قبلُ أنْ تبدأَ حرب، فكرا كيفَ ستنهيها

قبلُ أنْ تبدأَ حرب، فكرا كيفَ ستنهيها

   تتداولَ وسائلَ الإعلامِ المختلفة، هذهِ الأيامِ أخبارا متسارعةً صادرةً عنْ طهرانَ وواشنطن وتلِ أبيبَ حولَ الكيفيةِ التي يمكنُ أنْ تنتهيَ بها الحرب الدائرة بينهما، التي اندلعتْ قبلَ أكثرَ منْ عشرةِ أيام، في ظلِ تصاعدِ التوتراتِ الإقليميةِ والدوليةِ ، وتطرحُ في الخطابِ السياسيِ والإعلاميِ مبرراتٍ وأسبابٍ عدةَ لهذهِ المواجهةِ العسكرية ، التي بادرتْ واشنطن وحليفتها تلُ أبيبَ في شنتها على طهران، أبرزها المخاوفُ المرتبطةُ بالبرنامجِ النوويِ الإيراني، إضافةٌ إلى ضغوطِ وتحذيراتِ صهيونية، تعكسَ قلقها العميقَ على أمنها ومستقبلها في منطقةٍ تعيشُ تاريخا طويلاً منْ الصراعاتِ وعدمِ الاستقرار.
   إنَ هذهِ التطوراتِ تعيدُ إلى الأذهانِ تساؤلاً مهما: ما هوَ تعريفُ الحربِ في القانونِ الدولي؟ في الواقع، تجنبُ الفقهِ القانونيِ الدوليِ القديمِ تقديمُ تعريفٍ دقيقٍ للحرب، ليسَ عجزا عنْ ذلكَ بقدرِ ما هوَ إدراكُ لطبيعتها الكارثية. فالحرب، بطبيعتها، ليستْ مجردَ حالةٍ قانونيةٍ بينَ دولتين، بلْ هيَ حدثٌ مدمرٌ يخلفُ آثارا إنسانيةً واقتصاديةً وسياسيةً عميقةً يصعبُ حصرها أوْ تبريرها بقواعدَ قانونيةٍ جامدة. لقدْ رأى كثيرٌ منْ الفقهاء، أنَ إعطاءَ الحربِ تعريفا قانونيا صارما، قدْ يضفي عليها نوعا منْ الشرعيةِ أوْ التنظيمِ الذي قدْ يشجعُ الدولَ على اللجوءِ إليها كوسيلةٍ لحلِ النزاعات. لذلكَ اتجهَ القانونُ الدوليُ الحديثُ إلى التركيزِ على تقييدِ استخدامِ القوةِ ومنعِ الحروب، وهوَ ما تجسدَ بوضوحِ في ميثاقِ الأممِ المتحدةِ الذي جعلَ الأصلُ هوَ حظرُ استخدامِ القوةِ في العلاقاتِ الدولية، معَ استثناءاتٍ محدودةٍ مثلٍ حقِ الدفاعِ عنْ النفسِ أوْ بقرارٍ منْ مجلسِ الأمن.
  ليستْ الحروبُ قرارا عابرا تتخذهُ الدولُ في لحظةِ غضبٍ أوْ اندفاع، بلْ هيَ طريقٌ طويلٌ مليءٌ بالخسائرِ والتعقيدات. فالتاريخُ يخبرنا أنَ إشعالَ الحربِ قدْ يكونُ سهلا، لكنَ إنهاءها هوَ التحدي الحقيقيُ الذي يواجهُ القادةُ والشعوبُ معا.
   لذلكَ فإنَ الحكمةَ السياسيةَ، لا تكمنُ في القدرةِ على بدءِ الصراع، بلْ في امتلاكِ رؤيةٍ واضحةٍ لكيفيةِ الخروجِ منهُ بأقلِ الخسائرِ الممكنة. فكلُ حربٍ تبدأُ دونَ تصورُ لنهايتها قدْ تتحولُ إلى مأزقٍ طويلٍ يدفعُ ثمنهُ الجميع. 
        إنَ التجاربَ التاريخيةَ أثبتتْ أنَ الحروب، حتى عندما تنتهي بانتصارٍ عسكريٍ لطرفِ ما، لا تتركُ وراءها سوى الخسائرِ العميقة. فالمدنُ تدمر، والبنيةُ التحتيةُ تنهار، والاقتصاداتُ تستنزف، والأرواحُ البشريةُ تفقد، وتبقى آثارُ الصدماتِ الإنسانيةِ والاجتماعيةِ لسنواتٍ طويلة- وفي كثيرٍ منْ الأحيان- لا ينجو أحدٌ منْ نتائجها، لأنَ الخسارةَ الحقيقيةَ لا تقاسُ فقطْ بعددِ الضحايا أوْ حجمِ الدمار، بلْ بما تتركهُ منْ كراهيةِ وعدمِ استقرارٍ يهددُ الأجيالَ القادمة، لهذا السببِ يتطلبُ التفكيرُ في نتائجِ الحربِ قبلَ الخوضِ فيها أمرا بالغ الأهمية. فالقادةُ وصناعُ القرارِ مطالبونَ بالنظرِ إلى ما بعدَ المعركة، لا إلى لحظةِ المواجهةِ فقط. إنَ الحكمةَ السياسيةَ لا تكمنُ في القدرةِ على إشعالِ الحروب، بلْ في القدرةِ على تجنبها وإيجادُ حلولٍ سلميةٍ للنزاعات، مهما بدتْ صعبةً أوْ معقدة. وفي عالمٍ مترابطٍ كما هوَ اليوم.
      لمْ تعدْ الحروبُ شأنا محليا يخصُ أطرافها المباشرينَ فقط، بلْ تمتدُ آثارها إلى الاقتصادِ العالميِ والاستقرارِ الإقليميِ والأمنِ الإنساني. لذلكَ فإنَ المسؤوليةَ الأخلاقيةَ والقانونيةَ تفرضُ على المجتمعِ الدوليِ وقادتهِ أنْ يضعوا السلامُ والحوارُ في مقدمةِ الخيارات، وأنْ يدركوا أنَ ثمنَ الحربِ غالبا ما يكونُ أكبرَ بكثيرٍ منْ أيِ مكسبٍ يتصورُ تحقيقهُ منها