انهيار الشعر الجاهلي على عتبة الدين الإسلامي

انهيار الشعر الجاهلي على عتبة الدين الإسلامي

النقد فن قائم بذاته؛ هو سبيل واع من سبل المعرفة الفكرية لفهم آليات العمل الإبداعي، وكتاب (أنا الشعر) (دراسة في أساسات الشعر الجاهلي وصلاحيتها لعصور الشعري العربي تأليف الدكتور محمد تقي جون) قراءة ما توصل إليه النقد من نظريات ليصل إلى نتائج انهيار عملقة الشعر الجاهلي على عتبة الدين الإسلامي، وما بقي منه إلا شظايا.

السؤال الذي يثير جدلا في العالم الافتراضي أينما نشر، لماذا أحرق المسلمون مكتبة الإسكندرية عند فتح مصر؟

والجواب لأن أغلب كتبها لا يتفق مع القران الكريم؛ قضية انهيار الشعر أمام عظمة الدين الإسلامي تحتاج إلى قراءة متأنية، هناك واقع نقدي يرى أن الدين الإسلامي قلّم أظفار الشاعر، وتحول معظم الشعر إلى خطب وعظية.

الناقد محمد تقي جون، ناقش هذه القضية عبر وجهات النظر المعروضة، المجتمع الشعري نفسه تنكر لنتاج الشعر الجاهلي بعد إيمانه بالله سبحانه وتعالى؛ كثير من هذا الشعر لم يعد يتناسب مع روح الإسلام، واشتغال العرب بالقران عند السلام، وبالجهاد عند الحرب، وعدم إنصاف علماء العربية إلى قضية الشعر الجاهلي، فجاء في كتاب الحيوان ج1ص 74 للجاحظ، إن الشعر بدأ قبل الإسلام بـ 150 سنة، بينما الدكتور الباحث يرى أن هذا الكلام غير ممكن، هو دون تحقيق وغير حاسم، روعة هذا الشعر وعظيم نضجه وإتقانه لا ينسجم مع هذا العمر، ويعتمد على قول السيوطي عن حماد الراوية (أمر النعمان بن المنذر فنسخت له أشعار العرب الكراريس، ثم دفنها في قصر الأبيض، ولما جاء المختار بن أبي عبيدة الثقفي، قيل له أن تحت القصر كنزا فاحتفره وأخرج تلك الأشعار (كتاب المزهر في علوم اللغة وأنواعها) ص١٩٨؛ دلالة أن يكون الناقد باحثا عن الحقيقة يجعلنا ننظر إلى النقد خارج إطاره التقليدي، وإنما هو مفكر باحث عن الحقيقة، والقضية الثانية التي فند بها قول الجاحظ هو رأي المستشرق (أسخو لتنز) قال بوجود قصائد عربية في زمن سليمان بل موسى عليهما السلام، و قضية الانتحال التي طرحها طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي شكك بهوية الشعر الجاهلي وعدّه منتحلا في عصر الإسلام.

لو تابعنا المديح في الشعر الجاهلي لوجدناه يرتكز على مجموعة من الفضائل التي تحمل هوية العربي؛ والهجاء ارتبط بروح الصحراء العربية، هذا التقارب الروحي بين الجاهلية وروح الدين، مع وجود الأثر الجاهلي في الرثاء بعد الإسلام، وكذلك الحكمة التي كانت مستمدة من تجارب الشاعر الجاهلي.

 يرى الناقد محمد تقي جون أن قراءة الشعر من داخله يؤكد الهوية العربية، فلا هو نقل من أمة مجاورة، ولا من الحضارات غير العربية، كان الشعر عندهم هوية.

ينقسم البحث عندي إلى محورين.

المحور الأول: للناقد الباحث، قارئ النصوص قراءة أدبية نقدية، عرض فيها عددا من الآراء المهمة، وعرض إشكالية اللفظ والمعنى، واللغة الشعرية تشترط صحة المعنى وشرف اللفظ، وهذا هو سر إمكانية عدم ترجمته، وعن التمكن الشعري وأبجدية صنع الحداثة العربية.

وعرض لنا مفهوم التجديد؛ وخطأ البناء خلف بناء الشعر الجاهلي القديم المترسخ، والتجديد الصائب هو أن يكون البناء فوق البناء الجاهلي، لأنه الأساس الوحيد لبناء الشعر العربي المنتمي المبدع.

المحور الثاني: كان عبارة عن درس أكاديمي يقدمه لطلاب الجامعة أعده الباحث لهذا الشأن حسب مقدمته، وقد رأيت أن أرشد شعراء العربية الشباب إلى الطريقة المثلى لكتاب الشعر العربي لتحقيق الإبداع الفني؛ لهذا رأيت أن أبقي ما يعنينا لمعرفة ما جرى من تغيير في فن حياة العرب مع ظهور الإسلام؛ حيث انتقلوا من حياه التجزئة والقبلية إلى التوحد في دولة، حدث قطع فني لا نظير له في تاريخ الأمم بين الشعر الجاهلي وصدر الإسلام، أصبح القرآن الكريم هو البديل الثقافي الديني والفكري، أما الشعراء الجاهلون المخضرمون فقد تراجعوا عن شاعريتهم فالأعشى صمت حتى الموت، ولبيد اشتغل بالقرآن ليمثل نموذجا للتحول الفني والروحي من الجاهلية إلى الإسلام، اشتهر في الجاهلية بمعلقته وحكمته الشعرية، وبعد إسلامه ترك الشعر مكتفيا بالقرآن الكريم، معتبرا إياه أعظم من الإبداع الشعري، وحسان بن ثابت ركب الموجة وأراد كتابة شعر جديد إسلامي، فأضاع فحولته وسقط شعره، وهذا التشخيص سبقنا إليه الأصمعي. وردت في البحث الكثير من الآراء النقدية، ومضات لها استدلالاتها المنطقية والعقلانية، لم يكن الإسلام معنيا كثيرا بالألية الفنية للشعر، لذا بقيت الأساسات التي وضعها الجاهليون هي المعول عليها، والنبي "صلى الله عليه وآله وسلم" وجههم أخلاقيا وليس فنيا وقال الرجز مثل (أنا النبي لا كذب... أنا ابن عبد المطلب) ورجز أخر روي له؛ والعرب لا تعد الرجز شعرا.