﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾.(1)
جمع عمر بن الخطاب الناس على صلاة التراويح مع نهي النبي عن ذلك، بل فرّقهم بالعصا عندما رآهم قد اجتمعوا لإدائها. ثم وصف عمر بدعته هذه بقوله : (أنها بدعة ونعمت البدعة هي).(2) والغريب أن صاحب البدعة لا يعمل ببدعته، فقط يرميها ويفرضها على الناس ولكنه لا يعمل بها، لأنهُ يراهم حمير يسيرون بلا هدى وهذا ما سوف نراه في قول ابن عمر.
عمر بن الخطاب الذي فرض صلاة التراويح على المسلمين وابتدعها أثبتت كتب الحديث أنهُ لم يكن يُصلي معهم صلاة التراويح هذه، بل كان يُصليها في بيته فرادى، وذلك أنهُ علم أن النبي محمد منع هذه الصلاة وحرّمها وفرّق النبي من رآه يُصليها وقال : (عليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة).(3) ولا أدري لماذا نسى عمر هذا الحديث وتذكرهُ ابنه عبد الله، فعن مجاهد قال: (قال رجل لابن عمر: أصلي خلف الإمام في رمضان؟ فقال: اتقرأ القرآن؟ قال نعم : قال: صل في بيتك).(4) ولكن عمر ابتلى الناس بهذه البدعة وهم يؤدونها إلى هذا اليوم. مع أنهم يرون حديث رسول الله (ص) في صحاحهم والذي يقول فيه : (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار).(5)
وبعد رحيل عمر بن الخطاب جاء من يستفتي ابنه عبد الله بن عمر حيث كان يُعد أحد فقهاء الحجاز، عن مجاهد أن رجلا سأل ابن عمر: (أقوم خلف الإمام في شهر رمضان؟ فقال له عبد الله بن عمر: تنصت كأنك حمار).(6) قالوا عن هذا الحديث: وهذا الأثر هو أصح الآثار التي جاءت عن ابن عمر رضي الله عنه. يعني الذين يقفون خلف الإمام في صلاة التراويح ولا يقرأون القرآن بل ينصتون للإمام هم مثل الحمير. قال الطحاوي : أن السلف لا يستعملون هذه اللفظة إلا في شيء مذموم. فاعترفوا بأن بدعة عمر كانت جدا مذمومة، ولكنهم مع ذلك يقومون في رمضان لصلاة التراويح.
والغريب أن كبار الصحابة خالفوا عمر بن الخطاب فلم يثبت أنهم كانوا يُصلّون صلاة التراويح. ومنهم : عمر بن الخطاب نفسه ، وعثمان بن عفان ، وابن عباس ، وعلي ابن أبي طالب، وأنكرها أبي بن كعب ، وأبو إمامة، وابن عمر بن الخطاب. وغيرهم. لا بل أن كل سنين خلافة الأول ــ أبو بكر ــ لم يصلّ أي مسلم صلاة التراويح جماعة، فلم يثبت ذلك، والأكثر من ذلك أن شطرا من خلافة عمر بن الخطاب لم يشهد أحد بأن المسلمين صلّوا هذه الصلاة جماعة. بل كانت صلاة تطوعية وهي من مستحبات شهر رمضان ونوافله فكانوا يُصلّونها فرادا، إلى ما بعد أواسط خلافة عمر حيث جمعهم على التراويح جماعة وأطلق قولته الشهيرة (أنها بدعة ولكن نعمة البدعة).
وهكذا ظهرت هذه البدعة في أواخر خلافة عمر واستمرت في زمن عثمان وصولا إلى خلافة الإمام علي عليه السلام الذي حاول إصلاح ما فسد من أمور المسلمين ولكنهُ جوبه بجدار صلب من العناد وعدم الطاعة. فعندما أمرهم الإمام علي (ع) منعهم من صلاة التراويح جماعة ، وذكّرهم بحديث ونهي رسول الله (ص) ثاروا في الكوفة وتصايحوا من كل جانب: (يريد علي ابن أبي طالب أن يمنعنا من الصلاة).
ذكر ذلك في خطبة له عليه السلام أوردها الكليني ذكر فيها الإمام علي محاولته في اصلاح ذلك ورد الناس إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله (ص) . يقول : (لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام ! غيرت سنة عمر ! ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري، ولو دعوتهم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه واله وسلم، إذا لتفرقوا عني. ما لقيت من هذه الأمة من الفرقة وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار).(7).
أما الشيعة فهم يُصلون صلاة النوافل الليلية في شهر رمضان (المعروفة بـ نوافل شهر رمضان) بشكل فرادى. ولكل صلاة ادعيتها و سورها الخاصة.
من الأمور المستغربة جدا أن طائفة كبيرة من المسلمين لازالوا إلى هذا اليوم لا يعملون بنهي رسول الله صلوات الله عليه وآله ، ولكنهم يعملون بالبدعة التي سنّها لهم عمر بن الخطاب. أليس هذا الهلاك بعينه قياسا إلى قوله تعالى : (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليكم حفيظا).
المصادر:
1- سورة الصف آية : 2 ــ 3.
2- صحيح البخاري ج2 ص : 252.وكذلك في فتح الباري على صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ، الجزء السادس صفحة : 546.
3- أخرجهُ البخاري، كتاب الأذان، باب صلاة الليل، رقم : 731. وصحيح مسلم كتاب صلاة المسافر وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، رقم : 781.
4- رواه الصنعاني في المصنّف، ج4 ص : 264.
5- سنن ابن ماجة ج1 ص : 15.
6- رواه ابن أبي شيبة ج2 ص : 397. ومختصر كتاب قيام رمضان ص : 71. وكتاب ما صح من آثار الصحابة في ا لفقه. زكريا بن قادر، ج1 ص : 4239. والطحاوي في معاني الآثار ج1 ص : 352.
7- شرح التجريد لنصير الدين الطوسي. والشافي للشريف المرتضى، ودلائل الصدق للعلامة المظفر، وعبقات الأنوار للمير حامد حسين، والغدير للعلامة الأميني، والنص والاجتهاد للسيد شرف الدين العاملي.
صلاة التراويح ما لها وما عليها.