يعمدُ الكثيرُ من الناسِ إلى تصريفِ أمورهم اليوميّة من خلال الكذب، وذلك في مختلف الموضوعات التي تمرّ عليهم أثناء التصرّفات التي يقومون بها في كلّ يوم، مهما كان التصرّف صغيرًا أو كبيرًا، بتبرير كلّ كذبةٍ خلال يومهم بـ"كذبةٍ بيضاء"، ووضعِ مسوّغاتٍ لهذه الكذبة بتعليلها بالغاية التي يستهدفونها من وراء أقوالهم المكذوبة، وهذا بطبيعة الحال لن يُسوِّغ حرمةَ الكذب ولن يُزيِّنها؛ إذ يقول الإمام علي (عليه السلام): "علّةُ الكذب أقبحُ علّة".
والحقيقةُ هي أنّ اللجوءَ إلى الكذب وتمريرَ المواقف بوساطته مرتبطٌ بشخصِ كلّ إنسان ونظرته لنفسه. يقول أشرفُ المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا يكذب الكاذب إلّا من مهانةِ نفسه عليه"؛ لذلك نرى في واقعنا اليومي أنّ كثيرَ الكذب، المتعارفَ عليه بهذه الخصلة، صغيرُ الشأن بيننا، وهذا ما أشار إليه سيّدُ شبابِ أهلِ الجنّة الإمام الحسين (عليه السلام) حين قال: "الصِّدقُ عزٌّ، والكذبُ عجزٌ".
ومن الملاحظ أنّ كثيرًا من الناس يلجأ إلى الكذب لتسيير الأمور البسيطة، وأوضحُ الأمثلة على ذلك أنّ بعضهم لا يلتزم بالموعد في الوقت المحدّد، فمن السهل عنده أن يتأخّر ساعةً كاملةً عنه، بل ساعتين أو ساعات، كما أنّ أشهرَ عبارةٍ في هذه الحالة القولُ كذبًا لمن يتواعد معه: "أنا في الطريق"، بينما هو لا يزال موجودًا في مكانٍ آخر... وعند نصحه بقول الحقيقة التي لا ضير فيها ولا مشقّة، يجيبك بقهقهةٍ مستهزئًا ساخرًا.
بعبارةٍ أخرى، هو إنسانٌ تعوّدت نفسُه على الكذب، واعتاد لسانُه على ذلك، مع معرفته بالنهي عن الكذب من قبل الله (تعالى)، حيث قرن الله (تعالى) تركَ الكذب والالتزامَ بالصدق في الحديث بالتقوى في قوله المبارك: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ"، وهذا مؤدّاه أنّ من لا يتّقي الله (تعالى) هو الذي يكذب.
قال الإمام علي (عليه السلام): "ما يزال أحدُكم يكذب حتّى لا يبقى في قلبه موضعُ إبرةِ صدق، فيُسمّى عند الله كذّابًا"، وقال (عليه السلام): "يكتسب الكاذبُ بكذبه ثلاثًا: سخطَ الله عليه، واستهانةَ الناس به، ومقتَ الملائكة له". وهذا حديثٌ خطيرُ المعنى جدًّا؛ فلا يقتصر الكذب على تقليل شأن الإنسان الكاذب، بل تمقته الملائكة ويشمله سخطُ الله (تعالى) والعياذ بالله.
ونتيجةً لهذا فقد حذّرنا آلُ بيتِ النبوّة (صلوات الله عليهم أجمعين) من الكذب؛ إذ قال الإمام زينُ العابدين (عليه السلام): "اتّقوا الكذبَ الصغيرَ والكبيرَ في كلّ جدٍّ وهزل، فإنّ الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير"، وهذا تحذيرٌ شديدُ اللهجة في معناه حتّى لا يكذب أحدٌ منّا بحجّة الهزل، ولا بذريعة "كذبةٍ صغيرة".
قال رسولُنا الأمين (صلى الله عليه وآله): "ويلٌ للذي يحدّث فيكذب ليضحك، فويلٌ له، ثمّ ويلٌ له"، وروي أنّه (صلى الله عليه وآله) كان يمزح ولا يقول إلّا حقًّا، ولا يؤذي قلبًا، ولا يُفرِط فيه.
والخلاصةُ فيما يصحّ فيه فقط النطقُ بغير الحقيقة تتجلّى في مواضع ذكرها إمامُنا الصادق (عليه السلام) في قوله: "كلّ كذبٍ مسؤولٌ عنه صاحبُه يومًا إلّا كذبًا في ثلاثة: رجلٌ كائدٌ في حربه فهو موضوعٌ عنه، أو رجلٌ أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الإصلاحَ ما بينهما، أو رجلٌ وعد أهلَه شيئًا وهو لا يريد أن يتمّ لهم". وهذا حديثٌ اتّفق عليه أهلُ الخاصّة والعامّة، حيث نقله أهلُ العامّة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وهناك الكثير من الأحاديث التي تنصّ على التحكّم بأنفسنا ومنعِ ألسنتنا من الكذب مهما كان تسبيبُها، فضلًا عن كون الكذّاب مفضوحًا لدى الناس، حتّى قيل في المثل الشائع: "حبلُ الكذب قصير".
ومن ثمّ وجب على كلّ إنسان أن يحفظ قدرَ نفسه ويتجنّب الكذب. وخيرُ ما نختم به كلامنا لتشجيع صيانة ألسنتنا وتطهيرها من الكذب هو قوله (تعالى): "هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ".