عُقدة الغرب تجاه الشرق

عُقدة الغرب تجاه الشرق

 ثلاثة امورٍ حددت ولا تزال تحدد مسار العلاقات الغربية بالشرق, وأقصد بالشرق كل دول العالم القديم وصولاً إلى عصرنا الحالي الممتدة من شبه القارة الهندية مروراً بـ"روسيا" وما يعُرف اليوم بجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق إلى بلاد فارس أي ايران الحالية إلى أُس الحضارة العالمية الأول المتمثل بـ"العراق" وإلى بلدان الخليج العربي الحالية وبلاديّ الشام والأناضول وصولاً إلى أُس الحضارة الثاني بلاد مصر, أما بلدان الغرب فتمثلها جميع البلدان الأوربية وصنيّعتها الولايات المتحدة الامريكية, وهذه الأمور الثلاثة نستعرضها كالآتي:
أولاً: البربرية المتجذرة: الفارق بين (الحضارة/ (Civilizationو(الثقافة/ (Cultureهي ان الحضارة هي الجانب المادي من الثقافة وبالتالي تعتبر بمثابة الشق التكنولوجي الذي هو شكل من اشكال الثقافة على اعتبار ان الثقافة إنما تشتمل ايضاً على جوانب اخرى لا مادية كالدين والفن والفلسفة والقانون بالإضافة إلى اتجاهات السياسة والاخلاق والقيم, ونظراً للتغير الهائل الذي يطرأ على الجوانب المادية والتكنولوجية للثقافة صدرت اشكال ثقافية معقدة وعلى درجة عالية من التركيب والرقي تلك هي اشكال الحضارة بمعنى ان الحضارة هي نوع ثقافي معقد او هي ثقافة حضرية مركبة وهذا هو السبب الذي من اجله اتجهت ثقافة اهل المدن والحواضر نحو اعقد الانماط والاشكال الثقافية, ومن هذا المنطلق نرى أن جذور البربرية لا تزال قائمة في بلدان الغرب ومع اختلاف في المستويات نجدها متأصلة فيهم وما حصل لا يعدو أن تقدمت هذه الدول على الصعيد الحضاري المادي من عمران وتكنولوجيا فيما أقدمت على شرنقة أو تغليف الأفكار البربرية بـ"غلافات" متنوعة من قبيل "الشرعية" أو "القانون" أو "مبادئ العدل الدولية" وغيرها لتكون غطاءً لها في تنفيذ ممارساتها البربرية التي اكتست بحسب مصطلحات الشرعية والقانون والعدل لباساً باتت في ظله تمارس ما تريد من سيطرة محكمة على البلدان من خارج ما يُعرف منها بالغربية وبالتحديد الشرقية ومعاقبة مخالفيها بذريعة مخالفتها للشرعية والقانون والعدالة. 
ثانياً: رُقيّ الشرق: واحدة من بين عُقد دول الغرب تجاه دول الشرق أن الأخيرة كانت منبت الحضارات والثقافات بدءاً بالحضارتين العراقية والمصرية القديمتين مروراً بحضارات الهند وفارس والأناضول والصين, لذا نجد أن الغرب ولكي يغطي على عقدة النقص الحضاري الثقافي هذه بادر إلى اختلاق عُرف ساد عندها من أن أصل الحضارة أو الثقافة التي تعيشها بلدانها الآن إنما هو نتاج ما توصلت إليه الحضارة اليونانية القديمة لذا عدَّ الغربيون اليونان أصلهم الذي نشأوا منه وأن كل ما توصلت إليه الحضارات القديمة منذ الألف السادس قبل الميلاد أي قبل ثمانية آلاف سنة من الآن وعلى وجه الخصوص العراقية والمصرية من علم في المجالات السياسية والاقتصادية والدينية والطبية وحتى الأسطورية وغيرها نسبوه إلى اليونانيين القدماء الذين يعود تاريخهم الحضاري إلى الألف الأول قبل الميلاد أي بعد قرابة خمسة آلاف سنة من تاريخ نشوء الحضارتين آنفتي الذكر؛ في محاولة لتجريد الشرق من سمة الريادة الحضارية.
ثالثاً: الدين والحروب: كل الحروب التي يشنها الغرب نابعة من فكرة دينية تتمثل بالاختيار الربّاني أي أنهم من وقع عليهم اختيار الربّ دون سائر البشر لقيادة العالم بل وتمكنهم من الله ذاته إذ جاء في الكُتبّ المقدّسة عندهم: "لا يُدعَى اسمُكَ يعقوبَ بَعدَ الآن بل إسرائيل, لأنكَ غالبتَ الله والناسَ وغَلَبتَ" (التكوين/30), وجاء أيضاً بما يدل على أنهم محط مساعدة الربّ: "أيُّها الرّبُّ الإلهُ القديرُ, ها هيَ اللحظةُ المُناسبةُ, ساعِد شعَبَك وساعِدني في تحقيق غايتي, كُن معي لأقضيَ على أعدائِنا وتتمجَّدَ أُورشُليمُ" (يهوديت/6), ومن صلب هذه المعتقدات الدينية كانت حروبهم في التاريخ القديم وفي التاريخين الاسلامي والحديث والمعاصر ما هي إلا حروباً مزيفة باسم الدين.