تندرج قصيدة "عبست وجوه القوم" للسيد جعفر الحلي ضمن الشعر الحسيني الملحمي الذي تتجلى فيه التضحية، والبطولة، والإيثار.
ويحتل العباس بن علي "عليه السلام" في هذه القصيدة موقع البطل، الذي يجمع بين القوة الجسدية، والسمو الأخلاقي، والوعي الرسالي.
وتنهض القصيدة على بنية ذات كثافة دلالية عالية، يعمد الشاعر من خلال استدعاء شخصية أبي الفضل العباس "عليه السلام"، لتشييد النموذج البطولي، الذي تتداخل فيه المرجعية العقدية مع الصياغة الجمالية المشحونة بالقيم.
النص من موسيقى بحر الكامل، حرف الروي الميم المرفوع، القافية متداركة.
ويفتتح السيد نصه بمفارقة تؤسس البنية الدلالية للقصيدة، فيقابل بين وجوه عبست خوفا من الموت، ووجه أشرق تبسما في حضرته، لتنبثق من هذا التقابل ثنائية الخوف واليقين، والانكسار والثبات.
ومن هذا التوتر الأول تتنامى الحركة الشعرية، فتتدرج من التصوير إلى الفعل، ليصبح النص فضاء ملحميا مشحونا بطاقة بلاغية عالية.
النص:
عبســت وجـــوه القـوم خوف الـموت والـ ــــعباس فيهم ضاحك متبســـم
قلب اليمين على الشمال وغاص في الـ ـأوساط يحصد للرؤوس ويحطـــم
وثنـــى أبـــو الفضــــل الفـــوارس نكصـــا فرأوا أشد ثباتهـــم أن يهزمـــــوا
مـــا كــــر ذو بـــــــأس لــــه متقــــدمـــا إلا وفـــــر ورأســــــه المتقــــدم
صبـغ الخيـــــول برمحهـــــا حتى غـــــدا سيان أشقــر لونهــــا والأدهــــم
ما شـــد غضبـــانــــا علـــى ملــــومــــة إلا وحــــل بهــــا البــلاء المبـــرم
بطـــــل تــــورث مـــن أبيـــــه شجاعـــة فيها أنوف بني الضلالـــة ترغــــم
ويعد مطلع النص من المطالع المحكمة التي تنهض بوظيفة التأسيس الدلالي والبلاغي، إذ يختصر في بيت واحد الصراع القيمي الذي تفرعت عنه القصيدة بأكملها، وأقام منذ اللحظة الأولى بناء بلاغيا قائما على التقابل والتضاد والجناس وغيرها من الصور البلاغة.
الخوف / الاطمئنان، بين عبست / ضاحك متبسم
والجناس الناقص بين: عبست والعباس (اختلاف في الحروف والترتيب).
والتكرار الدلالي: في ضاحك متبسم، وهو توكيد معنوي يزيد الصورة إشراقا وقوة.
عبست وجوه القوم كناية عن شدة الخوف والرهبة.
ضاحك متبسم كناية عن الثبات والشجاعة وطمأنينة النفس.
ونلاحظ الصورة الجماعية للقوم الخائفين مقابل صورة فردية بطولية للعباس، مما يعمق الأثر النفسي.
كما أن التعريف والتنكير في "وجوه القوم" المعرفة، دلت على الجماعة، في مقابل إفراد العباس بالذكر علما، وهو تقابل بلاغي بين الكتلة الباغية والفرد المضيء.
ووصف السيد حالة القوم (عبست وجوه القوم) على ذكر العباس، ليجعل الجو النفسي العام مشبعا بالخوف، ثم يفاجئ المتلقي بالصورة المضادة (والعباس فيهم ضاحك متبسم)، فتتحقق صدمة بلاغية ترفع من مستوى التلقي وتشد الانتباه منذ المطلع.
وبذلك تحول المطلع إلى مفتاح تأويلي للقصيدة، تقرأ على ضوئه كل ما يليه من صور البطولة والإقدام.
ثم يأتي تصعيد الحركة الملحمية وبناء صورة البطل الفاعل في البيت الثاني، حيث يقول:
قلب اليمين على الشمال وغاص في الـــ أوساط يحصد للرؤوس ويحطم
يقوم هذا البيت على تتابع أفعال بطولية متسارعة (قلب – غاص – يحصد – يحطم)، وهو تتابع مقصود يحدث أثرا إيقاعيا ودلاليا متنامٍ بدأ من الالتفاف، ثم الاقتحام، وينتهي بالإبادة.
والتعبير بـ "غاص في الأوساط" استعارة مكانية قوية، تصور العباس بالجسم النافذ الذي يخترق الكتلة المعادية، ويتعمد مركز الخطر، وفي ذلك دلالة على البسالة المطلقة وازدراء الموت.
"يحصد الرؤوس" استعارة مكنية أيضا ذات أصل زراعي، فالرؤوس تحصد كما يحصد الزرع إذا بلغ أوانه.
وثنى أبو الفضل الفوارس نكصا فرأوا أشد ثباتهم أن يهزموا
بهذا البيت مفارقة القوة؛ فالفوارس، وهم رمز الشجاعة يهزمون أمام بسالة العباس "عليه السلام".
وقوله "أشد ثباتهم أن يهزموا"، لا يمدحهم بالثبات، ولا يهون من عنفهم وشراستهم، هو يدينهم إدانة بلاغية، إذ يجعل أقصى فضائلهم العسكرية تنقلب إلى رذيلة، وأقصى ثباتهم ينتهي إلى الهزيمة.
ومن جهة أخرى، فإن هذا التركيب يوضح بطولة العباس "ع"، ويظهر قوته الكاسحة، وهذا من أرقى أساليب القلب الدلالي في الشعر الملحمي،
ما كر ذو بأس له متقدما إلا وفر ورأسه المتقدم
الكر: هجوم الشجاع الواثق، ولا يكون إلا من فارس.
الفر: انسحاب وهروب من الهلاك، يصدر عن جبن.
واجتماعهما في بيت واحد يولد توترا دلاليا مقصودا، والعلاقة بين الكر والفر، في المنطق الحربي المعتاد: يكر → ينتصر أو يصمد، يفر → ينجو بحياته
يشيد السيد في هذا البيت صورة بلاغية بالغة الدقة، تقوم على مفارقة حركية محكمة، فالفارس ذو البأس، حين يكر متقدما إلى المبارزة وهو على صهوة جواده يتقدم رأسه "حيا"، غير أن انقلابا فجائيا يطرأ في لحظة المواجهة مع العباس "عليه السلام"، إذ لا يتاح له فرصة الفرار؛ فما إن يعزم عليه حتى يسبقه سيف، فيفر الرأس بعد أن يفصل، متقدما ويلحقه الجسد "ميتًا".
صبغ الخيول برمحهـا حتى غدا سيان أشقر لونها والأدهم
دلالة تتجاوز ظاهر الصورة إلى مفارقة حركية زمنية عالية الدقة، فإضافة الفعل إلى الخيول في قوله "برمحها" تؤسس صورة إيحائية مركبة، توحي بسرعة اندفاع الخيل في ساحة القتال، حتى كأنها البرق في جريها، لا تكاد تدرك، ولا تلحق.
غير أنه رغم هذه السرعة القصوى، إلا أن حركة سيف العباس "عليه السلام" أسبق من جري الخيل، إذ صبغها بالدماء وهي في ذروة اندفاعها، وعليه فإن فعل العباس "عليه السلام" يسبق الزمن، حتى استوت ألوان الخيل، ومصائر الفرسان.
ما شد غضبانا على ملومة إلا وحل بها البلاء المبرم
الغضب في الله، غضبا قيميا موجها ضد الظلم، وأن البلاء حتمي لكل من يقف في طريق هذا الغضب، والبلاء "المبرم" صفة تفيد الإحكام والقطع، أي أنه كتب المصير وانتهى.
بطل تورث من أبيه شجاعة فيها أنوف بني الضلالة ترغم
يتطرق السيد إلى الوراثة البيولوجية والقيمية التي ورثها العباس "عليه السلام" من أبيه، وقوله ترغم أنوف، فيها استدعاء لبطولات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام"
تتجلى قوة قصيدة "عبست وجوه القوم" في جمالياتها البلاغية، إذ أحسن السيد جعفر الحلي توظيف الدلالات، وتسريع الصورة الحركية ليشيد بناء ملحميا مشدودا، تتآزر فيه اللغة والإيقاع والمعنى، ما منح النص قوة إيحائية عالية وقدرة لافتة على شد المتلقي وترسيخ الدلالة.
القصيدة مثالا ناضجا على التقاء الجمال البلاغي بالقوة التعبيرية، النص شديد الإحكام والتأثير.
"عبست وجوه القوم" للسيد جعفر الحلي