صراع الألف عام.. قراءة تفكيكية في تصريحات ليندسي غراهام وأبعاد "الأدلجة" في السياسة الخارجية الأمريكية

صراع الألف عام.. قراءة تفكيكية في تصريحات ليندسي غراهام وأبعاد "الأدلجة" في السياسة الخارجية الأمريكية

 في لحظات التحول الكبرى في تاريخ العلاقات الدولية، تبرز أحياناً تصريحات تتجاوز الأطر الدبلوماسية المعتادة لتمس جذور الهوية والعقيدة. التصريح الأخير للسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، الذي وصف فيه الصراع القائم بأنه "حرب دينية لألف سنة بيننا وبينكم وسنرى من ينتصر"، ويقصد هنا "بينكم" هم الشيعة، وهذا مؤشر على انبعاث تيار "الأدلجة الدينية" في قلب المؤسسة التشريعية الأمريكية، وهو ما يستدعي وقفة تحليلية رصينة لتفكيك هذه البنى الفكرية.
ينتمي ليندسي غراهام إلى تيار داخل الحزب الجمهوري يمزج بين "المحافظة الجديدة" وبين الرؤى الإنجيلية السياسية التي ترى الصراعات في الشرق الأوسط من منظور "نهاية التاريخ" أو الصدامات الحتمية. يهدف هذا الخطاب إلى تعبئة القواعد الشعبية اليمينية في الولايات المتحدة عبر خلق "عدو وجودي" يتجاوز الخلاف السياسي حول الاتفاق النووي أو النفوذ الإقليمي، ليصبح صراعاً صفرياً لا يقبل الحلول الوسط.
 الخطورة في هذا التصريح تكمن في أنه لا يستهدف دولة بعينها (كإيران مثلاً)، لكنه يستهدف مكوّناً مذهبياً عابراً للحدود، مما يعني تحويل الصراع من خلاف مع أنظمة إلى صدام مع هويات ثقافية ودينية، يعيدنا هذا التصريح إلى أطروحة صامويل هنتنغتون حول "صراع الحضارات"، ولكن بنسخة أكثر حدة وتحديداً.
إن إشارة غراهام إلى "ألف عام" لا تبدو عفوية عند ربطها بالمخيال الديني لتيارات "الصهيوالمسيحية" المتحالفة مع اليمين المتطرف، وهذا يحيلنا إلى فكرة الحروب الصليبية أو حروب الاستنزاف التاريخية، وهو محاولة لإضفاء طابع "القدرية" على الصراع، مما يوحي بأن الحلول الدبلوماسية لا جدوى منها أمام صراع متجذر في اللاهوت مستخدماً مصطلح "ألف سنة"، وهو استحضار مبطن لجذور الصراع التي بدأت في فجر الإسلام، وتحديداً في واقعة خيبر.
يرى المحللون أن هذا الخطاب يستبطن رغبة في تصفية حسابات تاريخية تعود لليوم الذي قُلع فيه باب خيبر وقُتل فيه "مَرحب" على يد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). بالنسبة لهذا التيار، يمثل أتباع علي (ع) اليوم الامتداد الحي لتلك القوة التي كسرت الهيمنة في خيبر، ومن هنا تنبع فكرة "الثأر" المؤجل لألف عام. يتم تصوير المواجهة الحالية وكأنها محاولة لإعادة إنتاج مبارزة خيبر، ولكن برغبة في تغيير النتيجة التاريخية؛ إذ تُسخّر الآلة العسكرية الحديثة لمواجهة "روح حيدر" التي يراها غراهام متجسدة في محور المقاومة، مما يحول الصراع من تنافس سياسي إلى معركة "ثأر لاهوتي".
وقوله "بيننا وبينكم" يضع الولايات المتحدة كطرف ديني مباشر في الصراع، وهو ما يتناقض مع الدستور الأمريكي العلماني، لكنه يتسق مع تيار "الصهيونية المسيحية" الذي يرى في صراعات المنطقة تحقيقاً لنبوءات توراتية.
لا ينفصل خطاب غراهام عن التصعيد العسكري الجاري حالياً في المنطقة؛ وهذا يمثل الغطاء الأخلاقي للتحركات الميدانية عندما يُصنف الخصم (إيران وحلفاؤها) كعدو ديني "تاريخي"، تتحول الضربات العسكرية المتبادلة في العراق ولبنان واليمن من ردع سياسي إلى واجب عقائدي، وهذا يفسر الضغط الذي يمارسه الأمريكان وأقرانهم في تل أبيب واشنطن لتوسيع دائرة الحرب لتشمل العمق الشيعي. ساعين إلى تجريد محور المقاومة من أهدافه السياسية (كتحرير الأرض أو السيادة) وحصره في أجندة مذهبية فقط، لتبرير بناء تحالفات دولية وإقليمية لمواجهته تحت ذريعة حماية التوازن الطائفي أو الأمن القومي العالمي. 
ينتقل التواجد الأمريكي في المنطقة، وفق هذا المنطق، من مكافحة الإرهاب (مثل داعش) إلى احتواء المذهب، وهو ما يجعل الخروج الأمريكي من المنطقة أكثر تعقيداً؛ لأن الحروب الدينية لا تنتهي بالاتفاقيات التقنية وإنما بالاستسلام التام للطرف الآخر.
إن أدلجة الصراع السياسي تؤدي إلى نتائج كارثية على استقرار المنطقة، ومن أهمها: عندما يتحول الخلاف إلى حرب دينية، يصبح التفاوض خيانة، مما يغلق الأبواب أمام القنوات السياسية ويدفع نحو خيارات عسكرية انتحارية. ومثل هذه التصريحات هي هدية للجماعات المتطرفة؛ فهي تؤكد سردياتهم حول الغرب الذي يستهدف الأديان، مما يسهل عمليات التعبئة العامة ويزيد من حدة الاستقطاب الميداني، كما إن حصر الصراع في البعد المذهبي يهدد النسيج الاجتماعي لدول المنطقة التي يمثل فيها المكون الشيعي جزءاً أصيلاً وتاريخياً من هويتها الوطنية، ويجعلهم أهدافاً سياسية في الخطاب الغربي.
قال غراهام في نهاية تصريحه: "وسنرى من ينتصر؟"، فالحقيقة التاريخية والسياسية تؤكد أن الصراعات القائمة على محو الهوية الدينية لا تنتهي بانتصار طرف على آخر، وإنما تنتهي بدمار مشترك للقيم الإنسانية والمدنية، فالانتصار الحقيقي يكون في القدرة على إخراج العلاقات الدولية من عنق زجاجة الأصوليات المتطرفة، والعودة إلى منطق المصالح المشتركة والقانون الدولي بدلاً من منطق الحروب المقدسة.
إن تصريحات غراهام هذه تعكس أزمة عميقة في فهم الآخر داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، وهي تتطلب رداً عقلانياً يؤكد على أن شعوب المنطقة، بمختلف مذاهبها، ترفض أن تكون وقوداً لحروب أيديولوجية تُصاغ خلف البحار لأغراض انتخابية أو تكتيكية ضيقة.