسسة الوفاء، بيروت، الطبعة: الثانية، 1403هـ، ج4، ص97.
(3) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت، د.ت، ج4، ص144.
(4) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة: الرابعة، 1407هـ، ج1، ص239ـ 241.
(5) الخوئي، السيد أبو القاسم، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، قم، 1413هـ، ج1، ص45ـ 47.
(6) الصدر، السيد محمد باقر، الأسس المنطقية للاستقراء، دار التعارف، بيروت، الطبعة: الثالثة، 1406هـ، ص392.
(7) الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1390هـ، ج3، ص72 وما بعدها.
(8) العاملي، السيد جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)، دار السيرة، بيروت، الطبعة: الثانية، 1415هـ، ج1، ص28.
(9) مغنية، محمد جواد، الشيعة في الميزان، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة: الخامسة، 1980م، ص112.
(10) سزكين، فؤاد، تاريخ التراث العربي، ترجمة: محمود فهمي حجازي، جامعة الملك سعود، الرياض، 1403هـ، ج1، ص33ـ 35.
(11) ابن عربي، محيي الدين، الفتوحات المكية، تحقيق: عثمان يحيى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة: الثانية، 1985م، ج1، ص112وما بعدها.
(12) ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، دار الفكر، بيروت، 2005م، ص447.
(13) كوربان، هنري، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة: نصير مروة، دار عويدات، بيروت، الطبعة: الثانية، 1988م، ص312وما بعدها.