حين تنكشفُ الغفلةُ، تتبددُ غشاوةُ الوهم، ويصحو الوعيُ على حقيقةٍ طال إخفاؤها. وفي لحظةِ الصحوِ تلك، تتقدمُ العدالةُ لتقول كلمتها، بلا خوفٍ ولا مجاملة. فما بين الغفلةِ والانكشاف، تبدأُ رحلةُ الحق في استعادةِ صوتهِ وإقامةِ ميزانه. ماذا نقولُ لمنْ طغى وتجبر، وحولَ شهرِ الرحمةِ إلى ساحةِ ألم، وصارَ رمضان، الذي تهفو إليهِ القلوب، زمنا للدموعِ بدلَ السكينة؟
لقدْ ظنَ الظالمُ أنَ علوهُ في الأرضِ ينجيه، وأنَ صوتهُ يعلو فوقَ كلِ صوت، لكنهُ نسيَ أنَ فوقهُ ربا لا يغفل، وأنَ عدالةَ السماءِ لا تؤجلُ وإنْ صبرتْ .
كم منْ بيتٍ تهدم، وكمْ منْ أمٍ ثكلت، وكمَ منْ طفلٍ صعدتْ روحهُ إلى السماءِ شاهدا على ظلمِ لنْ ينسى.
تلكَ الأرواحِ ليستْ أرقاما، بلْ شهاداتٌ حية، وأماناتُ معلقةٌ في أعناقِ منْ ظلم، وستبقى تلاحقهمْ حتى يقفوا بينُ يدي منْ لا يظلمُ مثقالَ ذرة.
وهنا، تتجلى الحقيقةُ التي لا مهربَ منها، كما جاءَ في القرآنِ الكريم: (وجاءتْ سكرةُ الموتِ بالحقِ ذلكَ ما كنتُ منهُ تحيد، ونفخَ في الصورِ ذلكَ يومُ الوعيد، وجاءتْ كلُ نفسٍ معها سائقٌ وشهيد، لقدْ كنتُ في غفلةٍ منْ هذا فكشفنا عنكَ غطاءك، فبصركَ اليومَ حديدَ قرينه، هذا ما لدى عتيدٍ ) .
في تلكَ اللحظة، لا ينفعُ سلطان، ولا مال، ولا قوة. تنكشفَ الغفلة، وتعرضَ الأعمال، ويقفَ الإنسانُ أمامَ حقيقةِ نفسه، مجردا منْ كلِ زيف. أينَ الطغاةُ الذينَ ملؤوا الأرضُ ظلما؟ أينَ منْ ظنوا أنَ بطشهمْ سيخلدهم؟
لقدْ مروا جميعا، وبقيتْ قصصهمْ عبرة، فلا ظلم يدوم، ولا طغيان يبقى، والنهايةُ دائما للحق، وإنْ طالَ الطريق. وسيعودُ رمضانْ يوما كما كان، نورٌ يملأُ القلوب، وفرحا يكسو الوجوه، وتعودَ الأعيادُ طاهرةً كما أرادها الله، رغمَ كلِ ما حاولَ الظلمُ أنْ يسرقهُ منها.
إنَ هذهِ الآيات؛ تذكرنا بأنَ الدنيا دارُ اختبار، لا دارُ بقاء، وأنَ الغفلةَ قدْ تطول، لكنها لا تدوم. فكلُ إنسانٍ سيقفُ يومُ بينَ يديْ الله، يرى أعمالهُ واضحةٌ لا لبسَ فيها.
منْ وعيِ هذهِ الحقيقة، عاشَ في الدنيا بضميرِ حي، يخافَ الظلم، ويتجنبَ الأذى، ويرجو رحمةَ اللهِ قبلَ أنْ يأتيَ يومٌ لا ينفعُ فيهِ الندم.
فالخوفُ منْ الآخرةِ ليسَ ضعفا، بلْ نورٌ يهدي القلب، ويجعلَ الإنسانُ أكثرَ عدلاً ورحمةٌ وإنسانية.