كيف نعالج الفشل في الكهرباء ؟!

كيف نعالج الفشل في الكهرباء ؟!

لابد من الاعتراف أولا إننا فشلنا في الكهرباء ، ليس فشلا اعتياديا وإنما يتجاوز حدود المعقول ، ومن معايير هذا الفشل إن الكهرباء وخلال السنوات الماضية لم تستطيع توفير احتياجات المستهلك ( منزلي ، صناعي ، زراعي ) على وفق ما يحتاج ، فالإنسان العراقي حاله كحال أي إنسان في بقية البلدان من حقه أن ينسى بأنه يعيش أزمة الكهرباء بتوفرها على مدار اليوم خلال النهار والليل  ، ولكن هذه الحاجة تحولت لأمنية لم تتحقق إلا في بعض أيام السنة عندما ينكسر الجو بعد حرارة الصيف او عندما تنتهي بردات العجوز ، وهو فشل مؤكد لان خطط واستراتيجيات وضعت للمعالجات ، فالجميع لم يهمل مشكلة الكهرباء حكومات و أحزاب وكيانات وإفراد ، والموضوع شغل ويشغل حيزا كبيرا من اهتمامات الدوراتأل 6 لمجلس النواب ، كما انه اشغل الحكومات التي تعاقبت على الحكم لمساحات كبيرة في اجتماعات مجلس الوزراء ، كما اخذ حيزا مهما في عمل وطموح الوزارات المعنية بهذا الموضوع ، ولم تغيب الكهرباء عن البرامج الانتخابية لمعظم الكيانات والأحزاب في التبشير لإيجاد حلول لها ترضي الجميع .
والفشل في الكهرباء لم يكن مجانيا وإنما كلف عشرات المليارات ، وحسب وصف البعض فان ما تم إنفاقه في الكهرباء يكفي لإنشاء منظومات وفق آخر التقنيات ، والإنفاق الحكومي ليس هو الحكم الوحيد فما انفق في تشغيل المولدات الأهلية كاف لصنع إمبراطورية للكهرباء ، ولا يزال الكثير يتساءلون متى ستتم المعالجة الفعلية وتنتهي المعاناة ؟ ، والإجابة عن ذلك واضحة وهي انعدام السقف المحدد لتحقق تلك الأمنيات ، فإذا كان هدف المواطن هو تغطية احتياجاته كاملة على مداد اليوم فذلك غير ممكن ، فالخطط التي وضعت بعد 2003 في مجالات الإنتاج والنقل والتوزيع وضعت تقديرات ، ولكن هذه التقديرات لم تكن بدقة عالية لان الاستهلاك أكثر من الإضافات في كل المرات ، فالكهرباء تخطط بضوء ما يسمح لها من موارد وإمكانيات ضمن الحسابات الجارية والاستثمارية في الموازنات ، فيتحول الرقم إلى ( ميغا واط ) وعندما يخططون لإنتاج وتوزيع 20 ألف ميغا واط خلال سنوات الخطة ، يرتفع الاستهلاك إلى 25 وعندما يخططون لهذا الرقم تتجاوز الحاجة إلى 30 ألف ، والعجز موجود بين الإنتاج والاستهلاك وتتم معالجته من خلال جداول المقطوعات التي لم ترضي المواطن في بلد قدم شعبه  أغلى التضحيات عبر مسيرة تمتد لعقود وسنوات  .
والبعض يستسهل المسالة فيقول ، لماذا لا ننتج أكثر من حاجة الاستهلاك بان يكون الهدف ل50 ألف ميكا واط مثلا ؟ ، وهو كلام بسيط ولكن تنفيذه ليس بالإمكان ، لان الكهرباء تكنولوجيا معقدة لا تعتمد على الإنتاج وإنما ترتبط بالنقل والتوزيع والسيطرة وغيرها من التفاصيل ، والقضية تحتاج لموازنات ضخمة لا يمكن للدولة توفيرها في واقع                                                                                                                                                                                                                           الحال ، وان توفرت الأموال فإنها بحاجة لسنوات ، فمحطات الكهرباء لا تباع في المولات وإنما تنتج في شركات عالمية تعمل على الطلبات ، وعندما تحتاج للتعاقد معهم فالأمر يتطلب سنوات لبرمجة الإنتاج والتسليم ، كما إن القضية تشمل الأعمال المدنية و خطوط النقل بالطاقات المكافئة لتغطية احتياجات العراق ، وترتبط أيضا بشبكات التوزيع الوطنية التي يجب تهيئتها لكل الإضافات ، ويضاف لكل ذلك الحاجة للوقود لان الكهرباء لا تنتج من الهواء وإنما من مصادر للطاقة بكافة الأنواع ، والعوامل التي تكفل توفير احتياجات البلد من الكهرباء لم تجتمع في الكثير من الحالات خلال تلك السنوات ، ناهيك عن الظروف التي مرت بوزارة الكهرباء من حيث   التغيير في قياداتها في أوقات بناء المنظومات ، إلى جانب الفساد والهدر والأخطاء في القرارات التي شملتها التحقيقات من مختلف المستويات .
والمواطن لم يكن بمنأى عن مسببات الفشل الذي أصاب الكهرباء ، ففي ظل ضياع السياسات والإجراءات الصحيحة في جباية الأجور ، تولدت نزعة الإسراف في استهلاك الكهرباء ، فبعد أن كانت الأمنية تشغيل المراوح تطورت إلى المبردات ثم انقرض جيلها لتظهر المكيفات ، والبعض يتمادى بحيث أصبحت مكيفاته تشتغل مادامت الوطنية موجودة وفي أكثر من مكان من البيت وكان القضية فيها انتقام وعناد ، وبعض التجار ومن يقف معهم في منحهم أموال الاستيراد بالدولار ، يغرقون الأسواق بأجهزتهم التي تعمل بالكهرباء ليس بوسائل التدفئة والتبريد فحسب وإنما بأجهزة عالية الاستهلاك من التنور والطباخات وفي مختلف الاستعمالات ، وفي ظل أزمات الكهرباء تغيرت الكثير من العادات ، فالتبريد بالمكيفات حاضرا وبعدد الغرف حتى وان كانت خارج الاحتياج ، والطبخ بالكهرباء والتدفئة النفطية والغازية تحولت للكهرباء ، وفي العديد من المنازل والمحلات نشهد مبالغة في الإنارة والديكور .
ونقول ليس بهدف إضعاف الهمم ولكن للاستفادة و للتذكير ،  إن مشكلات الكهرباء لا يمكن أن تحل يوما  بمستوى الحاجة والطموح بفعل عامل واحد فحسب   ، لأنها تحتاج لاجتماع عوامل وإرادات نتمنى أن تتكامل  يوما ، ونقصد بها التمويل العالي ( حتى وان كان بالاقتراض القابل للاسترجاع من الجبايات ) والإدارة الواعية الخالية من الضغوطات ، وإسهام المواطن في الاستهلاك على قدر الحاجة فقط وفاعلية الجباية التي تقف بوجهها عدة تحديات ، منها وجود الشبكات الهوائية القابلة للاختراق وانتشار العشوائيات وعدم القدرة على معاقبة المخالفين قضائيا او بقطع التيار ، وبغياب جزء او كل ذلك ستبقى الكهرباء أمنية عصية عن التحقق ، وانقطاع التيار  ذريعة  للسب وشتم  واللوم لهذا وذاك !! .