البعد العجائبي في قصائد الجود - دراسة في الدلالات الرّمزية والوظائف الجمالية

البعد العجائبي في قصائد الجود - دراسة في الدلالات الرّمزية والوظائف الجمالية

    يمثّل السّرد فضاءً مفتوحاً على سائر تشكّلات الفعل الإبداعي في شتّى صوره، ومن ضمنها الحقل الأدبي الّذي عُرف بدوره تحوّلاً ملحوظاً في اتّجاهاته إذ أنَّ بعض النّصوص المتخيّلة أخذت منعطفاً جديداً تجاوزت به الأشكال القديمة المستهلكة، باحثة عن أشكال جديدة حيّة قادرة على الإبداع والتّعبير عن المألوف بنسق غير مألوف، وذلك لخرق السّائد والانزياح عن الشّكل والمضامين التّقليديّة.
   وقد يتجلى هذا البعد العجائبي في قصائد الجود ليس فقط كحيلة فنية، بل كوسيلة للتعبير عن القيم الإنسانية والدينية والوجدانية، ولتوسيع أفق التجربة الشعورية لدى القارئ، إذ يعكس العجائبي في هذه القصائد قدرة الشاعر على المزج بين الواقع والخيال، بين الرمزية والوظيفة الجمالية، فيخلق نصًا متحركًا يتجاوز حدود المألوف، ويحوّل القراءة إلى تجربة تأملية غنية، كما يفتح أمام القارئ أبوابًا لفهم معاني الجود والعطاء، والفضائل التي تنبثق من النص الشعري، بطريقة تجعل العجائبي وسيلة للفهم وليس مجرد زخرف فني، قول الشّاعر هيثم نوح حسن في قصيدته "شظايا المشرعة" يقول فيها (البحر البسيط):
هــــذا أبـــــو الفــــضلِ الــــّذي بيـــمينِـــه                           ظمـــأ وفــــي عيـــــــــنيِه نــــــــارٌ متـــــــرعــــــه
يغفو على عطشِ المياهِ ويشتكي                   
        سهماً أراق الـماءِ وســـــــطَ المــــعمــعه
وبجــــــــــــنبهِ قـــــــــربٌ تــــــــــــــأنُّ بــــــــكــــــــــفّهِ                          أوصـــــالــــــُها بــــفمِ الفـــضــــــــاءِ مـــــــوزعــــه
تــــــحبــــو علـــــــى أشـــــــــلائِها بتــــــكـــسرٍ                                    لكــــنَّ مصـــــرعـَــــها يجــــاورُ مـــــــصرعه
ظــــلّــــتْ تطــــوفُ بمـــائِها في قبــــــرهِ                            للآن تــــوثّـــــقُ صـــــبرَها بــــالمــــــــشرعـــه
لــــلآن توتـــــدُ رأســـــــَـها عـــند الـــظــــما                           فوقَ الغمامِ على عيـونِ مـــســـــــرعـــــــه
للآن ثــــــــارك فــــي يــــــديّـــــكَ مـــــكبّـــــلٌ                          لهــــــفي على تلـــــــكَ اليـــــــدينِ مقطعه
      تتأتى عجائبية النّص هنا من خلال تحطيم المألوف.. فالنزعة الواقعية الّتي يجسّدها النّص تعدُّ أوّل إشارة عميقة تستدعي حضور القارئ والتركيز على فهم الحدث العجائبي، فقد قدّمها لنا الشّاعر على وفق طريقة مميّزة بالكتابة، حين تتبدّى ملامحها، من خلال بنية الرؤيا الّتي دخلت العلاقة بين عناصرها، والّتي تكون لها مستوى من الانزياح الشديد، وإلغاء العلاقات المنطقية، الّتي تتشكّل من خلالِها بنية العجائبية في الكون الشعري، ممّا يجعلها تدخل في سياق يقوم على مزيد من التعقيد في العلاقة بين مكوناتها وعناصرها، ومن ثمَّ أخذ يقدّم لنا هذه الرؤى من خلال تحقيق الاندهاش المتمثّل بدلالة" هــــذا أبـــــو الفــــضل الــــّذي بيـــمينـــه/ ظمـــأ وفــــي عيــــنيه نــــارٌ مترعه، يغفو على عطشِ المياه ويشتكي" إذ حوّل في طبيعة القربة ومنحها صفات إنسانيّة من خلال دلالة الأفعال "تأنّ/ تحبو/ توتد رأسها/ ظلّت تطوف" فتشخيص القربة وأنسنتها أضاف للنّص عجائبيّة ما؛ لأنَّها اندمجت بالوعي التاريخي الّتي تشبّعت بها ذاكرة الشاعر لكن الإحالة عليها وتوظيف دلالة " الآن" في خدمة نسق الحاضر الّذي يوحي بسلطة الماضي ودلالته على استمراريّة الألم والمعاناة، فنلحظ أنَّ عجائبيّة النّص تحقّقت من خلال خرق المنطق أو مألوفيّة جريانه الّذي حوّل الشعري إلى عجائبي لاكتنازه بالملفوظات والصور والدّلالات الّتي جاءت على وفق معطيات المعنى وحاجة الدّلالة، وبرز دور الشّاعر في استعمال اللفظ المناسب والتركيب في كسر التوقع لدى المتلقي والابتعاد به عن دائرة المنطق والواقعية.
   ومن الشّواهد الأخرى قصيدة الشّاعر غني عبد الجّبار "يا سيّد الماء" (البحر الكامل):
وأصـــــفرَّ وجهُ الموتِ مـــنك ورده                                  عمدَ اللـــــــئامِ فـــــطاحَ مــنك لــواءُ
الماءُ فوقَ يديكَ غرغرَ واستحى                                  متـــــعذّراً والـــــــعــــذرُ منــــــــه بــــكـــــاءُ
فأجبتهُ وـشـــــــــرارُ عيـــــــــنكَ جــــــمرة                                  حـــــمــــراء أطـــــــــفـأها دمٌ وحــــــيـــاءُ
خجلَ الفراتُ وقد رآكَ مخـــــضــباً                                  لــــــلآن  حـــمـــــرته عـــــــلــــيكَ رداءُ
يا ســـــــيّدي ذي دجلـــــــة ظــمـــــــآنــــة                                 وتيبّســــتْ في صــــدرِها الأثـــداءُ

رأسُ الفراتِ أتــى إليك مـــطأطــــــأً                                  ولنـــــــــبلِ (حـــــرملة) به أمضاءُ
والبحرُ غيضَ من يـــــديّكَ مداده                                  وعصاك موسى والعدا أشلاُء
   فالملاحظ في هذه الأبيات أنَّ أسلوب الشّاعر، يمزج بين الواقع والعجائبيّة، ليرسم للقارئ مشهداً سينمائيّاً من خلال أحداث كربلاء المؤلمة، ويجعل للمكان –الفرات- واقعاً يواجهه البطل، إذ ساهمت غرابة القصد في هذه الأبيات في خرق منطق الإمكان ومجاوزة المعقول بصور عجائبيّة عبّرت في حقيقة الأمر عن إثراء بنيّة الحدث بكلّ ما هو عجيب ومفارق للواقع وهذا ما يعرف بسرديّة العجائبي الّذي تمثّل بـ"وأصـــــفرّ وجه الموتِ مـــنك ورده/ عمد اللـــــــئام فـــــطاح مــنك لــواء"، فاستحضرت صورة النّهر في هذا المشهد الّذي كان وحده كفيل بخلق ذلك الشّعور بالرّهبة والخوف والاندهاش بدلالة " فأجبته وـشـــــــــرار عيـــــــــنك جــــــمرة"، فكانَ الدّور العجائبي دورًا إيجابيّاً بالنسبةِ للماء فهو الطرف المهيمن والمسيطرُ، بيدَ أنَّ الحوار العجائبي بين سيّدنا العبّاس(عليه السلام) والنّهر كشفَ عن وجهٍ آخر، وخرقَ لما هو مألوف وانزياح عن الواقع المتمثّل بدلالة " الماء فوق يديك غرغر واستحى/ متـــــعذّراً والـــــــعــــذر منــــــــه بــــكـــــاء/"خجل الفرات وقد رآكَ مخـــــضــباً/ لــــــلآن  حـــمـــــرته عـــــــلــــيك رداء" فقد خلقَ الشاعر علاقة جديدة بين الفرات مبنية على مفارقة الواقع القائم على التّشخيص الّذي يثير الدهشة والاستغراب إذ تمثّل بدلالة" ذي دجلـــــــة ظــمـــــــآنــــة/ وتيبّســــت في صــــدرها الأثـــداء" الّتي استطاع من خلالها اختزان عناصر شائقة فاعلة كشفت عن مديات أوسع في التأمّل المستند إلى هذا الوصف العجائبي المتمثّل بـ " رأس الفرات أتــى إليك مـــطأطــــــأ/ ولنـــــــــبل (حـــــرملة) به أمضاء" ما يتولّد عنه من سلسلة من التّداعيات العجائبية الّتي تستحثُ أفق المتلقي وتثير دهشته.