الدكتور مصطفى جواد (1321 ــ 1388 هـ / 1904(*) ــ 1969 م) 

الدكتور مصطفى جواد (1321 ــ 1388 هـ / 1904(*) ــ 1969 م) 


الدكتور مصطفى بن جواد بن مصطفى بن إبراهيم البياتي. كان أبه خياطا وقد أصيب بالعمى. فنشأ مصطفى في فقر وحجرمان. وأصبح علما من أعلام الفكر والأدب، قدّمَ خدماتٍ جليلةً وكبيرةً في مختلف الميادين: التحقيق والتدقيق والبحث والتراث والخطط والأنساب واللغة والتاريخ والشعر والنحو والصرف. وكان في كل هذه عالِماً موسوعياً فذاً لا يدانيه أحد، ملماً بكل شواردها. وهو من أعضاء المجمعين العربيين في دمشق وبغداد. قال عنه الدكتور عبد الرزاق محي الدين: (كان رجلا بمجمع ومجمعا برجل).
    ولد الدكتور مصطفى جواد في بغداد في محلة (عقد القشلة) في الجانب الشرقي من بغداد بجوار الجامع المعروف حتى اليوم بـ (جامع المصلوب).
    أصله من (قره تبه) في كركوك من عائلة تركمانية وكان جده ينظم الشعر بالتركية وكان أبوه أمياً ويعمل خياطاً ويتكلم التركمانية والعربية، وكان بارعاً في عمله ويلقب بأسطة جواد وكان ثاني اثنين في الشهرة .(
     انتقل مصطفى جواد مع أبيه من بغداد إلى (دلتاوه) ــ الخالص ــ ودخل الكتّاب وحفظ القرآن الكريم. وأنهى الدراسة الابتدائية. وهناك نشأ في بستان لأسرته وأحب حياة الريف، ولكنه قاسى من العسر والفقر وشظف العيش، فعمل راعياً للغنم عند أحد أقربائه في (دلتاوة).
       بعد وفاة أبيه كفله أخوه الأكبر كاظم، وبقي في دلتاوه حتى دخول الانكليز إلى العراق عام 1917 فرجع إلى بغداد ليكمل دراسته عام 1920 في مدرسة باب الشيخ، بعد أن تعلم من الحياة مواجهة شظف العيش وكدر الحياة. 
         دخل الدكتور مصطفى جواد المدرسة الجعفرية ببغداد بتشجيع أحد أساتذته وهو أحمد زكي الخياط الذي رأى فيه ملامح النبوغ وبوادر النباهة. وكان معجباً به كثيراً، فشجعه على دخول دار المعلمين.
       في إثناء وجود مصطفى في دار المعلمين التي أمضى فيها ثلاث سنوات من عام (1921 – 1924) لفت نظر أستاذه طه الراوي لما كان يتمتع بها من قدرة عجيبة وقابلية مدهشة في حفظ الشعر والتاريخ، فعني به وشجعه على الاستمرار. كما ساعده في الاطلاع على الكتب التي تزيد من قابلياته، فتعززت عنده الرغبة في دراسة اللغة العربية. كما أعجب به مدير الدار يوسف عز الدين الناصري الذي عهد إليه ــ وهو طالب في الصف الثالث ــ بأن يقوم بالتدريس في مدرسة التطبيقات الابتدائية.
       إضافة إلى ذلك، أحب الدكتور مصطفى جواد (رحمه الله)التاريخ الإسلامي وتتبّع أخباره وتعمّق فيه لاسيما تاريخ العراق في العصور الإسلامية. ولعل هذه دار المعلمين كانت نواة ثقافته الأولى وتحديد اتجاهاتها، كما قد وسّعت من أفقه واهتماماتِه باللغة العربية وعلومها. وبعد تخرجه من دار المعلمين عيّن معلماً في أكثر من مدرسة ابتدائية وفي مدن عراقية مختلفة: الناصرية والبصرة والكاظمية، ثم نقل إلى دلتاوه ثم إلى بغداد ليعمل (كاتب تحريرات) في وزارة المعارف.
     وطيلة مدة وجوده في بغداد لازم الدكتور مجلس الأب أنستاس الكرملي، واستفاد منه كثيرا، كما داوم النشر في مجلات: لغة العرب وسومر والمقتطف والرسالة وبغداد وذاع صيته واشتهر.  فرشحته وزارة المعارف العراقية للسفر إلى باريس لإكمال دراسته لمرحلة الماجستير والدكتوراه في التاريخ. وأنجز عام 1939 رسالته الجامعية بعنوان (سياسة الدولة العباسية في القرن السادس)، ثم عاد إلى بغداد وعُيّن أستاذا في دار المعلمين العالية (كلية التربية حالياً) ثم انتُندب لتأسيس معهد الدراسات الإسلامية وسندت إليه عمادته حتى عام 1963 حين مرض فأعفي من التدريس وأصبح أستاذا متفرغاً عام 1967 وتوفي ببغداد.
     وقد رثاه كل من السيد مصطفى جمال الدين والشاعر السوري زكي المحاسني، وتلميذته الشاعرة العراقية عاتكة الخزرجي.
مؤلفاته:
ترك الدكتور مصطفى جواد ثروة أدبية وعلمية هائلة وتشتمل على مؤلفاته وتحقيقاته التي أثرت الباحثين والقراء. فمن مؤلفاته المطبوعة:
أبو جعفر النقيب والأمير خلف وأميرة الصين وأمالي مصطفى جواد في فن تحقيق النصوص وبغداد في رحلة نيبور وتحقيق تاج العروس من جواهر القاموس للسيد مرتضى الزبيدي وتكملة إكمال الاكمال في الأنساب والأسماء والألقاب لجمال الدين بن الصابوني وتحقيق تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب لابن الفوطي وتحقيق الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السيَر لابن الساعي البغدادي ودار الخلافة العباسية ــ تعيين موضعها وأشهر مبانيها ودراسات في فلسفة النحو والصرف واللغة والرسم ورباعيات حسين قدسي نخعي (ترجمة عن الفارسية نظما) وترجمة رحلة أبي طالب خان إلى العراق وأوربا وسيدات البلاط العباسي ونقد العبر في خبر من غبر لشمس الدين الذهبي وقل ولا تقل ــ عدة أجزاء، وقد طُبع جزأين في حياته، والمباحث اللغوية في العراق وتحقيق مختصر التاريخ لظهير الدين الكازروني وتحقيق المختصر المحتاج إليه من تاريخ بغداد لابن الدبيثي ولقاء ابن خلدون لتيمور لنك.
المشاركات
شارك الدكتور مصطفى(رحمه الله) أحمد سوسة في وضع دليل خارطة بغداد. كما شارك عدداً من الباحثين والمؤرخين في تأليف الموسوعات العلمية والتاريخية، فشارك في بحث موسوعة العتبات المقدسة ــ تأليف جعفر الخليلي، وفي الأساس في تاريخ الأدب العربي والمصطلحات العلمية التي أخرجها المجمع العلمي العراقي وخارطة بغداد قديماً وحديثاً وتحقيق رسائل في النحو واللغة لابن فارس الرماني والجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور وموجز تاريخ العرب وترجمة بغداد مدينة السلام ــ تأليف ريجار كوك ودليل خارطة بغداد المفصل وتحقيق الفتوة لابن المعمار البغدادي الحنبلي، إضافة إلى أكثر من عشرين مؤلفاً ما زال مخطوطاً.
     لقد اهتم الدكتور مصطفى جواد بالقرآن الكريم كثيراً، وعدّه المصدر الأول لكل بحوثه اللغوية، فبه حُفظت اللغة العربية من الضياع، فيقول: "والعربية لغة جسيمة عظيمة قويمة لأمة كريمة عظيمة وقد حافظت على قواها ونظامها وكلامها بقرآنها العزيز وتراثها الأدبي البارع طوال العصور التي انصرمت بين زمن الجاهلية وهذا العصر."
قصائده ومراثيه لأهل البيت(عليهم السلام):
     قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) ألقاها في يوم عاشوراء في صحن الإمامين الكاظمين (عليهما ‌السلام):
وشـهـيـدُهـم فـي (كربلاء) شــهـيـدُهـمْ     في أنَّـهـمْ أهلُ الـمـقـامِ الأوحـــدِ
عطفَ الصفوفَ على الصفوفِ يذيقُها     حـتـفَ الـحتوفِ وينثني كالجلمدِ
هـجـمـاتُ حـيـدرةِ الـعـظـيـمِ وقـلـبُـــه     إذ صالَ في صفِّينَ أو في المربدِ 
وقال فيها أيضا:  
جـلَّ الـمـصابُ مـصـابُ آلِ مــحـــمـــدِ     فـاذرِ الـدمـوعَ بـيـومِــهِ الـمُـتجدِّدِ
وابـكِ الـكـرامَ الـذائــديــنَ عـن الــعُــلى     والــديــنِ بـالـقـولِ الــكريمِ وباليدِ
ذكرَ الـزمـانُ مــصـابَــهــــــمْ فــأعــاده     تــاريــخُ عــزٍّ لــلـســمــوِّ مُــؤيَّــدِ
فـالـحـقُّ لا يـنــســيــهِ ســالــفُ عــهـدِه     والـذلُّ لا يـبـقـيـهِ سـوط المعتـدي
والـعـدلُ لا تـبـــلــــيـهِ قلّـةُ أهـلهِ     والــديــنُ لا يـوهـيهِ طـعنُ الملحدِ
آلُ الــرســولِ أجـلْ فـهـاتِ حـديــثــهـمْ     واذكرْ مصابَهمُ ولا تخشى الردي
جـمـعـوا الـفـضـائـلَ والـمـكارمَ والعُلى     والـعـلـمَ والـتـقـوى لأزكــى محتدِ
مــا حــرَّرَ الإســــــــــــلامَ إلا ســـــادةٌ     بـذلـوا دمـاءهـمُ لـه عـن مـقـصـدِ
سـنّــوا لأهـلِ الـحـقِّ سـنّـةَ ثــــــــــورةٍ     أضحى بها الإسلامُ مرهـوبَ الـيدِ
مـلَّ الـحـديدُ مــن الـحـديـدِ وعــزمــهـمْ     مـا مـلَّ مـن نـصـرٍ لـديـنِ مـحـمدِ
فـلـيـقـلـعِ الـجـبـنـاءُ عـن أقــوالِـــهـــــمْ     إنَّ الــجــبــانَ كــأنّــه لــمْ يُــولـــدِ
فـي كـلِّ قـطـرٍ روضــةٌ لـكـرامِـهـــــمْ     بندى المعالي روضُ ذكراها نـدي
رامَ الــعـدوُّ عــفــاءَهـــا لــكــنــهــــــا     حُـفـظتْ عـلــى رغمِ العدوِّ بمشـهدِ
في المغربِ الأقصى وفي مصرٍ وفـي     هذا الـعـراقِ وفـي بـقـيــعِ الـغرقـدِ
وشـهـيــدُهــمْ فــي كـربـلاءَ شـهـيـدُهم     فــي أنَّـهـمْ أهــــلُ الـمـقـامِ الأوحـدِ
عطفَ الصفوفَ على الصفوفِ يذيقُها     حــتـفَ الـحتوفِ ويـنـثـني كالجلمدِ
هـجـمـاتُ حــيــدرةِ الــعــظـيــمِ وقلبُه     إذ صـالَ في صفِّينَ أو فــي المربدِ
للهِ يــومُ الــطـــفِّ يــــومــاً فـــارقــــاً     بيـضُ الوجوهِ عن الفريــقِ الأسودِ
كـتـبَ الـعـراقُ وثــيــقــةَ اســتــقـلالِه     بــدمِ الـحـسـيـنِ الـسـيـدِ ابــنِ السيدِ
بـيـنـي وبـيـنـكَ يــا يــزيــدُ قــضـيــةٌ     لا تــنـتـهـي وعـــداوةٌ لــم تــــنــفـدِ
أورثـتَ مُـلـكـاً لــمْ تــكــنْ أهــلاً لــه     وولـــيـتَ ديـنـاً رِيــعَ مـنـكَ بـمـفسدِ
وألقى قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) أيضاً يوم العاشر من المحرم سنة (١٣٦٥ هـ / ١٩٤٥ م) في صحن الإمامين الكاظميين (عليهما ‌السلام) ونشرت في مجلة البيان النجفية:
ألـمَّـتْ بـيَ الـذكـرى فـأوسـعـتها شكراً     وأرعـيـتُـهـا قـلـبـي فـقـلـبـي بها أدرى
تـلـقّـيـتُــهـا بـالـدمـعِ أطــفــــي أوارَهـا     وشـيّـعـتُـهـا بـالـشـعـرِ أنــشــرهُ نـشرا
سـجـيَّـةُ نـفـسٍ لا تـرى الـحــبَّ بـدعةً     ولا الدمعَ ضعفاً وافتضاحَ الأسى نكرا
فـلا تـلـحـيـانـي صـاحبيَّ على الشجى     تـريـدانِ جـعـلَ الـقـلـبِ فـي حـبِّه قبرا
ألا أنّـهـا ذكـرى فـسـيـحٌ طــريــقُــــها     إلى القلبِ ذكرى فجعةِ العربِ الكبرى
فللهِ يــومٌ كــلّــمــا طــالَ عــهــــــــدُه     أفـاضَ عــلـى الـحـقِّ الـجـلالةَ والقدرا
ومـا الــقـلـبُ إلّا نـابــضٌ مُـتـوثّـــــبٌ     إذا سـمـتـُه خـسـفـاً تـمـــرَّدَ واستشرى
إذا ذكــروا (آلَ الــنــبــيِّ) وجـــدتــُه     يـذوبُ جــوىً والـعـينُ تـسـعـفُه عبرى
ومَـن ودَّ أن يــحـيـا بــلا ذكــريــاتِـه     فـذاكَ بــأنْ يــلـقـى منـيَّــتَـــه أحـــــرى
ولـمْ يـكُ قـولُ اللهِ (ذَكِّـــرْ) بــبــاطـلٍ     أجـلْ تـنـفعُ الذكرى الذي لم يـكـنْ غِرّا
وكـمْ أمَّــةٍ عـاشـتْ بـذكـرى هُـداتِـها     إذا ما دهاها الـخـطبُ تنقذها الــذكرى؟
يـذكّـرُنـا حـكـمـاً وظـلـمـاً ومصـرعاً     أضـاعَ (بنو حربٍ) بها الدينَ والــعُمرا
أأنـسـاكَ (يومَ الطفِّ) والـقـلـبُ مفعمٌ     أسـىً مُـزمنـاً قـد أعجزَ الشعرَ والنثرا
ذكرتُ (الحسينَ) البرَّ بالدينِ والهدى     وأصحابَه من مقـصـديـنِ ومَـن أسترى
تـذكّـرتُـهـمْ صـرعـى فهاجتْ نوادبٌ     مِن الشعرِ يـلـطـمنَ الخدودَ معَ الـزهرا
دعـوا لـقـتـالِ الـمـارقـيــنَ فـمـا ونوا     ولـولا اتـحادَ الجورِ لاصطلوا الـجورا
وقـد نـطـقـوا بـالـحقِّ لـمـا تـخارستْ     أعاريبُ داسوا الحقَّ واستمرأوا الغدرا
وحرباً بنو حربٍ على الدينِ أصبحوا     وقـد أرهـقـوا الإسـلامَ فـي ذاتِه عسرا 
وله قصيدة حسينية أخرى ألقاها يوم العاشر من المحرم سنة (1964) في صحن الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) أيضاونشرتها مجلة البيان يقول في مطلعها:
أبى اللهُ أن يُنسى مصابُ ابنِ فاطمٍ     فجاءتْ تعزي الدينَ شتى العوالمِ
قــد اخـتـلـفـتْ أجــيـالُـها غيرَ أنَّها     تـسـاوتْ لدى تأبينِ فخرِ الهواشمِ 
...................................................................
(*) ثمة اختلاف في تاريخ ولادة المرحوم الدكتور مصطفى جواد، كما يقول الباحث حسين محمد عجيل في بحث له بعنوان (محاولة لتحديد تاريخ ولادة الدكتور مصطفى جواد) في مجلة المجمع العلمي العراقي  الجزء الأول المجلد الثامن والستون لسنة 1442| 2021 "فهي تمتد بين سنة 1883 وسنة 1910 ، وكأنه عاش في عصور موغلة في القدم."      
المصادر: 
-    الزركلي، خير الدين، 2007، الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. الطبعة السابعة عشرة. بيروت: دار العلم للملايين.
-    جواد، مصطفى، (د ت)، قل ولا تقل، الجزآن الأول والثاني، تقديم الاستاذ عبد المطلب صالح. ....
-    مجلة المجمع العلمي العراقي  الجزء (1) المجلد (68) لسنة 1442| 2021. بغداد: المجمع العلمي العراقي. 
-    موسوعة الامام الحسين(عليه السلام) كربلاء في الشعر العربي. 
-    الموسوعة العربية الميسرة المجلد الرابع، الطبعة الثانية، 2001، القاهرة: دار الجيل.