الجامعة التي تبخل على أساتذتها تخسر مستقبلها

الجامعة التي تبخل على أساتذتها تخسر مستقبلها

حين يُذكر اسم أي جامعة عريقة في العالم فإن أول ما يتبادر إلى الذهن ليس مبانيها الفخمة ولا قاعاتها الدراسية الواسعة، بل أسماء علمائها وأساتذتها الذين صنعوا مجدها العلمي. فالتاريخ الأكاديمي للجامعات الكبرى يؤكد حقيقة لا تقبل الجدل ان الجامعات تُبنى بالعقول قبل أن تُبنى بالحجارة. ولهذا أدركت الجامعات الرصينة منذ عقود طويلة أن الاستثمار الحقيقي في التعليم العالي يبدأ من الأستاذ الجامعي لأنه المحرك الأساسي للبحث العلمي وصانع المعرفة ومربي الأجيال.
في الجامعات العالمية المرموقة، سواء الحكومية أو الخاصة، يُنظر إلى الأستاذ الجامعي بوصفه رأس المال الحقيقي للمؤسسة الأكاديمية. ولهذا تتنافس الجامعات على استقطاب أفضل الباحثين والاساتذة من مختلف أنحاء العالم عبر رواتب مجزية وامتيازات واسعة. وقد عبّر خبراء التعليم العالي عن هذه الحقيقة بوضوح إذ يؤكد الباحث المعروف في سياسات التعليم العالي فيليب ألتباخ أن جودة الجامعة لا يمكن أن تكون أعلى من جودة أساتذتها. كما قال الرئيس الأسبق لجامعة هارفرد ديريك بوك إن الجامعات العظيمة لا تُبنى بالمباني الحديثة أو الحملات الإعلامية، بل بالأساتذة الذين يعملون داخلها.
ولهذا نجد أن معظم الجامعات الاوربية والأمريكية الكبرى تمنح الأستاذ الجامعي متوسط راتب يتراوح بين ثمانية آلاف إلى خمسة عشر ألف دولار شهرياً، وقد يتجاوز ذلك في بعض التخصصات أو في الجامعات البحثية الكبرى. ولا يقتصر الأمر على الراتب فحسب بل يشمل أيضاً حزمة واسعة من الامتيازات مثل القروض العقارية وقروض السيارات والتسهيلات المالية المختلفة. كما توفر الجامعات تمويلاً للأبحاث والمختبرات الحديثة وتدعم مشاركة الأساتذة في المؤتمرات الدولية إضافة إلى منح الإجازات البحثية التي تسمح لهم بالتفرغ لكتابة الكتب وإنتاج البحوث العلمية الجديدة.
وفي السنوات الأخيرة برزت أيضاً تجربة الجامعات الخليجية التي سعت إلى بناء مؤسسات تعليمية قوية في المنطقة عبر استقطاب خيرة أساتذة الجامعات من مختلف دول العالم. وقد خصصت العديد من هذه الجامعات جزءاً كبيراً من مواردها وأرباحها لتوفير رواتب ومخصصات مجزية للأساتذة، إلى جانب تمويل الأبحاث وتوفير المختبرات الحديثة. وقد نجحت هذه السياسة في جذب أساتذة من جامعات عالمية مرموقة، وأسهمت في رفع مستوى التعليم والبحث العلمي في تلك المؤسسات وفي الدولة ايضا. 
لكن الصورة في الجامعات العراقية بشكل عام ما زالت بعيدة كل البعد عن النموذج الذي نراه في الجامعات العالمية. فرغم وجود قانون الخدمة الجامعية الذي يفترض أن يعزز مكانة الأستاذ الجامعي ويوفر له امتيازات مهنية مناسبة، والذي يعتبره البعض تكريماً لأساتذة الجامعات، فإن رواتب التدريسيين في الجامعات الحكومية ما تزال أدنى بكثير مما يحصل عليه نظراؤهم في الجامعات المتقدمة وحتى في بعض دول المنطقة. ويزداد الأمر صعوبة مع غياب أشكال الدعم الأخرى التي تعد أمراً بديهياً في الجامعات العالمية، مثل توفير الوحدات السكنية أو القروض الميسرة دون فوائد لشراء سيارة أو تأمين الاستقرار المعيشي اللائق بالأستاذ الجامعي.
أما الواقع في بعض الجامعات الأهلية فهو أكثر صعوبة. ففي كثير من الأحيان تتعرض مكانة الأستاذ الجامعي إلى انتقاص واضح ويُنظر إليه أحياناً بوصفه عبئاً مالياً يمكن تقليل نفقاته إلى الحد الأدنى. والمفارقة أن هذه الجامعات تحقق أرباحاً كبيرة نتيجة ارتفاع الأقساط الدراسية وكثرة أعداد الطلبة، إلا أن جزءاً محدوداً فقط من هذه الموارد ينعكس على أوضاع الكادر التدريسي وامتيازاته المهنية. ففي بعض الحالات تمنح هذه الجامعات الأساتذة رواتب محدودة لا تتناسب مع سنوات الدراسة والخبرة التي يحملونها، ثم تطالبهم في الوقت نفسه بنشر بحوث علمية في مجلات عالمية رصينة، وغالباً ما يتحمل الأستاذ تكاليف النشر والاشتراك في هذه المجلات من ماله الشخصي.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يتخذ استغلال الأستاذ الجامعي في بعض الجامعات الأهلية أشكالاً متعددة تتجاوز مسألة الرواتب. فكثيراً ما يُكلف الأستاذ بعدد كبير من الساعات التدريسية يفوق ما هو معمول به في الجامعات الرصينة، ويضطر إلى تدريس عدة مواد في الفصل الدراسي الواحد، إضافة إلى الإشراف على مشاريع التخرج وتصحيح مئات الدفاتر الامتحانية والمشاركة في اللجان الامتحانية وإعداد الأسئلة والقيام بمهام إدارية مختلفة. وفي الوقت نفسه يُطلب منه الاستمرار في نشر بحوث علمية في مجلات عالمية، غالباً على نفقته الخاصة. واصبح مألوفا جدا في الجامعات الاهلية قيامهم بجمع أعداد كبيرة جداً من الطلبة في قاعات دراسية واحدة قد تضم مئات الطلبة، وذلك بهدف تقليل عدد الأساتذة وخفض النفقات. وبهذا تتحول المحاضرة الجامعية إلى ما يشبه المحاضرة الجماهيرية التي يفقد فيها الأستاذ القدرة على الحوار العلمي ومتابعة الطلبة وتقييم مستواهم الحقيقي، وهو ما يتعارض مع جوهر التعليم الجامعي الذي يقوم أساساً على التفاعل العلمي والنقاش والإشراف الأكاديمي المباشر.
وبأختصار، إن الأستاذ الجامعي هو حجر الأساس في أي منظومة تعليمية ناجحة ومن دون تمكينه من أداء دوره العلمي لا يمكن لأي جامعة أن تحقق التميز الحقيقي. ولذلك فإن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وكذلك رئاسة الوزراء، مطالبتان اليوم أكثر من أي وقت مضى بمراقبة هذا الواقع ووضع ضوابط واضحة تضمن حماية مكانة الأستاذ الجامعي وتحقيق العدالة المهنية له. فالدولة أو الجامعة التي تبخل على أساتذتها تخسر أهم رأسمال تمتلكه. أما الجامعة التي تكرّم أساتذتها وتمنحهم المكانة التي يستحقونها، فهي التي تبني لنفسها تاريخاً علميا راسخا يظل حاضرا في ذاكرة الأجيال.