اللهُ جميلٌ يحبُّ الجمال

 اللهُ جميلٌ يحبُّ الجمال

 قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنَّ الله جميلٌ يحبّ الجمال، ويحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده، ويبغض البؤس والتباؤس"... حديثٌ كاملٌ متكامل، واضحٌ في معناه، ومحدّدٌ في مقصده، لكن بعض الناس، وللأسف الشديد، أخذوا بدايته دون تتمّته، وحرّفوا هدفه بعيدًا عن غايته الحق، وذلك بعد انتشار عمليّات التجميل المبالغ فيها، والتي لا تُرَدُّ إلّا لإصلاح تشويه، ولا تُبرَّر إلّا عند الحاجة الضروريّة.

وقد أغفل بعضهم حكم الشريعة الإسلاميّة السمحاء عمدًا، متجاهلين أنّ المرأة، إن تجمّلت، فعليها أن تستر وجهها ومفاتن جسدها، وسترُ الجسد واجبٌ مطلق، سواء في حال التجمّل أم في غيره، لقوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ".
أفليس التجميل الذي لا تسوغه الحاجة، ولا تستدعيه الضرورة، مجرّد ترفٍ بلا داعٍ؟ وأمّا الرجال الذين انجرّوا وراء الزينة بالمكياج، وعمليّات التجميل، أو لبس الإكسسوارات النسائيّة من الذهب وغيره، فذلك بحثٌ آخر من مظاهر الانحراف... فما بالهم يسلكون طريقًا أنثويًا بحتًا بحجّة أنّ الله (سبحانه) يحبّ الجمال؟. 
جمال المرأة الحقيقي في حيائها، فلتستحضر النساء السيّدة مريم العذراء (عليها السلام)، والتي كانت بمنتهى العفّة حين قالت من شدّة استحيائها:
"يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا". وكما قالت سيّدة نساء أهل الجنّة (صلوات الله عليها)، خير ما قيل في مصلحة المرأة حين سألها رسول الخُلق العظيم (صلى الله عليه وآله): "أيّ شيءٍ خيرٌ للمرأة؟"
فأجابت: "أن لا ترى رجلًا ولا يراها".
وجمال الرجل، كما رُوي عن خير الأوصياء الإمام عليّ (عليه السلام)، في عقله، وفصاحة لسانه، وحلمه، ووقاره، وفي القول الحق... وجمالُ الحرِّ في تجنّبه العار؛ فالتشبّه بالنساء عار، وهو أمرٌ لا يليق بالرجولة.
وفي قول أشرف المرسلين (صلى الله عليه وآله):
"إنّ الله جميلٌ يحبّ الجمال، ويحبّ معالي الأخلاق، ويكره سفسافها"، نجد بيانًا للصلة الوطيدة بين صفة الجمال في الإنسان وأخلاقه؛ فالجمال الذي يحبّه الله هو الطهارة، وصفاء القلب، وحسن النيّة، وسلوك الطريق القويم، لقوله تعالى: "إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ". وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: "البس وتجمّل، فإنّ الله جميلٌ يحبّ الجمال، وليكن من حلال"؛ إذ إنّ الاهتمام بالنظافة الشخصيّة، وحسن المظهر، والهندام هو الجمال الظاهر، ولا يستلزم أن يكون الشخص ثريًا، أو مبذّرًا في صرف أمواله، بل بالبساطة، والستر، والنظافة يكون المظهر أجمل. وأمّا الجمال الباطن فهو الأهم، فهو جمال الروح الدائم، لا يقبل الفناء ولا التبدّد، بل قابلٌ للسموّ والعلوّ والزيادة. ومن كان جميل الروح، كان كلّ شيء في نظره جميلاً؛ إذ إنّ النظر هنا ليس بالبصر، بل ببصيرة الفؤاد، والعكس صحيح. وكما قال الشاعر:
"والذي نفسُهُ بغيرِ جمالٍ
لا يرى في الوجودِ شيئًا جميلًا".
وليذكّر الرجال قوله تعالى: "قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ"، ولتتذكّر النساء قوله تعالى: "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ"؛ وذلك كي لا يكيد الشيطان كيده، فيبهرج المحرّمات، ويغرّر بكلمة حق يُراد بها باطل، كما يزعمون في تفسير حديث: "إنَّ الله جميلٌ يحبّ الجمال".
وجاء في قوله تعالى عمّا توعّد به إبليس اللعين في محاولة إخراج الإنسان عن فطرة الله السويّة: "وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ"،
وقد خلق الله (سبحانه) الإنسان في أحسن تقويم.