شبهات أوهن من بيت العنكبوت

شبهات أوهن من بيت العنكبوت
الردّ على الشبهات الواهية المثارة على فقرة من حديث الولاية وهي جملة: (اللّهم انصر من نصره واخذل  من خذله).
يطرح بعض الأخوة من مشايخ أهل الجمهور بعض الشبهات المتعلّقة ببيعة يوم الغدير، ويحاول تخفيف وقعها ومفهومها الدالّ على التنصيص والتنصيب للخلافة، بإيهام السامع أنّ الإمام عليّ عليه السلام قد بايع الخلفاء الثلاثة طوعاً. ثمّ يلتمس شبهات، قد لا تكون عن سوء نيّة، ليفرغ مفهوم حديث الولاية من معناه الحقيقي، ومن تلك الشبهات التي طرحها الآتي: 
 أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم معصوم، وهو لا يُخطئ، ودعوته لا تُردّ أبداً، وقد دعا للإمام عليّ عليه السلام قائلاً: (اللّهم انصر من نصره واخذل من خذله)، وبالتالي فكلّ من نصر الإمام نصره الله تعالى، وكلّ من خذله خذله الله تعالى.
ثمّ تساءل: هل نصر الله الخلفاء الثلاثة أم خذلهم؟
وأجاب عن تساؤله: الخليفة الأوّل حارب المرتدّين، ونصره الله فطهّر جزيرة العرب منهم.
الخليفة الثاني توجّه نحو العراق والشام ومصر والأناضول وأفريقيا وإيران والروم، ونصره الله.
الخليفة الثالث أتمّ الفتوحات، ونصره الله تعالى في معاركه.
فإذا كان الخلفاء الثلاثة قد خذلوا عليّاً فلماذا نصرهم الله هذه الانتصارات وفتح لهم هذه الفتوحات؟
فإذا قلتم يا شيعة: إنّ الخلفاء خذلوا عليّاً، فإنّ دعوة رسول الله ردّت، لأنّه قال في دعائه: (اللّهم أخذل من خذله) أي: إذا هم خذلوا عليّاً فلماذا لم يخذلهم الله والنبيّ دعا قائلاً: (اللّهم أخذل من خذله)؟
انتهى كلامه.
وسيكون الردّ على هذه الشبهات مقتضباً وضمن ثلاثة محاور:
* المحور الأوّل: هل بايع الإمام عليّ عليه السلام الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه طوعاً وبغير إكراه وإجبار؟
* المحور الثاني: هل دعاء النبيّ المعظّم مستجاب في كلّ حال وظرف؟
* المحور الثالث: يتفرّع إلى مستويين:
المستوى الأوّل: ما المراد بلفظة النصر الواردة في حديث الولاية؟ وهل المعنى الصحيح للنصر متوقّف على أنّ يقع في الحياة الدنيا؟
 
المستوى الثاني: ما علاقة الفتوحات بالنصر المذكور في حديث الولاية؟ وهل العلاقة بينهما متلازمة لا انفكاك بينها؟
وليعلم قارئي العزيز قبل الخوض في صلب الموضوع أنّ الذي دفعني لكتابة هذا الأوراق هو الانتصار للحقّ وأهله ولتنبيه وتوعية من يجهله. وسيكون اعتمادي في الردّ مبتنياً في الغالب على مصادر أهل الجمهور ومنظومتهم المعرفيّة الحديثيّة، من باب إلزام الخصم بالحجّة، الناقلة للحدث وما جاء فيها متوافقاً مع ما في مصادرنا. وبما أنّ أصل الواقعة في المجمل متكاثر أو مشهور أو مستفيض، فقد أغنانا هذا عن النظر في أسانيدها.
نشرع الآن في الجواب على بركة الهادي الوهّاب:
الجواب عن المحور الأوّل: بالنسبة للخليفة الاوّل أبي بكر، فالثابت أنّ الإمام عليّ عليه السلام لم يبايعه طوعاً، وإنّما أبطأ عن بيعته وقعد أو تلكّأ، وفق ما جاء في تعابير المؤرّخين المدوّنة لحادثة بيعة السقيفة، وإليكم في الحاشية( ) بعض المصادر التي وردت فيها تلكم الواقعة المؤسفة. 
وما دمنا في بداية أجواء هذا المحور يُعجبني أن أنقل لكم امتعاض واعتراض الشيخ المظفّر على بعض المفردات المستعملة في حادثة السقيفة، فقد قال: «أنّه من الظلم أن نقول: أنّ الإمام تخلّف عن البيعة وهو صاحب الأمر الذي يجب أن يؤتى إليه، وإنّما الحقّ أن نقول: أنّ النّاس هم الذين تخلّفوا عنه.
ويتابع: كم تذمّر وتظلّم من دفعه عن حقّه مثل قوله من كلام له في النهج: (فوالله ما زلت مدفوعاً عن حقّي مستأثراً عليّ منذ قبض الله نبيّه صلّى الله عليه [وآله] وسلّم حتّى يوم النّاس هذا)( ).
ويُشير بهذا اليوم إلى عصره في خلافته.
هذا هو الصريح الواضح من رأي الإمام في بيعة السقيفة وما وقع بعدها، ويكفي النظر في الشقشقيّة وحدها، غير أنّ التاريخ قد يحاول أن يكتم هذه الصراحة»( ).
ودفعاً لما قد يثار في النفس من تساؤل حول أسباب التغافل عن استعمال القوّة من قبل المعصوم، نقول: أنّ الإمام عليه السلام يقول في بيان الاغضاء عن حقّه وتوطين نفسه على تأجيل موضوع المطالبة به بعدما نفذت وسائله السلميّة والقوّة الناعمة لاستعادته: (فنظرت فإذا ليس لي معين إلّا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أَمرّ من طعم العلقم)( ). 
وأيضاً يعبّر عليه السلام بحكمته المعهودة عن هذه الجنبة بقوله: (لَا يُعَابُ الْمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ)( ).
وغني عن البيان أنّ الإمام عليه السلام حينما بايع الخليفة الأوّل وجد ضرورة دينيّة تقتضي ذلك فتعالى على الجراح وتغاضى عن غصب حقّة وبادر إلى مساعد السلطة بالنصح والمشورة الصادقة، وقد صرّح بهذا كما في النهج: (ما راعني إلّا انثيال النّاس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي، حتّى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمّد صلّى الله عليه وآله، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم)( ).
وفي هذا البعد يقول السيّد شرف الدين مُبيّناً: «فكان من الطبيعي له أن يُقدّم حقّه قرباناً لحياة المسلمين، لكنّه أراد الاحتفاظ بحقّه في الخلافة، والاحتجاج على من عدل عنه بها على وجه لا تشقّ بهما للمسلمين عصا، ولا تقع بينهم فتنة ينتهزها عدوّهم، فقعد في بيته حتّى أخرجوه كرهاً بدون قتال، ولو أسرع إليهم ما تمّت له حجّة، ولا سطع لشيعته برهان، لكنّه جمع فيما فعل بين حفظ الدِّين والاحتفاظ بحقّه من خلافة المسلمين، وحين رأى أنّ حفظ الاسلام وردّ عادية أعدائه موقوفان في تلك الأيّام على الموادعة والمسالمة، شقّ بنفسه طريق الموادعة، وآثر مسالمة القائمين في الأمر احتفاظاً بالأُمّة، واحتياطاً على الملّة، وضنّاً بالدِّين، وإيثاراً للآجلة على العاجلة، وقياماً بالواجب شرعاً وعقلاً من تقديم الأهمّ- في مقام التعارض- على المُهمّ»( ).
وضمن هذه البيئة يكتب الأستاذ المصري عبد الفتّاح عن ذات الموقف منه عليه السلام: «لقد كان يرى الرأي الذي يُؤاخذ ويُدين، ولكنّه كان يتنزّه عن ركوب السلوك الذي يشدّ به البساط من تحت قدمي المُؤاخذ المدين! .. لا عن خشية أو تحرّج كان يفعل، وإنّما عن حرص مكين حكيم على عروة المسلمين ووحدة الدّين»( ).
ويضيف في موضع آخر: «حفاظاً على كيان الإسلام، وتوثيقاً لعروة المسلمين، وولاء لخلقه الأرفع الأمثل، نرى الإمام يسمو على غضبه العاصف لحقّه المبتزّ المغصوب كأنّه أخذ نفسه بسوغ ازدراد العلقم، ولعق الدم، والطفو فوق الألم»( ).
عموماً، إنّ الحقيقة المنتشرة بين الخافقين والتي لا يمكن طمسها وحذفها من كتب المسلمين أنّ أمير المؤمنين ويعسوب الدين عليه السلام لم يعتقد بصحّة خلافة أبي بكر وعمر واستحقاقهما لها، بل يرى أنّهما استوليا على حقّة في الخلافة الموصى بها إليه، تلك الخلافة المنعقدة له بالتعيينات السماويّة والتنصيصات النبويّة، فراجع المنابع المعتمدة في الهامش( ) الكاشفة لهذه الحقيقة .
أضف إلى ذلك، أنّ الإمام عليّ المرتضى لم يتفرّد في اعتقاده هذا، وإنّما شاركه، كما تذكر مؤلّفات حادثة السقيفة ومصنّفات تهديد إحراق بيت السيّدة فاطمة، جمع من الصحابة الكبار الذين تمرّدوا على  مفضيات السقيفة فاصطفّوا مع الكرار وتحصّنوا في بيت الحوراء الزكيّة وتخلّفوا عن البيعة البكريّة، ووقفوا إلى جانب صاحب الوصيّة وتخندقوا طوال المسيرة مع زعيم العترة في محنته.
ولعلّ ممّا يشهد بذلك ويوحي بصحّة ما ذكرناه في هذا المحوّر أنّ بعض كتب القوم( ) جاء فيها بمفاد متطابق معناه: أنّ سيّد الأوصياء عليّ بن أبي طالب سار ليلاً بالسيّدة الصدّيقة المعصومة سليلة الأنبياء وأُمّ الهداة النجباء فاطمة الزهراء (عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه) إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة لاسترداد حقّه المسلوب في الولاية الإلهيّة والإمرة الربّانيّة.
وفي هذا النطاق يقول الأستاذ عبد الفتاح: «ولأنّ خروجه في هذا الليل له حافزه القويّ، ما دمنا نعلم أنّ كثرة ضخمة من المهاجرين، على رأسها بنو هاشم وبنو أُميّة وبنو زهرة- كما سلف القول- لم تكن عندئذٍ راضية عن بيعة السقيفة .. وربّما لو رُشدت عندئذٍ لأدارت فكرها في حقّ عليّ ثمّ لمالت إلى تأييده إن نحن نأَينا عن القول بأنّها- ربّما- كانت أميل إلى هذا التأييد»( ).
وتُشير صحاحهم ومصادرهم( ) الموثوقة إلى واقعيّة ما ذكرناه، وذلك من خلال تصريح الخليفة عمر عن حادثة السقيفة أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة. وهذه الفلتة ذكرتها أيضاً بعض مصادرنا( ) الإماميّة القديمة. ولأنّ هذه الكلمة تُولّد انطباعاً غير حسن لدى قارئها وسامعها، لذا حاول بعض إخواننا من أهل الجمهور الالتفاف على المعنى الظاهر من لفظة (الفلتة) وتمييع مؤدّاها الفاضح للطريقة التي أُجريت فيها بيعة السقيفة وللمارسة التي نُفّذت فيها العمليّة. ولنستعرض بعض الأقوال لتروا حجم التلاعب والتناقض:
1- يقول الشيخ ابن أبي الحديد المعتزلي: «وقد أكثر النّاس في حديث الفلتة، وذكرها شيوخنا المتكلّمون، فقال شيخنا أبو عليّ رحمه الله تعالى: الفلتة ليست الزلّة والخطيئة، بل هي البغتة وما وقع فجأة من غير رويّة ولا مشاورة»( ).
كيف لا تكون زلّة وخطيئة وهي مرتبطة بأمر ديني ابتدعت لتقف بوجه التنصيب السماوي وأبعاد أصحاب الحقّ والأولى بالتقليد وهضمت حقوقهم وترتّب عليها ظلم وجور عامّ وظلمات وولدت أسوأ المآلات؟! 
2- يعبّر الشيخ ابن الأثير الجزري، وهو يُبيّن مقصود كلمة (الفلتة) العمريّة، بما هذا لفظه: «أراد بالفلتة الفجأة. ومثل هذه البيعة جديرة بأن تكون مُهيّجة للشرّ والفتنة، فعصم الله من ذلك ووقى.
والفلتة: كلّ شيء فُعل من غير رويّة، وإنّما بودر بها خوف انتشار الأمر»( ).
لا أظنّك يا واعي تمرّ مرور الكرام على عبارة (خوف انتشار الأمر) من غير تأمّل وتدبّر، لكونها تُلمّح بطريقة، تساوق التصريح، إنّ وراء الأَكَمَةِ ما وَراَءَها، والذي يُساعد على هذا الفهم من أنّ العبارة تُخفي وراءها نوع مكيدة هو الكلام المنقول عن أحد شرّاح صحيح البخاري، أعني به الشيخ أحمد الداوودي، فقد تحدّث الشيخ أحمد ابن حجر العسقلاني عن الداوودي أنّه قال: «معنى قوله: (كانت فلتة) أنّها وقعت من غير مشيرة مع جميع من كان ينبغي أن يُشاور»( ).
فلماذا لم يُستشر ذلك الجمع الكريم وأهمل بداعي وأد الفتنة وطمر الاختلاف؟ أليست سيدة نساء العالمين مولاتنا فاطمة الزهراء قالت لهم: (ابتداراً، زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا)( ).  
3- يقول الشيخ أبو حاتم محمّد بن حبّان البُستي في هذا المضمار من شرح قول عمر: ((إنّ بيعة أبي بكر فلتة ولكن الله وقى شرّها)): «يُريد أنّ بيعة أبي بكر كان ابتداؤها من غير ملأ، والشيء الذي يكون عن غير ملأ يُقال له الفلتة، وقد يتوقّع فيما لا يجتمع عليه الملأ الشرّ»( ).
أقول: لم يكن الشرّ متوقّعاً فحسب، بل كان مُتيقّناً حدوثه، ولذا أُخذت التدابير القاسية ضدّ من يقف بوجه محدثيه، كما سنقرأ.
هذا، ومن العبائر المشعرة بحدوث الشرّ منها ما ذكره ابن حجر فلنستمع لما يقول: «وفي قوله ((وقى الله شرّها)) إيماء إلى التحذير من الوقوع في مثل ذلك، حيث لا يؤمن من وقوع الشرّ والاختلاف (قوله ولكن الله وقى شرّها) أي: وقاهم ما في العجلة غالباً من الشرّ، لأنّ من العادة أنّ من لم يطلّع على الحكمة في الشيء الذي يفعل بغتة لا يرضاه»( ).
وعلى الرغم من جلاء المعنى الذي نريد تقريبه لذهن القارئ الكريم، يجاهد بعضهم بكلّ الوسائل لحرف الحقيقة والتمويه بحمل لفظة عمر بن الخطاب (الفلتة) على عدم الذمّ والتخطئة.
4- يقول الشيخ محمود الزمخشري: «فلتة: أي: فجأة، لأنّه لم ينتظر بها العوام، وإنّما ابتدرها أكابر الصحابة لعلمهم أنّه ليس له منازع ولا شريك في وجوب التقدّم»( ).
لاحظ كيف يسعى بعضهم للتخلص من الورطة فمرّة تجدهم يقولون: أنّ هناك (جماعة) ينبغي أن يُشاوروا فتركوا من غير لم مشاورة، ومرّة تراهم يقلّلون من شأن هذه (الجماعة) فيعتبرونهم من العوام لا من الخواص الذين يعتمد عليهم في المشورة والعلم.
ثمّ إنّه لم يخبرنا الزمحشري من أين استقى معلوماته الدسمة هذه ليقرّر بأنّ أكابر الصحابة يعلمون أنّه ليس لأبي بكر منازع ولا شريك في وجوب التقدّم؟ هل أصبح من العلم القول بالجهل، أم أنّ إضفاء المبالغات للمقدّس والصنميّة للخطّ لا تتطلّبان تحرّي الدقّة والرجوع إلى المصادر القديمة الموثوقة؟
أجيبونا أيّها العقلاء ألم يكن نقيب البيت العلوي ووصيّ النبيّ الإمام عليّ وحواريه والهاشميّون ومن التجأ إلى البيت الفاطمي ومن نازع المهاجرين في السقيفة ومن رفض مخرجات السقيفة وقرارات البيعة من كبار الصحابة ولو في الجملة؟  نبّئؤنا بعلم إن كنتم صادقين، وقفوهم أنّهم مسؤولون. 
عموماً، على نفس المنوال سار الشيخ ابن حجر كما سنلحظ في النقطة الخامسة.
لكن قبل أنّ نعرّج للنقطة الخامسة نجد  من المناسب أن ننجز هذه نقطة ونشمّعها بما نحته قلم الأستاذ عبد الفتّاح فقد كتب ما يلي: «فالراجح الذي يقارب اليقين أنّ أغلب المهاجرين، ثمّ أكثر الكثيرين من رفاق محمّد على طريق الإيمان منذ بدء الدعوة الهادية، كانوا بعيدين- كما سلفت الإشارة- عن مجال الصراع السياسي بين فريقي- يقصد المهاجرين والأنصار- المتنازعين يومئذٍ على السلطان .. بعضهم نفوراً منه وبعضهم غفلة عنه .. وعامّتهم اطمئناناً يقينيّاً إلى أنّ خلافة صاحب الرسالة باقية في بيته لا محالة، إذ كانوا لا يشكّون لحظة واحدة في أنّ الولاية على المسلمين مُفضية حتماً من بعد محمّد إلى عليّ بن أبي طالب. بحقّ قدره وفضله وليس فقط بحقّ صهره وقُرباه .. فهو من عَلِم النّاس موئل علمه، ولجأ أمره، وموضع سرّه، ونجى قلبه، ولصيق لُبّه، وأولاهم كافّة- أُمّة وآلا- بإمرة المؤمنين بلا مجادلة ولا نزاع.
ثمّ يواصل: ويدلّنا عليه أيضاً ما هو معلوم من أنّ بيعة السقيفة لم يشهدها- أغلب الظنّ- من قريش عامّة ومن مهاجرتها خاصّة، غير نفر قليل أو الأفراد لا يكاد يؤبه بهم في لغة الأعداد!»( ).
5- يقول الشيخ ابن حجر العسقلاني في تفسير عبارة ((ولكن الله وقى شرّها)) حيث إنّه كتب في شرحها: «فوقى الله المسلمين شرّ ذلك، فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شرّ، بل أطاعه النّاس كلّهم من حضر البيعة ومن غاب عنها»( ).
يحسن أن لا ننشغل كثيراً بمثل هذه المناورات والمبالغات ونقول: يكفيكم تدليساً، ففي أيّ مصدر موثوق وجدت يا ابن حجر أنّ كلّ النّاس أطاعت أبا بكر؟ هل نسيت أو تناسيت قصص من تخلّف عن بيعة أبي بكر، أو من خرج عليه وارتدّ، أو من امتنع من تسليم الحقوق الشرعيّة إليه؟ فبيعة أبي بكر تمّت في  ظروف غير طبيعيّة دون أن يعلم بها النّاس جميعاً، بل لم يعلم بها بعض أكابر الصحابة وزعماء الاتّجاهات السياسيّة بحسب تعبير بعض الباحثين.
جدير بالذكر، أنّ بعض مصادر أهل الجمهور وكتب التاريخ( ) التي صوّرت وجود بيعة من الإمام للخليفة الأوّل قد ذكرت أنّ الإمام عليّ عليه السلام لم يبايع إلّا بعد مرور ما يقارب ستة أشهر. 
وضمن هذا الفضاء يذكر الطبري وابن أبي الحديد وغيرهما( ) أنّ الإمام عليّ لم يبايع أبا بكر إلى ستة أشهر، ولا أحد من بني هاشم حتّى بايعه الإمام عليه السلام.
ويوثّق المؤرّخ المسعودي في هذا الإطار الحدث بالعبارة التالية: «ولم يبايعه أحد من بني هاشم حتّى ماتت فاطمة»( ).
واللطيف أنّ البعض يعتبر هذا الرأي هو الذي قال به جمهور المحدّثين، يقول المعتزلي بهذا الخصوص ما يلي: «وأمّا الذي يقوله جمهور المحدّثين وأعيانهم، فإنّه عليه السلام امتنع من البيعة ستة أشهر، ولزم بيته فلم يُبايع حتّى ماتت فاطمة عليها السلام»( ). 
كما يؤيّد الشيخ ابن حجر حقيقة تخلّف الإمام عن البيعة، ويؤول فكرتها، حسب مزاجه، لتحسين صورة الصحابة قادة الفلتة، فيقول: «وكأنّهم كانوا يعذرونه في التخلّف عن أبي بكر في مدّة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عمّا هي فيه من الحزن على أبيها صلّى الله عليه وسلّم؛ ولأنّها لمّا غضبت من ردّ أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه»( ). 
واللّافت في هذه الأخبار والمرويّات( ) أنّها تارة تخبر أنّ الإمام تكلّم مع أبي بكر وبيّن له (لكنّا كنّا نرى أنّ لنا في هذا الأمر شيئاً أو نصيباً) وأنّكم (يعني الخليفة ومن شاركه في السقيفة) استبددتم بالأمر (الخلافة السلطويّة والإمامة السياسيّة) علينا. ومن ثمّ فالإمام بحسب هذه التعابير يرى أنّ له حقّاً في هذا الأمر، وتارة تذكر أنّه لا ينكر فضل من سبقه، وكأنّ المشكلة في هذا الجوّ فقط في عدم مشاركتهم الرأي في ما دار من أحداث في السقيفة. كيف يمكن أن يُقبل هذا؟ ألا يستمعون إلى ما قاله عليه السلام يوم الشورى لعبد الرحمن بن عوف حين أعطى البيعة لعثمان وجعله خليفة: (يا ابن عوف، ليس هذا بأوّل يوم تظاهرتم علينا، مِنْ دَفْعِنا عن حقّنا والاستئثار علينا، وإنّها لسنّة علينا، وطريقة تركتموها)( ).
أو بتعبير آخر نقله النميري والطبري وابن أبي الحديد: (ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)( ).
أرأيتم أحبّتي بعد سرد المستندات مثل هذا التهافت في نقل المحتوى والتعمية في استنطاق المتن والتناقض في استنباط الفحوى؟
لا جرم أنّ من تأمّل ما ذكرناه ظهر له بوضوح تلاعب القوم في المفردات وقصص الأحداث لتحسين صورة خلفائهم.
نجتزئ بهذا في نقاشنا للنقطة الخامسة وسيعلم القارئ أنّ ما سطرّناه في طيّات المقال كافية لدحض ودحر مبالغات الشيخ ابن حجر.  
في خطوة تكميليّة تدخل ضمن مناقشة النقاط الخمسة وملاحقة الكلمات غير المنضبطة والمضخّمة لمدلول (الفلتة)، ثمة ّأمر مثير للغرابة فهناك( ) من يعتبر الكلام العمري بذاته دليلاً على تصويب البيعة، وكأنّ حكايته عن الوقاية الربانيّة لها قد تحقّقت فعلاً وتمّت الاستجابة جزماً! 
وفي الواقع أنّه إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ما جاء في أحاديث الفلتة وقمنا بالتأمّل في تعابيرها وسياقها وبمقارنة مفرداتها فلا تصحّ هذه التخريجة ولا تستقيم، كون إحدى صيغها المرويّة في تاريخ الطبري عن الضحّاك بن خليفة تقول: ((وكانت فلتة كفلتات الجاهليّة))( ). هذا فضلاَ عن إنّ ذيل تصريح عمر بقتل من يعود لمثلها دليل دامغ على عدم صوابيّة ما قاموا به في السقيفة.
ومن هنا نجد الشريف المرتضى يقول عن حديث الفلتة: «وهذا الكلام لا يليق بالمدح، وهو بالذمّ أشبه، فيجب أن يكون محمولاً على معناه»( ). بل يقول الشيخ المجلسي: «ولا يتصوّر في التخطئة والذّم أوكد من ذلك»( ).
وفي هذا المجال تحدّث السيّد أمير محمّد القزويني، وهو يردّ على من أراد التنصّل من حديث الفلتة، فقال: «لمّا كان هذا القول من عمر هادماً لبنيان تلك البيعة من أساسه، وموضّحاً للأُمّة أنّها لم تبن على أساس ديني ولا قانون إلهيّ، وإنّما بُنيت على الآراء والأهواء والميول والرغبات التي ما أنزل الله بها من سلطان، طعن هذه الطعنة في صحّة نسبتها إليه. أمّا نسبة هذه الكلمة إلى عمر فصحيحة كالشمس في رائعة النّهار، لا يشكّ فيها اثنان من أهل النظر، وقد سجّلها عليه المؤرّخون من أهل السنّة وحفّاظها المحقّقين الثقات»( ).
وعن ذلك يكتب السيّد محمّد باقر الصدر الآتي: «وإذا أردنا أن نأخذ هذا الكلام ونفهمه على أنّه كلام إمام يُراعي دستور الإسلام، فمعنى ذلك أنّه رأى موقف أبي بكر وأصحابه في السقيفة فتنة وفساداً»( ).
وبعبارة ملطّفة ومخفّفة ينقش الدكتور عبد الفتّاح التالي: «إنّ ما لا يستطاع إغفاله، هو أنّ بيعة السقيفة قد تبدو على نحو من الأنحاء، وكأنّها لم تكن بيعة مدركة واعية .. سافرة ظاهرة .. عامّة تامّة، بل كانت- حسبما يقود التدليل ويهدي التحليل- أميل إلى الظهور كبيعة متسرّعة عجلى .. مجهولة متستّرة .. منتقصة الأشهاد، قاصرة التأييد»( ).
وأردف وهو يستحضر المقولة العمرية ((الفلتة)) التالي: «فإذا هي الوصف الذي لا يُؤيّدها بقدر ما يُنقدها، ولا يُساندها بقدر ما يُدحضها، أو يُوشك أن يجمع لها من مواضع الخلاف والقصور ما يُغني الغناء كلّه عن المعابة والتجريج ... وليس هذا ما يُقال في وصف بيعة لزمت النهج الواضح السويّ، واتّفقت على صحّتها النظرات، لانّ الفلتة لا تكون إلّا في النادر الشاذ الذي يُخالف الطبيعي المعقول»( ).
وأقول للمرقّعين للفلتة والمجمّلين لصورتها لتخفيف بشاعتها: لا أدري كيف يبلغ التزييف والتحوير هذا المستوى الذي مرّ أمامنا عند من يدّعي العلم الراقي؟! فهل خفيت عليهم تفاصيل حادثة السقيفة وما دار فيها من خلاف على جدارة أبي بكر لمنصب الحكم، وما جرى فيها من نزاع حول استحقاقه للإمامة وكفاءته لتسنّم زمام السلطنة بحيث استوجبت تخلّف كبار الصحابة عن بيعته وتقاعسهم عنها.
وفي ضوء ذلك نرى من الحقّ القول أنّ هذه البيعة البكريّة: «لم تقم على أُسس صحيحة وليس لها رصيد إلهيّ»( ). 
ولا ضير في التعبير عنها بما ألمح إليه( ) السيّد القزويني البصري من أنّ خلافة أبي بكر ليست رحمة ونعمة، ولو كانت من الرحمة والنعمة لما كانت فلتة وزلّة.
وليس هذا النقد خاصّ بكلمة ((الفلتة))، وإنّما يطال تلميعهم لفقرة ((وقى الله شرّها))، ونحن لا نعتقد بوجود خلل ومجانبة للصواب في تعقيب الشيخ محمّد مرعي الأنطاكي على العبارة الآنفة بقوله: «لا والله ما وقى الله شرّها، بل ما زال شررها يلتهب، وضررها مستمرّ»( ).
وما أضافه بعضهم( ) في هذا الوسط من أنّه قد شمل شرّها المسلمين من صدر الإسلام حتّى يومنا هذا، ومزّقت الأُمّة وأبعدتها عن الصراط المستقيم. 
وعلى حدّ تعبير الأستاذ المصري عبد المقصود: كفاها خطورة أن غيّرت اتّجاه تاريخ الإسلام، أو لوّنت صورته السياسيّة بغير ما كان ينبغي، أو - بأرفق تعبير - بغير ما كان يظنّ أن تكون الصورة وتكون الألوان! 
على أيّ حال، نعود لتكملة أجواء المحور الأوّل، فمن المقطوع به أنّ الإمام عليه السلام لم يكن ضمن قيادة عسكر الخليفة الأوّل. والغريب أنّ موروث الأخوة أهل الجمهور الآنف الذكر يثبت أنّه عليه السلام تمنّع من البيعة لأبي بكر ولم يجرها رغم تهديده ومحاولة إكراهه عليها إلّا بعد رحيل زوجه المطّهر الزهراء البتول!
ويحدّثنا الشيخ المظفر، بحسب ما توفّر عنده من معطيات نقليّة وتاريخيّة تامّة، عن تلك الفترة بما هذا لفظه: «وفي كلّ هذه المدّة هو جليس بيته لم يشترك في جماعة ولا جمعة ولا أمر ولا نهي، ولم يُسمع له صوت في حروب الردّة( ) وغيرها، ثمّ يسترسل فيقول: ولا ينكر التاريخ أيضاً تطوّفه على الأنصار وأهل السوابق كما قدّمنا. ولا ينكر عدم اشتراكه في جمعة ولا جماعة، وهو أحرص على الشعائر الدينيّة والواجبات الإلهيّة من أن يجرأ مُجترئ على اتّهامه بالمسامحة فيها.
وهذه المقاطعة وما إليها: إعلان صريح برأيه فيما عليه القوم.
إلى أن يقول: وزبدة المخض: أنّا نفهم من كلّ ذلك أنّ خطّة الإمام في حياة فاطمة كانت المقاطعة والدعوة إلى مبدئه ... ولذا نراه بعد وفاتها يُبدلّ خطّته فيبايع ويبايع معه أهل بيته وأصحابه، ويدخل فيما دخل فيه القوم، ولكن إلى حدّ محدود بقدر ما تحكم به الضرورة الدينيّة للاحتفاظ بالجامعة الإسلاميّة ... ولم تكن نصرته للإسلام وأهله إلّا بسكوته عن حقّه ومتابعته للقوم، ونصيحته لهم في مواقع النصح، وإلّا فلم يشترك معهم في طعنة رمح ولا ضربة سيف في جميع المواقف إلى يوم بويع بالخلافة»( ).
هذا في المجمل بالنسبة لزمن الخليفة الأوّل.
وأمّا زمن الخليفة الثاني عمر، فالبراهين القاطعة تُثبت أنّ الإمام لم يبايعه، والأدلّة الساطعة تحكي أنّه لم يكن وزيره( ) في يوم من الأيّام، أو من حاشيته المقرّبة منه.
والذي يومئ بعدم وجود تقارب بين عظيم أهل البيت وبين الخليفة الثاني هو أنّ من عادة العلاقات المتينة أنّها تُفضي، في الغالب أو أقلّاً من وقت لآخر، إلى المؤانسة وتبادل الزيارات وبثّ الهموم وكشف الأسرار والمودّة، وهذا بطبيعة الحال لم يكن متوفّراً، حيث إنّ الخليفة الثاني كان يسأل عبد الله بن عبّاس( ) عمّا يعتلج في نفس الإمام من المتوثّبين وما يعتمل قي ذهنه وما يطلقه من شكاية من قادة السقيفة.
وعليه، فإنّ الوقوف على خفايا تفكير الإمام عليّ واستبطان نفسيّته تجاهه من طريق الصحابي ابن عبّاس يوحي بأنّ العلاقة الخاصّة بينهما متوتّرة، أو في أحسن الأحوال باردة وفاترة، تتّسم طوراً بالمداراة العرفيّة والمجاملات الرسميّة وطوراً بالجفاف والسلبيّة.
ويعضد هذه الفكرة ما نقله المعتزلي وغيره من جواب له عليه السلام عن تهمة وجهّها إليه اللعين معاوية في رسالة تتضمّن، فقرة فيها، البغي على الخلفاء والإبطاء عنهم، وإليكم مقطع من جوابه عن تلك الرسالة، قال عليه السلام: (فأمّا البغي فمعاذ الله أن يكون، وأمّا الإبطاء والكراهيّة لأمرهم فلست أعتذر إلى النّاس في ذلك)( ).
وكذلك ما نقله الجوهري من أنّ الإمام عليه السلام بعد تنصيب عثمان للخلافة قال للصحابي عبد الله بن عمر مبتدأ بالقسم: (فوالله لولا أبوك وما ركب منّي قديماً وحديثاً، ما نازعني ابن عفان، ولا ابن عوف)( ).
وكيفما يكن، فمن المؤكّد أنّ عمر لم يستوضح من الإمام في كلّ حُكم يريد اتّخاذه وتطبيقه كما لم يستأذن منه في كلّ إجراء يسعى إلى تنفيذه وتشريعه، وقائمة مخالفاته واجتهاداته الطويلة تغني عن تسجيلها ويكفي مراجعة كتاب النصّ والاجتهاد للسيّد شرف الدين، وإنّما كان يرجع إليه في بعض المسائل المعضلة والقضايا التي أشكلت عليه وعلى غيره ويصعب عليهم الإجابة عنها أو اتّخاذ الرأي الصائب أو الراجح فيها.
هذا في الجملة بالنسبة لزمن الخليفة الثاني.
ونأتي الآن إلى زمن الخليفة الثالث، فمن المفروغ منه أنّ أبا الحسنين وقائد الغرّ المحجّلين لم يكن في زمن الخليفة الثالث عثمان من ضمن قادة الحكم وأمراء السرايا ومستشاري السلطان، بل ورد في بعض تصريحات الإمام( ) أنّه عليه السلام كان يذّم سيرة عثمان وسياسته ويُلقي باللائمة على تصرّفاته الشخصيّة وقراراته.
وهناك أمر بالغ الأهميّة ينبغي الإلماع إليه، فبحسب الكثير من المصنّفات التاريخيّة(  )  فإنّ الإمام عليّ عليه السلام لم يبايع الخليفة الثالث طوعاً، بل إنّه أجبر عليها، لأنّه كان من ضمن الرهط الذين رشّحهم عمر للخلافة، وقد أَمَرَ حينها المتولّي على جلسات المرشّحين لاختيار الخليفة، أنّه في حال اتّفق الأكثر أو الأغلب وأبى الأقلّ نتائج البيعة، فللأغلبيّة كلّ الحقّ في مجاهدة القلّة، بل ليبادروا إلى قتلهم بالسيف. وكذلك روي أنّه حين تمّت البيعة لعثمان قال ابن عوف للإمام: «بايع والّا ضُربت عنقك»( ).
والظاهر أنّ هذا المعنى هو المقصود فيما حكاه البخاري عن ابن عوف حين قال للإمام: «فلا تجعلنّ على نفسك سبيلاً»( ). لا ما قيل من أنّ المراد بذلك الملامة، ولذا حمل ابن أبي الحديد المعنى على ما استظهرناه، حيث قال: «يعني أَمَرَ عمر أبا طلحة أن يضرب عنق المخالف»( ).
والذي يفصح عن هذا الحدث ما صحّ عند المعتزلي في موضع آخر من شرحه للنهج، ونحن ننقل عنه المقطع التالي: «فلا تجعلنّ على نفسك سبيلاً، ثمّ قال: يا أبا طلحة، ما الذي أَمَرَك به عمر؟ قال: أن أقتل من شقّ عصا الجماعة، فقال عبد الرحمن لعليّ: بايع إذن، وإلّا كنت مُتّبعاً غير سبيل المؤمنين، وأنفذنا فيك ما أمرنا به»( ).
أيقال للمؤمن الكامل الإمام عليّ عليه السلام إذا لم تبايع كنت متّبع غير سبيل المؤمنين! فيا للعجب العجاب أليس هو على أقّل التقادير من أوائل المؤمنين، والميزان الذي به يكشف صحّة الأنساب وحقيقة الإيمان، وبحبه وببغضه يميّز المؤمن من المنافق كما نصّت على ذلك الأحاديث النبويّة الصحيحة المرويّة في كتب المسلمين؟ ما لكم كيف تحكمون؟
 والمثير في الأمر أنّ يُقدّم كلام الخليفة الثاني على أقوال الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم؟
ولا أدري من أعطى هذه الفئة المتسلّطة، التي زوت حقّ أهل البيت عنهم، هذا الحقّ للتحكّم برقاب النّاس وسفك دمائها؟ 
وفي هذا الشأن يقول الشريف المرتضى: «فأي رضاً هاهنا، وأيّ اجماع! وكيف يكون مختاراً من يُهدّد بالقتل وبالجهاد؟!
وهذا المعنى- يعني حديث التهديد بضرب العنق- لو روته الشيعة لتضاحك المخالفون منه، ولتغامزوا وقالوا: وهذا من جملة ما يدّعونه من المحال، ويروونه من الأحاديث. وقد أنطق الله به رواتهم، وأجراه على أفواه ثقاتهم»( ).
إذن بناء على تلك المستندات التي عرضناها أمامكم والوثائق المستنبطة في أغلبها من مصادر القوم لم يثبت أنّ الإمام كان يقاتل بين يدي الخلفاء الثلاثة، فكيف يصحّ والحال هكذا أن يستنتج بعد ذلك مخالفينا وبشيء من التساهل، ربّما غير مقصود، قضايا غريبة فيقولون: أنّهم لو خذلوه لما قاتل بين أيديهم وأصبح مستشاراً لهم وضمن إدارة دولتهم؟
على أنّه من حقّنا هنا أن نتساءل كيف ينسجم هذا مع ما جاء في بعض كتب التاريخ( ) من أنّ وصيّ النبيّ الأمين امتنع يوم الشورى أن يسير بسيرة الخليفتين (الشيخين)؟!
بعد سرد هذه المعطيات وقراءة محتواها بإمعان نظر اتّضحت عدّة أمور خطيرة لا ينكرها إلّا مكابر، منها: تنازع أكثر الأنصار والمهاجرين في  أمر الخلافة، ومنها: تسرّع المهاجرين في إتمام البيعة من دون مشاورة آل هاشم وبعض كبار الصحابة، ومنها: وقوع الظلم بسببها على رموز الهاشميين وبعض كبار الصحابة، ومنها: تخلّف بعض كبار الصحابة عن بيعة أبي بكر، ومنها، ولعلّ أهمّها أنّ الإمام عليّ عليه السلام بات أشهراً لا يعتقد بإمامة أبي بكر ولم تكن له بيعة في عنقه.
نعم، إذا اعتبر أنّ معنى البيعة لا يُشترط فيها صفق يد المسلم على يد الحاكم، سواء كان مكرهاً أو غير مكره، لأنّه لا يجب على كلّ واحد أن يأتي إلى الحاكم فيضع يده في يده ويبايعه، وإنّما يلزمه أن لا يظهر خلافاً، ولا يشقّ عصا المسلمين، كما يقول غير واحد من مشايخ الطائفتين، فلا مناص حينئذٍ من اعتبارها بيعة نافذة.
وقد تسأل ما هو الفارق بين موقف الإمام عليه السلام وموقف ولده الإمام الحسين عليه السلام؟
والجواب: هذا لا يفقهه إلّا من تتبّع نصوص العترة وفحص مؤلّفات الإماميّة المعتمدة ودقّق النظر فيها، وحين ذاك سيجد تنوّع أدوراهم طبقاً للوصيّة و(المذكّرة)، وعدم وجود بيعة مكرهة في رقبتهم، وبموجب ما يقتضيه الظرف والمصلحة، وما إلى ذلك.
 
المحور الثاني: قولهم أنّ دعاء النبيّ الأحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يردّ، ولا توجد دعوة واحدة من النبيّ قد رُدّت، فغير صحيح، كون القضية ليست على إطلاقها كما يزعمون، وإنّما هي موكولة لإرادة السماء وتخضع في النهاية إلى مشيئة أحكم الحكماء.
وبمعنى آخر: أنّ دعاء النبيّ الحبيب ليس دائماً وأبداً وفي كلّ حال يكون مستجاباً حتماً، بل يُستجاب ريثما تتوفّر الشروط وترتفع الموانع، أي: قد تقتضي الحكمة الإلهيّة تأخير الاستجابة لتقديرات ومصالح لا يعلمها إلّا عالم الغيب المطلق جلّ جلاله، بدليل ما ورد في بعض مصادر الطائفتين من أنّ الرسول الأمين صلوات الله عليه وعلى آله دعا لقومه حين آذوه وضايقوه بلفظ: (اللّهم أهدِ قومي، فإنّهم لا يعلمون)( ).
وورد في بعض المصادر بلفظ آخر هكذا: (اللّهم اغفر لقومي، فإنّهم لا يعلمون)( ).
وعليه، فإنّ حرص نبيّ الرحمة في دعاء ربّ الأنام لهداية قومه أو اتمام المغفرة لهم، رغم أنّه صلوات الله عليه وعلى آله بات يشغل نفسه عليهم حسرات، لم تتمّ كما تمنّى وأحبّ. بمعنى أنّه لم يهتدِ جميع مشركي قريش ولم ينصلح إيمانهم، حيث إنّ طائفة منهم بقيت على كفرها ونابذته وحاربته حتّى هلكت أو ارتدّت. وقد أنزل الله سبحانه وتعالى في كتابه:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}( ).
 
المحور الثالث: يتفرّع إلى مستويين:
المستوى الأوّل: ما المراد بلفظة النصر الواردة في حديث الولاية؟ وهل المعنى الصحيح للنصر متوقّف على أنّ يقع في الحياة الدنيا؟
قلت: بما أنّ حديث الولاية (اللّهم وال من والاه... واخذل من خذله) لم يُعيّن شكل النصر والخذلان، كما أنّه لم يُحدّد بالضبط زمنهما، وحيث لا يُعرف على وجه التحقيق والتحديد ذلك، فلم نمتنع عن حمل لفظتهما على الجانب المعنوي؟
وبعبارة ثانية: كثيراً ما يكون النصر للأولياء والمصلحين معنويّاً، فقد يخسرون قضاياهم الدعويّة أو معاركهم الشرعيّة وقد يُقتلون من أجلها ويستشهدون، لكن في نتائجها النهائيّة ومآلاتها المستقبليّة أنّها تبقى قصّة نابضة وفكرة حيّة في ضمير الأُمم، وهذا هو ما يُصطلح عليه بالنصر المعنوي، ولا أجد في مجال التدليل على صحّة وجهة النظر هذه من معركة الطّف (كربلاء الشهادة) فقد جسّدت هذا النوع من النصر المعنوي خير تجسيد.
ومن النصوص التي يمكن أن يُستند إليها في مؤازرة وجهة النظر هذه ما رواه عبد الله بن سيابة عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (لمّا قدم عليّ بن الحسين وقد قُتل الحسين بن عليّ صلوات الله عليهم استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقال: يا عليّ بن الحسين من غلب؟ وهو يغطي رأسه وهو في المحمل، قال: فقال له عليّ بن الحسين: إذا أردت أن تعلم من غلب ودخل وقت الصلاة، فأَذّن ثمّ أَقم)( ).
 فهنا يُشير الإمام السجّاد عليه السلام إلى أنّ الغلبة والنصر يوم الطف لم تكن ليزيد الفاجر مع أنّ جميعنا يعلم أنّ النصر العسكري قد تمّ لصالح المعتدي المعسكر الأموي.
إذن خليق بالباحث المنصف أن لا يحصر صور النصر الواردة في متن الحديث في نطاق الجانب الحربي والعسكري المشاهدة فعّالياته في ساحات القتال.
 وبطبيعة الحال نحن لا ننكر أن يتحقّق النصر أحياناً في دار الحياة الدّنيا، لكن لا نجزم بكونه على نمط واحد ونحصره في إطار واحد، فلا ننفي احتمال أن يكون المقصد بخلاف ما ذكر المخالف، بحيث يستجاب الدعاء تمام الاستجابة في يوم القيامة. ولم يُستبعد مثل هذا الطرح وهو عقلاً وارد ولا محذور في قبوله؟
ومن نافلة القول أنّ هناك آيات قرآنيّة قصّت علينا النصر بمعناه الغير الحربي عندما اشترط الخالق العظيم إبداء النصرة من خلقه ولو بخطوات أو نوايا خالصة لتتمّ نصرته لهم، ومن الواضح أنّ الله عزّ وجلّ كتب ليغلبن هو ورسله، لكن النصر والغلبة لم تكن على كلّ حال عسكرية، فقد قتل كثير من الأنبياء والرسل والأولياء من غير تحقيق نصر عسكري على أعدائهم في الحياة الدّنيا.
وفي هذا المسار ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار ما ورد في تفسير الآية الحادية والخمسون بعد البسملة من سورة غافر: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ}( ). ففي تفسير ابن كثير اختصر ما ذكره المفسّر الطبري أثناء تفسيره لهذه الآية الشريفة، قال ابن كثير: «قد أورد أبو جعفر ابن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} سؤالاً فقال: قد عُلم أنّ بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قتله قومه بالكليّة كيحيى وزكريا وشعيا، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إمّا مهاجراً كإبراهيم، وإمّا إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدّنيا؟
ثمّ أجاب عن ذلك بجوابين.
أحدهما: أن يكون الخبر خرج عامّاً، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة.
الثاني: أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممّن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم، كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء، سلّط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم، وقد ذُكر أنّ النمرود أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، وأمّا الذين راموا صلب المسيح، عليه السلام، من اليهود، فسلّط الله تعالى عليهم الروم فأهانوهم وأذلّوهم، وأظهرهم الله تعالى عليهم»( ).
ومن الآيات التي تندرج تحت هذا المستوى الآية الحادية والعشرون بعد البسملة من سورة المجادلة يقول الله جلّ شأنه فيها: {كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}.
وإليه الإشارة في الآية السادسة والخمسون بعد البسملة من سورة المائدة يقول تقدّست أسماؤه: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}.
وحال رسل الله الكرام وحزبه المتمثّل بهم كما ورد في قصّص القرآن العزيز والسيرة المعتبرة لا تخفى عليكم فهي ليست على نمط واحد وليس النصر العسكري الميداني هو النسق السائد، وإنّما منهم صلوات الله وسلامه عليهم من انتصر في الدّنيا في صراعه ضد المستكبرين والطغاة والمترفين، ومنهم من استشهد أو مات حتف أنفه فكان نصره في الآخرة.
بل حتّى من كان ينتصر منهم عليهم السلام في الميدان، كان في بعض الأحيان يخسر المعركة، كما حدث مع سيّد الرسل صلّى الله عليه وآله وسلّم في معركة أُحد، وربّما يصحّ هنا تضمين معركة صفّين.
إذا عرفنا ذلك فإنّ الانتصار في الحروب والنصر وفق حسابات السماء لا يمكن أن يكون في كلّ حال وفي كلّ تقدير هو الشاخص الذي من خلاله نعرف جهة الأولياء الصادقين، ولا هو المقياس الذي بواسطته يمكن تمييز ناحية الأصفياء المتّقين.
بهذا تسقط أعذار وحجّج مخالفينا، ومن الطبيعي أن لا لجاجة من أصحاب الفكر الرصين والنظر الموزون في مثل هذه الأمور الواضحة. 
أضف إلى ذلك، أنّه لو كان المراد من دعاء النصرة والخذلان هو خصوص ما يجري في دار الدّنيا وأحوالها، فسوف تواجه الباحث مشكلة تصطدم بسيرة بعض الصحابة ممّن نصر الإمام عليّ، نأخذ على سبيل المثال لا الحصر الصحابي عمّار بن ياسر رضي الله عنه وعن والديه، كونه صادف الخذلان وعدم النصر بعد رحيل المرسل إلى الثقلين في أكثر من حادثة أثناء مناصرته لأمير المؤمنين وانتهت أدوار حياته باستشهاده يوم صفين من قبل رجال الفئة الباغية معسكر الضلال معاوية وجيشه وقود الهاوية.
والآن أخبرونا يا أخوتنا من أهل الجمهور كيف تستقيم هذه الحقيقة مع ما طرحتموه وهي تصرخ بتناقضها التامّ؟
ونودّ التنويه هنا إلى أنّ تحديق النظر في عبائر الدعاء وتوالي فقراته وسياقه تُشعر أنّ نتائجه النهائيّة متعلّقة بيوم الكشف عن السرائر أو يوم تطبيق العدل المنتظر، فلاحظ قوله صلوات الله عليه وعلى آله في التضرّع لربّه: (اللهمَّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه وأحبَّ مَن أحبَّه وأبغِضْ مَن يبغضُه وانصرْ مَن نصرَه واخذلْ من خذلَه)( ).
والذي يدعم هذه الفكرة شاهدان:
الشاهد الأوّل: الحديث المخرج في المسانيد والسنن والمروي عن جابر الأنصاري عن الرسول أبي الزهراء البتول قال: (ما من امرئٍ يخذُلُ امرأً مسلمًا في موضعٍ تُنتَهكُ فيه حرمتُه، ويُنتقَصُ فيه من عِرضِه إلَّا خذله اللهُ في موطنٍ يُحِبُّ فيه نُصرتَه، وما من امرئٍ ينصُرُ مسلمًا في موضعٍ يُنتَقصُ فيه من عِرضِه، ويُنتهَكُ فيه من حُرمتِه إلَّا نصره اللهُ في موطنٍ يُحبُّ [فيه] نُصرتَه)( ).
وقد تعرّض الشيخ محمّد المناوي للحديث، فعلّق على فقرة: (إلّا خذله اللهُ في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرته)، قائلاً:«أي: في موضع يكون فيه أحوجَ لنصرته، وهو يوم القيامة. ثمّ تناول فقرة: (إلّا نصره الله في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرته) وقال: وهو يوم القيامة»( ). 
الشاهد الثاني: ما ورد في المستندات الشرعيّة، فضلاً عن المعاجم اللغوية، من أنّ من معاني النصر الإعانة أو المؤازرة والمعاضدة، من قبيل ما أخرجه البخاري في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (انْصُرْ أخاكَ ظالِماً أوْ مَظْلُوماً. فقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُوماً، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِماً، كيفَ أنْصُرُهُ؟ قالَ: تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذلكَ نَصْرُهُ)( ).
وفي البخاري بلفظ آخر عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هذا نَنْصُرُهُ مَظْلُوماً، فَكيفَ نَنْصُرُهُ ظَالِماً؟ قالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ)( ).
قال المناوي مُبيّناً: «كنّى عن كفّه عن الظلم بالفعل إن لم يكن بالقول، وعبّر بالفوقيّة إيماء إلى الأخذ بالاستعلاء والقوّة»( ).
ونظير ذلك أخرجه الترمذي في سننه بسنده عن أنس عن النبيّ الخاتم صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً، قيل: يا رسول الله، نصرته مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: تَكُفُّهُ عَنِ الظُّلْمِ؛ فَذَاكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ)( ).
يلاحظ أيّها الأحبّة أنّ كلمة النصر في هذه الأحاديث لا تتعلّق بالنصر العسكري ولا بالفتوحات البتة.
وفي هذا السياق حكى ابن حجر والعيني عن الشيخ ابْنُ بَطَّالٍ - وهو أحد شرّاح صحيح البخاري- أنّه قال:«النَّصْرُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْإِعَانَةُ، وَتَفْسِيرُهُ لِنَصْرِ الظَّالِمِ بِمَنْعِهِ مِنَ الظُّلْمِ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ وَجِيزِ الْبَلَاغَةِ.
ثمّ قالا: وقال البيهقي معناه: أنّ الظالم مظلوم في نفسه فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حسّاً ومعنى، فلو رأى إنساناً يُريد أن يجبّ نفسه لِظنِّه أنّ ذلك يزيل مفسدة طلبه الزنا، مثلاً، منعه من ذلك، وكان ذلك نصراً له»( ).
 هذا، ونلفت ذهن القارئ إلى أنّ الحديث الأوّل يبيّن الكيفيّة التي ينبغي اتّباعها لنصرة الأخ المسلم، فحين يكون مظلوماً تسعى، بحسب الوسع والمقدرة، في تخليصه من مظلمته، وحين يكون ظالماً تقوم، فيما إذا لم يوجد عذر شرعي، إمّا بمنعه من الذهاب لموطن الخلاف (المشكلة التي تندرج تحت المعصية) الذي يترتّب الوصول إليه صدور الظلم منه، أو بأن ترشده وتذكّره وتنصحه.
وفي هذا الصدد يقول أحد مشايخ الأزهر معقّباً: «ومعنى الحديث باختصار: أنّ المؤمن يجب عليه أن ينصر المؤمن إذا كان مظلومًا، وهذا واضح، وكذلك ينصره إذا كان ظالماً بمعنى أنّه يجب عليه منعه من هذاالظلم؛ لأنّ في منعه من ذلك نصراً له على شيطانه الذي يغويه وعلى نفسه التي تطغيه»( ).
ويضيف آخر في هذا المنحى التالي: «فإنَّ ذلك المنعَ نصْرُه؛ لأنَّه إذا مَنَعَه مِن ظُلمِه فقدْ نصَرَه على هواهُ وعلى شَيطانِه الَّذي يُغويه، وعلى نفْسِه الَّتي تَأمُرُه بِالسُّوءِ، وذلك هو أفضلُ النَّصرِ، ولأنَّه إذا تركه على ظُلْمِه ولم يَكُفَّه عنه، أدَّاه ذلك إلى أن يقتَصَّ منه؛ فكان مَنْعُه له ممَّا يُوجِبُ عليه القِصاصَ نَصْراً له»( ). 
وأكبر الظنّ أنّ ممّا يسند وجهة النظر في هذا الشاهد هو ما رواه ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: (أُدخل رجلٌ قبره فأتاه ملكان فقالا له: إنّا ضاربوك ضربة، فقال لهما: على مَ تضرباني؟ فضرباه ضربةً امتلأ قبره منها ناراً، فتركاه حتّى أفاقَ وذهب عنه الرعب، فقال لهما: على مَ ضربتماني؟ فقالا: إنّك صلّيت صلاة و أنت على غير طهور، ومررت برجل مظلوم ولم تنصره)( ).
قلت: في بعض نسخ الحديث المنقولة وردت لفظة (على مَ) هكذا (علامَ).
وأيّا ما يكن، فالحديث وإن كان في متنه نكارة كما يقول البعض، لكن بما أنّ الشيخ الألباني حسّن سنده في فتاوى جدّة، فيصحّ حينئذٍ للباحث الاستئناس بذيله في المقام.
وبالجملة ندرك من جميع ذلك أنّ النصر بهذا المعنى المتقدّم، سواء كان في الدّنيا أو في الآخرة، لا يعيق فكرتنا ولا يغيّر من المحصلّة شيئاً.
 
المستوى الثاني: ما علاقة الفتوحات بالنصر المذكور في حديث الولاية؟ وهل العلاقة بينهما متلازمة لا انفكاك بينها؟
يقول الأخوة من أهل الجمهور: إذا كان الخلفاء الثلاثة قد خذلوا عليّاً فلماذا نصرهم الله هذه الانتصارات وفتح لهم هذه الفتوحات؟
قلت: لا توجد أيّ إشارة، فضلاً عن عبارة، في الحديث تدلّ على أنّ المراد بالنصر في حديث الولاية الفتوحات، وعليه فإن محاولة ربط الحديث بالفتوحات محاولة غير ناضجة وغير مجدية. 
ثمّ لو تنزّلنا معكم بأنّ المقصود بالنصر المذكور في الحديث هو الانتصار في الحروب والفتوحات، وبصرف النظر عن شرعيّة هذه الفتوحات وما تخلّلها من مخالفات وما لازم ذلك من اعتبارها عند البعض نصراً إلهيّاً، والكلام في هذه الناحية طويل الذيل ويستحسن مراجعة كتاب قراءة جديدة للفتوحات الإسلامية للشيخ علي الكوراني، يبرز أمامنا السؤال الآتي: لم لا يكون مقصد النبيّ صلوات الله وسلامه عليه وآله من العبارة مورد البحث هو الأحداث التي وقعت أثناء حروب أبي الفرقدين عليّ المرتضى؟ لأنّ الدعاء النبويّ في حديث المعرفة كان يتحدّث عن نصرته هو وعدم خذلانه هو عليه السلام دون غيره من الصحابة، وبالتالي فإنّ المُساءلة والملامة تقع على من حاربه وكذا من تقاعس عن نصرته فخذل الحقّ وأهله وهجر العدل وجبهته، فأمعن النظر وتدبّر.
على أنّ الانتصار في الفتوحات لا تستوجب صلاح المنتصر ولا تقتضي مرضاة ربّ البريّة عن سيرته وإدخاله جنّة النعيم ودار القرار، لأنه قد ورد في مصادر المدرستين في أكثر من حديث ( ) بمفاد: أنّ الله سبحانه ينصر دينه ويؤيّده بالرجل الفاجر ويشدّده بقوم لا نصيب لهم  في الإسلام.
فهكذا نصر وإن تمّ على يد رجل أو رجال لا حظوة لهم عند الله عزّ وجلّ، لكنّه يعود بالخير للدّين والنفع لأهله والمصالح العليا للإسلام.
وفي هذا الفضاء يقول أحد الفضلاء: لا نظّنك تختلف معنا في خلفاء بني أُميّة وبني العبّاس، الذين يعرف القاصي والداني أنّهم كانوا أهل فسق وفجور وعربدة وخمور، ومع ذلك وجدناهم قد (فتحوا البلاد)، فهل يصحّ لعاقل أن يحكم على هؤلاء الفسقة الفجرة بالإيمان والعدالة لأنّهم (نشروا الإسلام)؟!
 
ثمّ إنّنا حتّى لو تنازلنا عن كلّ ما سبق وأقررنا بأنّ تلك الفتوحات المذكورة كانت إسلاميّة تماماً وبهدف نشر هذا الدِّين العظيم، فإنّ ذلك لا يلازم أيضاً أن يكون من أَمَرَ بها مؤمناً برّاً، بل قد يكون فاسقاً فاجراً! والدليل على ذلك الحديث الشريف الذي أشرنا إليه قبل أسطر.
فالمطلوب إذاً هو البحث جيدا والتحقيق، وعدم الانخداع بالمظاهر، فقد يكون من ينصر الدِّين في الظاهر فاجراً كما نصّ النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وعليه فإنّ محاولة الربط بين الأمرين هي محاولة خاطئة، أعني الربط ما بين ما يكون ظاهراً من أنّ فلاناً قد فتح البلدان؛ وما بين أن يكون فلان هذا مسلماً مؤمناً تقيّاً عادلاً، إذ لا ملازمة بين الأمريْن، وعلى الحاذق أن يبحث في ما وراء الظواهر ويفتّش عن الأسباب الحقيقيّة التي دفعت فلاناً لأن يجيّش الجيوش ويرسلها للفتح باسم الإسلام، فإن كانت نيّته نيّة صادقة مخلصة وجب احترامه، أّمّا إن كان له أهداف أخرى فلا( ).
وبالمحصّلة لا يوجد تلازم بين النصر في حديث الولاية والفتوحات، ولا يمكن الاستناد إلى هذه الناحية والاتكاء عليها في ترويج فكرة أنّ النصر دليل عدم خذلان الإمام، كونها سالبة بانتفاء الموضوع.
وثمّة سؤال موجّه لمشايخ أهل الجمهور يرتبط بما سبقه، لماذا طبّقتم يا أخوتنا الخذلان على من حارب الإمام عليّ عليه السلام من الخوارج (معركة النهروان) وتركتم تطبيقه على معاوية وحزبه (معركة صفين) وعائشة وطلحة والزبير وأعوانهم (معركة الجمل)؟
بقي شيء أخير: من المعلوم أنّ الباغي معاوية خذل الإمام الهمام عليّ عليه السلام، وهذا لا نقاش فيه ولاجدال ولا ينكره إلّا جاهل، وبعد التسليم بهذا يرشح منه سؤال يفرض نفسه: لو كان المعنى من النصر هو الفتوحات، كما تدّعون، فلم انتصر معاوية في بعضها، وهو الخاذل للإمام عليّ جزماً؟
وهذا ينسحب أيضاً على ولد معاوية العنيد الأثيم يزيد فكيف انتصر هذا المجرم خبيث النطفة على سيّد شباب أهل الجنّة، وعلى أهل المدينة، وفي بعض فتوحاته؟
ومهما كان نوع التبرير وحجم الترقيع وشكل العذر في الإجابة عن هذا الاستفهامات فسوف لا نتفاعل معها ولا نلقي إليه بالاً، لأجل تمسّكنا بقاعدة أوّليّة اعرف الحقّ تعرف أهله، وبالمقابل نلمس هشاشة الفكرة وضعف المبنى عند عبيد الرجال وعبّاد الهوى.
إلى هنا تنتهي المحاور الثلاثة ونأمل من الله سبحانه أنّ تكون إجاباتنا مرضية وردودنا موفّقة.
 
 
الخاتمة
 
تناول المقال من خلال جولته المتوسّطة عدّة قضايا متعلّقة بحديث الولاية فرفع الاشكالات المسجلّة على فقراته ودفع الشبهات عن متنه وخلص إلى نتائج مهمّة أزاحت ستار الغموض عن بعض مفرداته، منها: أنّ الإمام عليّ عليه السلام لم يقدم على مبايعة بعض الخلفاء إلّا تحت ظروف قاهرة واستثنائيّة أو تحت طائلة التهديد بالقتل ورسائل الوعيد بالتصفية.
ومنها: أنّ كلمة دعاء االرسول لا يجاب في كلّ حين، وإنّما يخضع لشروط ومصالح تعود في الأصل لتقديرات ربّ العالمين.
ومنها: أنّه لا توجد علاقة تلازميّة بين الفتوحات والنصر في حديث الولاية، وأن المنتصر في الفتوحات لا يقتضي صلاحه ومرضاة ربّ الأرباب عنه، لأنّه ورد في مصادر المدرستين بمفاد أنّ الله سبحانه ينصر دينه أحياناً بالرجل الفاجر ومن لا نصيب له في الآخرة.
ومنها: أنّ معنى النصر على ضروب ثلاثة: نصر يكون في الحياة الدّنيا والآخرة، ونصر يكون في الدّنيا ولا يكون في الآخرة، ونصر يكون في الآخرة ولا يكون في الدّنيا.
وما دام حديث الولاية لم يُحدّد زمن النصر، فلا داعي لنقوم نحن بوضع تحديد من عنديّاتنا ومن ثمّ نجزم به.
وبهذا نكون قد أوضحنا جوانب القصور التي اعترت أفكار مشايخ أهل الجمهور.
ولا ننسى تقديم الشكر للأخوين العزيزين الحاج فارس البيضاني والحاج محمّد أنور الطالب لجهودهما في مراجعة البحث وعمليّة التدقيق.
والحمد لله سبحانه على نعمه وتوفيقه لما أردنا بيانه، ونسأله أن ينصر الإسلام والمسلمين ويلمّ شملهم ويوحّد كلمتهم ويخذل عدوّهم، بجاه النبيّ وآله الميامين، آمين آمين يا ربّ العالمين
 
 
 

شبهات_العنكبوت.pdf

تحميل الملف