مصلحة الوطن وعقدة الزعامة والرئاسة

 مصلحة الوطن وعقدة الزعامة والرئاسة

 لا أعرف من قال: (أعطني إمارة حتى على كومة من حجارة)!، ولكن كم كان مصيبًا وصادقًا فيما قال! حيث جسّد في مقولته تلك حب الذات بالزعامة والرئاسة لدى الكثيرين، ليس للتباهي والوجاهة فحسب، بل للسيطرة على خلق الله وإخافتهم وإرهابهم، وتلك من مكونات الشخصية الإنسانية بشكل عام، ولكنها تظهر بكل نزعتها المريضة وجبروتها وعنفوانها وقسوتها في الشخصية العربية تحديدًا! حتى صارت سمة للكثير من قادتنا على مر التاريخ، وإذا كانت شعوب العالم المتمدن والمتحضر في دول الغرب وأوروبا قد تخلصت من هذه النزعة والعقدة عن طريق التربية والتعليم وتثقيف الفرد منذ الصغر على عدم الأنانية وحب الذات، فنحن العرب قد فشلنا في ذلك إلى حد كبير، بل الأسوأ من ذلك هو أن أمراض قادتنا وزعمائنا انتقلت إلينا حتى بعد رحيلهم من حيث ندري ولا ندري، فكم من العراقيين ما زالوا مهوسين بشخصية رئيس النظام السابق، في طريقة كلامه ووقفته ونظرته وحتى في قسوته!

وفي الحقيقة أن الزعامة والرئاسة وحب السيطرة هي من موروثات الشخصية العربية والعراقية منها، والتي لا انفكاك منها بسبب تلك الجينات اللعينة المعجونة بدمائنا، والتي توارثناها أبًا عن جد وجيلًا بعد جيل. والملفت للانتباه أننا نرى تلك النزعة وروح وحب السيطرة هذه حتى عند الأطفال، حيث نرى أحد الأطفال يتزعم البقية ويقودهم كما يريد، ويفرض نفسه عليهم، والكل يسمع ويطيع بدون اعتراض! حتى إنهم يسمعون كلامه أكثر من سماع كلام آبائهم وأمهاتهم في البيت! والكثيرون منا قد عاشوا هذه الحالة عندما كنا أطفالًا، ومنهم كاتب السطور!: (فكان ثامر هو رئيسنا في المحلة ، وكنا ننظر إليه كنصف إله! وفعلاً كنت في أحيان كثيرة أسمع كلامه أكثر من كلام أمي وأبي!).
وكذلك نرى تلك النزعة والروح الأنانية عند الرياضيين أيضًا، ولربما يتذكر الكثيرون، وخاصة من الوسط الرياضي، المشادة الكلامية التي تحولت إلى معركة بالأيدي بين لاعبي المنتخب الوطني (يونس محمود ونور صبري)! في إحدى البطولات الكروية عام 2008 على قطعة القماش التي تعني شارة الكابتن، أي قائد الفريق. ومن الطبيعي أن تلك المشادة على تلك الخرقة البالية (شارة الكابتن) قد أثرت على وضع الفريق بشكل عام، وقيل إن تلك المشادة كانت سببًا في خروجنا من تلك البطولة!.
والغريب أن موضوع الزعامة والرئاسة انسحب حتى على الزعامات الدينية لبعض الأحزاب والتيارات الدينية والإسلامية، حيث تحولت الرئاسة والزعامة لتلك الأحزاب والتيارات الدينية إلى وراثة، بعيدًا عن الكفاءة والعلمية والتفقه بالدين، بل من أجل الرئاسة والزعامة لا غير.
وكذلك تتجلى روح الزعامة وحب السيطرة ووجاهة المنصب مهما كان بسيطًا وتافهًا في دوائرنا التي يغطيها تراب الكسل والفساد، حيث تحاك المكائد والدسائس بين بعض الموظفين، ويصل النفاق ذروته بلا أدنى درجة من الكرامة والخجل من أجل الظفر بمسؤولية شعبة بائسة في وزارة أو دائرة مصابة هي أصلًا بالعفن والخدر وعدم الإنتاج.
وبعد أن استبشرنا خيرًا بخروج العراق من سطوة النظام السابق وأخذت عربته بكل ما تحمل من صدأ وسخام العقود الماضية مكانًا لها على سكة النظم الديمقراطية، إلا أن فرحتنا هذه لم تدم طويلًا، فسرعان ما تحركت مرة أخرى جذوة حب الزعامة والتمسك بالسلطة التي تستعر في أفئدة قادتنا السياسيين وتعششت في عقولهم !، رغم أن غالبيتهم عاش فترة طويلة من حياته في أوروبا، ولكن جيناته العربية النائمة في تلافيف عقله سرعان ما استيقظت ، وكان أثرها فاعلًا وقويًا، وكان ذلك واضحًا منذ بدايات مجلس الحكم وزعامته!. وقد قيل ما قيل وسمعنا الكثير عن قصص التمسك بالزعامة والرئاسة التي وصلت إلى حد الخصومة بين رفاق ومناضلي الأمس.
الذي نريده من قادتنا الكبار ورؤساء حكوماتنا والوزراء والمحافظين أن يتخلصوا بصدق وثقة ومن دواخل نفوسهم من عقدة الزعامة وحب الرئاسة، وأن لا يبقوا أسرى المنصب وكرسي الحكم بعد تركه ، فإن القائد السياسي والوطني الصادق يستطيع أن يخدم شعبه ووطنه من أي موقع كان وليس من خلال رئاسة الحكومة فقط ، والأهم من كل ذلك هو أن تتغلب الثقافة الديمقراطية على عقد الزعامة والتمسك بالمنصب المصابين بها غالبية سياسيينا، وأن يضعوا مصلحة الوطن فوق ذلك.
فإذا شُفي زعماؤنا السياسيون وقادتنا من أمراض السلطة ومباهجها ، تعافى الشعب وعمّ الخير على الجميع. فهل سيستطيع زعماؤنا السياسيون وقادتنا، بل وكل القادة العرب ، الشفاء من هذه الآفة التي شخصها فيهم المؤرخ العربي الكبير (ابن خلدون) منذ مئات السنين عندما قال: (آفة العرب الرئاسة)؟
أتمنى وأدعو إلى ذلك، والله من وراء القصد.